عرض داليا يسري ورحاب الزيادي

نطالع كتاب تحت عنوان “الاقتصاد في زمن كوفيد-19″، لكاتبيه ريتشارد بالدوين وبياتريس ويدر دي مورو، بالإَضافة الى مشاركة عدد من خبراء الاقتصاد في فصول الكتاب، وخلال المقدمة، يشير الكاتبان إلى أنهما يسعيان من خلال هذا الطرح إلى التدقيق بتفاصيل الجائحة المنتشرة حول العالم في الوقت الحالي، ولكن ليس من وجهة نظر طبية، لأنه على حد قولهم “نحن لسنا أطباء، ولكننا اقتصاديون”، ولهذا السبب يحاول الكتاب أن يقدم دراسة وافية للأوضاع الاقتصادية في زمن تفشي كوفيد-19. 

وفي المقدمة يشرح لنا الكاتبان كيف من الممكن أن يكون هذا الفيروس مُعدى اقتصاديًا بنفس درجة قدرته على نشر العدوى الطبية، مبرهنين على ذلك بالتوقعات التي أصدرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتاريخ 2 مارس 2020، عندما أشارت الى أن كلا من إيطاليا واسبانيا تواجهان مخاطر كبرى في الانزلاق الى حالة من الركود الكبير، بالإضافة الى تصريحات صندوق النقد الدولي والذي يرى أن هناك إمكانيات أكثر خطورة أمام الاقتصاد العالمي. 

ويدور الكتاب حول أسئلة اقتصادية رئيسية، تتركز في: كيف وإلى أي مدى وما هو قدر السرعة التي سوف ينتشر من خلالها الضرر الاقتصادي حول العالم؟ وإلى متى سوف يستمر هذا الضرر؟ وما هي آليات العدوى الاقتصادية؟ وأولاً وقبل أي شيء؟ كيف من الممكن أن تتصرف الحكومات حيال هذه الأزمة؟

ويشير الكتاب إلى أن حجم واستمرار التأثير الاقتصادي الناتج عن المرض لا يمكن التنبؤ به بسهولة، الأمر هنا يشبه إلى حد كبير الشخص الذي يصاب بالإنفلونزا الموسمية ويعاني من انزعاج سيء ولكنه قصير المدى. وعليه، يمكن أن تكون هذه الأزمة قصيرة الأمد وفي نفس الوقت تأثيراتها حادة للغاية،  بحيث من الممكن أن تسبب الصدمة الاقتصادية آلاماً طويلة وربما تترك ندوبًا عميقة أكبر بكثير من الأوبئة الأخرى التي انتشرت عبر العالم خلال التاريخ، مما يعني أن هذا الوباء أمره مختلف، وما يجعله مختلفًا هو أن الأوبئة السابقة ضربت الدول التي كانت في ذلك الوقت أقل من حيث الهيمنة الاقتصادية، كما أن تلك كانت اوبئة أصغر بكثير. 

قنوات العدوى الاقتصادية لـ كوفيد-19

تحت عنوان “قنوات العدوى الاقتصادية لـ كوفيد-19″، يشار في الكتاب الى أن الاقتصادات على المستوى العالمي، عادة ما ترتبط بالتدفقات عبر الحدود، وهذه التدفقات على غرار البضائع والخدمات، والأشخاص، ورأس المال، والاستثمار الأجنبي المباشر، والشبكات المصرفية الدولية، ومعدلات التحويل.

وعليه، يرى الكتاب أن هذه التدفقات بالإضافة الى المعتقدات الاقتصادية والخدمات المصرفية الدولية تمثل نقطة انطلاق جيدة لتأثيرات العدوى الاقتصادية، أما فيما يتعلق بالبنوك ومدى قدرتها على نقل العدوى الطبية، فيجادل علماء الاقتصاد ويختلفون فيما بينهم حول صدق أو عدم صدق هذه الفرضية، حيث يرى البعض أن البنوك معدية بطبعها، فيما يتردد آخرون بهذا الصدد. 

ومن يرى أن البنوك معدية، يبرهن على وجهة نظره أن يكون هذا بفعل التأخر عن السداد أو تعرض عملائها لضائقة مالية، وهو ما يترتب عليه أن تقدم جميع الشركات تقريبًا على الاقتراض. وهو ما يؤدي الى توقف مفاجئ في الإيرادات، التي من الممكن أن تتحول إلى حالة اشهار افلاس. 

وأما فيما يتعلق “بالقطاع المالي غير المصرفي”، يمكن أن نقول إن هذه الشركات قد تكون أكثر عرضة لمخاطر في حالة تدهور تدفقات السيولة. ويشير الكتاب الى أن اغلاق الاقتصاد لبضعة أسابيع متتالية لا يشبه اغلاق مصباح كهربائي يسهل إغلاقه وإعادة فتحه، وإنما يتشابه بشكل أكبر مع إغلاق المفاعل النووي، الذي يجب أن يتم ببطء شديد، لأن هذا حدثًا يرتبط بمشكلات مالية ضخمة مثل حاجة الشركات إلى دفع الديون والأجور، بالإضافة الى دفع أقساط الرهن العقاري وما إلى آخره، بحيث قد يترتب على الاغلاق الاقتصادي المتواضع حدوث كارثة مالية، لأن المصانع على سبيل المثال يجب أن تستمر في دفع الأجور لموظفيها ومع انعدام الإنتاج قد تتعرض الى حالة من الإفلاس الشامل. 

وعن قدرة “التجارة” على نقل العدوى الاقتصادية، يُذكر في هذا السياق، أن التجارة بالتأكيد تعتبر واحدة من أهم الآليات التي من خلالها تتعرض المصالح الاقتصادية للأضرار، والأسباب واضحة بالطبع، لأن هذا يرتبط بحظر السفر وإغلاق الحدود وما شابه من إجراءات من شأنها أن تقلل من حجم الصادرات لدى القطاعات المنكوبة في البلدان المنكوبة. فالصادرات من الصين على سبيل المثال، تضررت بالفعل من شدة الفيروس. كما أن “معدلات التحويل” تعتبر بدورها من العوامل المؤثرة فيما يتعلق بعدوى الأزمات المالية، لأن انخفاض قيمة العملة التايلاندية على سبيل المثال، ترتب عليه أن جعل العديد من الشركات التايلاندية تعلن افلاسها على الفور، وذلك لأن القيمة الدولارية لدخلهم لا يمكن أن تُعطي لدخلهم تكلفة الدولار. 

الاقتصاد الكلي للأنفلونزا

في الفصل الأول تحت عنوان “الاقتصاد الكلي للأنفلونزا“، يكتب بياتريس فيدر دي ماورو موضحًا أن الأنفلونزا العادية المؤقتة التي تصيب الانسان لا يمكن مطابقتها مع ما يطلق عليه “إنفلونزا الاقتصاد الكلي”، وهو ما يعادل صدمة العرض والطلب السلبي المؤقت. مما يترتب عليه أن يتسبب ذلك في انخفاض الناتج المحلي لبعض الوقت، ثم يلي ذلك حدوث انتعاش سريع، أي أن التباطؤ في النمو الاقتصادي الذي حدث بفعل المرض قد يتم تداركه في وقت قريب، وقد يكون كوفيد-19 لايزال في هذا الطور حتى الآن، ولكن من المرجح أيضًا أن يكون الاضطراب العالمي الكبير مستمر لفترة أطول. بحيث لاتزال آثار هذا السيناريو على النمو العالمي والإقليمي غير مؤكدة الى حد كبير. ويشير الكاتب إلى أن حجم الصدمة سوف يتم تحديده من خلال حجم التدابير المتخذة لأجل تجنب العدوى واسعة النطاق ولأجل الحد من انتشارها. وردًا على سؤال بشأن، كيف من الممكن لواضعي السياسيات التعامل مع هذا الركود؟ يرد الكاتب مشيرًا إلى أن هناك عدة إجراءات يمكن اتخاذها في هذا السياق، من ضمنها توفير السيولة أو الضغط على الوسطاء الماليين لأجل الاستمرار في اقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما أنه من الممكن أن يتم نشر التدابير المالية بسرعة مدهشة بهدف مساعدة المتضررين من الحجر الصحي ونقص الدخل، على سبيل المثال، قررت الصين وهونج كونج وسنغافورة اتخاذ تدابير مالية تهدف الى تحفيز الطلب وتعزيز الثقة بنسبة تقارب معدل 2% من الناتج المحلي الإجمالي “بالنسبة لسنغافورة”. 

معالجة تداعيات فيروس كوفيد-19

وفي الفصل الثاني، وتحت عنوان “معالجة تداعيات فيروس كوفيد-19″، يكتب لورانس بون مشيرًا إلى أن الاضطرابات المترتبة على الفيروس مثل القيود على السفر وإغلاق المصانع والانخفاض الحاد في العديد من أنشطة قطاع الخدمات، جميع هذه الأشياء تعد بمثابة القنوات المباشرة التي يؤثر الفيروس من خلالها على الاقتصاديات. كما أن هناك عامل مهم يدعو إلى توخي الحذر عند محاولة تقييم الأثار المترتبة على انتشار الفيروس، وهذا العامل يتركز في أن الفيروس يتطور بشكل يومي. والسؤال الرئيسي هنا يدور حول، إلى متى وإلى أي مدى سوف ينتشر الفيروس مع ما يرافقه من تدابير تهدف الى احتوائه؟! وردًا على هذا السؤال وجب الإشارة الى أننا لا نملك يقينًا حتى هذه اللحظة إجابة محددة عن هذه التساؤلات، ولهذا السبب نقوم برسم سيناريوهين لتطور الأمر. يقتضي أولهما أن تنجح العديد من الدول في احتواء الفيروس بنفس الطريقة التي اتبعتها الصين مسبقًا، ووفقًا لهذا السيناريو سوف يتباطأ النمو الاقتصادي العالمي بشكل حاد خلال النصف الأول من عام 2020، ثم سيبدأ في التعافي بشكل متواضع. 

فيما يشير السيناريو الآخر، إلى تفشي العدوى بشكل أوسع عبر مناطق آسيا والمحيط الهادئ والاقتصادات المتقدمة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وهو ما يعني اتخاذ المزيد من تدابير الاحتواء، والتي سوف يترتب عليها تراجع الثقة وحدوث تباطؤ أكثر وضوحًا في الاقتصاد. 

توصيات للسياسة الاقتصادية المثلى

وبناءً عليه، يقدم لنا كاتب هذا الفصل توصيات للسياسة الاقتصادية المثلى التي ينبغي اتباعها لأجل التخفيف من الآثار المترتبة على تفشي الفيروس، ويأتي من ضمن هذه التوصيات، أن يتم توجيه الانفاق الحكومي المتزايد أولاً وقبل أي شيء الى قطاع الصحة بغرض دعم كل ما يمكن اتخاذه في سبيل الانفاق على الوقاية والاحتواء والتخفيف من آثار الفيروس، بما في ذلك رفع أجور العمال وتوفير ظروف بيئية مناسبة. كما ينبغي دعم الأسر والشركات الصغيرة، لأنه يحتمل –وفقًا لرأي الخبير أن تؤدي تدابير احتواء الأزمة الى توقف مفاجئ في المجال الاقتصادي، مما يعني أنه ينبغي التركيز على البشر وجعلهم هم الأولوية. وفي هذه الحالة هناك خيارات عدة، تشتمل توفير خطط عمل قصيرة الأمد وتزويد الأسر الفقيرة بالمزيد من فرص العمل المؤقت. كما ينبغي توفير بنود من شأنها أن تساعد هؤلاء على مواجهة إجراءات مد حالة الاغلاق التام وحالات تسريح العمالة. 

يرى الكاتب كذلك، أنه من الضرورة زيادة احتياطي السيولة للشركات في القطاعات المتأثرة لأجل تجنب وقوعها رهن الديون، بالإضافة الى تخفيض قيمة الرسوم والضرائب والائتمان الثابت مما قد يساعد على تخفيف الضغط على الشركات التي تواجه انخفاضًا مفاجئا في معدلات الطلب. 

الأثر الاقتصادي لكوفيد-19

تحت عنوان “الأثر الاقتصادي لكوفيد-19“، يشرح لنا وارويك مكييبيين وروشين فيرناندو في الفصل الثالث من الكتاب، كيف تعاني جميع الشركات التي يعتمد انتاجها على عناصر قادمة من الصين من تقلصات في حجم الإنتاج، كما أن فرض قيود على وسائل المواصلات بين الدول بعضها البعض، قد أدى الى حدوث المزيد من التباطؤ الاقتصادي العالمي، والأهم من ذلك كله، هو ما ترتب على تفشي حالة الذعر بين المستهلكين والشركات بفعل تكالب المواطنين على الشراء بما يتجاوز أنماط الاستهلاك المعتادة، والتي خلقت أنماط استهلاك شاذة. ويشير الكاتبان إلى أن الأسواق المالية العالمية، قد استجابت بدورها للتغييرات الراهنة، وقد أدى ذلك الى انخفاض في مؤشرات الأسهم العالمية، وبناءً عليه قام الكاتبان بطرح عدة جداول بيانية استعرضوا من خلالها التأثيرات الاقتصادية المتوقعة لكل سيناريو من السيناريوهات المتوقعة لتطور الأزمة. 

تأثير فيروس كورونا فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تم الإعلان عن فيروس كورونا المستجد من قبل السلطات الصينية فى 31 ديسمبر 2019، ويسبب هذا الفيروس أعراض الأنفلونزا تؤدى إلى الوفاة، وقد انتشر الفيروس فى أكثر من 65 دولة ومنطقة فيما يقرب من 87،600 حالة وما يقرب من 3000 حالة وفاة حتى 26 فبراير 2019، وكان لديه القدرة على تعطيل الأنشطة الاقتصادية العالمية.

عدوى فيروس كوفيد 19: نشر المسافرين من الصين وكوريا وإيطاليا وغيرها من الدول المتضررة فيروس كوفيد 19 إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وانتشر بالفعل فى إيران وفي 29 فبراير، أبلغت إيران عن 593 إصابة و43 وفاة، ومن المرجح أن يؤدي ارتفاع معدلات الإصابة إلى تعطيل الإنتاج والتجارة، وقد أغلقت السلطات المدارس وألغت السينما والفن، كما أغلقت الدول المجاورة حدودها البرية مع إيران، وأعلنت حالات الإصابة فى دول آخرى 19 حالة فى الإمارات، و8 حالات فى العراق، وسجلت البحرين 38 حالة والكويت45 حالة، كما سجلت كل من مصر ولبنان أولى حالتهم.

تتمثل القدرة فى احتواء الفيروس فى قوة أنظمة الصحة العامة، وتحتل اليمن (المرتبه120) وجيبوتي (المرتبة 157)،  بينما تواجه سوريا صعوبات فى مكافحة انتشار الفيروس نظرا لوجود الحرب بها والتى تعيق أداء الأنظمة الصحية بها.

أسعار النفط

انخفاض أسعار النفط أحد قنوات التأثير لفيروس كورونا المستجد كوفيد 19 فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فمنذ اكتشاف الفيروس فى الصين فى بداية عام 2020، انخفضت أسعار النفط بشكل حاد حيث أنخفض سعر البرميل من 68.90 دولار إلى 50.5 دولار للبرميل فى فبراير، وتراجعت العقود الآجلة للنفط الخام بحوالى 20 دولار للبرميل. انخفض طلب الصين على النفط، حيث قامت السلطات بإغلاق مرافق الإنتاج كجزء من جهودها لاحتواء الفيروس، ووفقا لتقرير سوق النفط لشهر فبراير من وكالة الطاقة ، يمثل الطلب الصينى على النفط 14% من الطلب العالمى، أى أن أى انتكاسات للاقتصاد الصينى يكون لها آثار سلبية كبيرة على الاقتصاد العالمى.

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن ينخفض الطلب العالمي على النفط بمقدار 435 ألف برميل يومياً في الربع الأول من عام 2020، وهو أول انكماش ربع سنوي، ومن المتوقع أيضاً أن ينخفض الطلب العالمي بمقدار365 ألف برميل يومياً فى عام 2020 وهو أسوأ أداء للطلب منذ عام 2011.

وقد دفعت أزمة  كوفيد 19 دول منظمة أوبك إلى التفكير في خفض الإنتاج إلى 600،000 برميل يوميا كإجراء طارئ، بالإضافة إلى 1.7 مليون برميل تعهدت به وكالة الطاقة الدولية، ويعتمد انتعاش أسعار النفط على مدى نجاح الصين والدول الأخرى فى السيطرة على انتشار الفيروس.

سلاسل القيمة

عندما يتعطل إنتاج الصين ، فإن البلدان التي لديها روابط قوية مع سلسلة القيمة الصينية سوف  تتأثر، ويمثل هذا مصدر قلق خاص للعديد من الدول الآسيوية، التي لديها روابط سلسلة قيمة مهمة مع الصين، فى حين لا تشكل مصدر قلق بالنسبة لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، التي لها مشاركة محدودة في سلاسل القيمة العالمية. ومع ذلك  قد تؤدي الاضطرابات في سلاسل القيمة العالمية إلى تفاقم الاكتئاب.

السياحة والسفر

من المرجح أن يخفض كوفيد 19 السياحة من الصين إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بطريقتين. الأول تفرض العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الآن قيوداً على السفر إلى الصين. كما أوقفت السعودية دخول الحجاج إلى الأماكن المقدسة، مما أدى إلى زيادة الحد من السياحة إلى الشرق الأوسط. ويتمثل العامل الثاني التباطؤ الاقتصادي في الصين حيث تقلل عدد السياح الذين يسافرون إلى بلدان أخرى بما فيها الشرق الأوسط وشرق آسيا، ومن المرجح أن تشهد منطقة الباسيفيكي أكبر انخفاض في السياح الصينيين.

تأثر التجارة بكوفيد- 19

مع نمو الحالات بسرعة وخاصة في الولايات المتحدة، وإيطاليا، وألمانيا. وتمثل هذه الدول الست التي تضررت بشدة نحو 55% من العرض والطلب العالمي (الناتج المحلي الإجمالي) نحو 60% من التصنيع العالمي، و50% من صادرات التصنيع العالمى. إن تباطؤ الطلب الكلي في هذه الدول الست، سوف يؤدى إلى تباطأ الاقتصاد العالمي بشكل كبير. فإن قطاعات التصنيع في الاقتصادات الست الأشد تضرراً تشكل عدد لا يحصى من سلاسل التوريد الدولية؛ وكل منها عبارة عن مجموعة مورد هام للمدخلات الصناعية إلى بعضها البعض وإلى الدول الثالثة.

تلقى قطاع التصنيع ضربة ثلاثية

تعطل العرض المباشر يعوق الإنتاج حيث ركز الوباء على قلب التصنيع فى العالم شرق آسيا، وانتشر بسرعة فى الدول الصناعية العملاقة الولايات المتحدة وألمانيا.تؤدى العدوى فى سلسلة التوريد إلى تضخيم  صدمات التوريد المباشرة أثناء التصنيع وتجد الدول الأقل تأثرا صعوبات فى الحصول على المدخلات الصناعية المستوردة اللازمة من الدول المتضررة، إضافة إلى حالات انقطاع الطلب الناجمة عن انخفاض الطلب الكلى، أى حالات الركود، وتأخر شراء المستهلكين، وتأخر الاستثمار من جانب الشركات، وتضرر قطاع الخدمات في جميع الدول مثل المطاعم ودور السينما، ولكن قد يكون التصنيع هو الضربة الأكبر.

العدوى فى جانب العرض عبر سلاسل التوريد الدولية

حتى بداية مارس 2020 كان وباء كوفيد19 متمركزا إلى حد كبير فى الصين حوالى 90% من الحالات هناك، وكانت اليابان وكوريا ثانى أكثر الدول تضرراً، كما أن هذه الدول هى دول مركزية فى سلاسل التوريد العالمية فى معظم السلع المصنعة. إن الصين هي حقا ورشة العالم عندما يتعلق الأمر بقطاع النسيج فهي مركزية لشبكة التجارة والإنتاج العالمية بأكملها، كما أن إيطاليا هي قلب “مصنع أوروبا” ؛ والصين قلب “مصنع آسيا” والولايات المتحدة هي قلب “مصنع أمريكا الشمالية”. فقد فرضت الصين على شركة هيونداى على إغلاق جميع مصانعها،وكذلك أغلقت شركة نيسان اليابانية مصنع فى اليابان. كما أن انقطاع الإمدادات في الولايات المتحدة أو ألمانيا أو الصين أو اليابان يكون له آثار كبيرة على المستهلكين والشركات في جميع الاقتصادات الرئيسية ، ولكن أقل من ذلك ، بالنسبة للمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا وكوريا.

التجارة فى الخدمات

مثل السفر بالطائرة واستئجار الفنادق والسياحة قد تضررت بشدة من جانب العرض وجانب الطلب نتيجة فيروس كوفيد 19.

دروس من صدمات التجارة العالمية فى الماضي 

انتجت الأزمة العالمية فى 2008-2009 ما أصبح يعرف بانهيار التجارة الكبرى، وقد حدث ذلك ما بين الربع الثالث من 2008 والربع الثانى من2009، لقد كان ولايزال أكبر انخفاض حاد للتجارة العالمية فى التاريخ منذ الكساد العظيم، حيث كان الانخفاض شديدا ومفاجئاً وقد انخفضت التجارة عدة مرات منذ الحرب العالمية الثانية، ركود صدمة النفط 1974-75 وركود التضخم 1982 -83، والركود التكنولوجى 2001-02. 

المالية فى زمن فيروس كورونا 

يرى الكاتب فى هذا الفصل أن تأثير الفيروس على المالية يعتمد على مدى انتشار الفيروس فى جميع أنحاء العالم، وأثره على النشاط الاقتصادى وردود فعل السياسة المالية والنقدية تجاه الصدمة ، تتراوح السيناريوهات الاقتصادية الحالية بين تراجع النمو بسبب الركود فى العديد من الدول المتضررة كما فى أزمة 2008، ورغم أن حال السياسة النقدية اليوم أقل مما كان عليه أثناء فترة الركود العظيم إلا أنه من المؤكد ان الخيارات السياسية المتاحة أمام البنك أكثر مما كانت عليه منذ 12 عاماً. لابد من التركيز على الاضطرابات التشغيلية المحتملة فى النظام المالى وهو ما يعزز الثقة فى الأسواق المالية وحل البنوك الفاشلة. الدرس المستفاد من اختبارات الضغط فى عام 2009 أن السياسات الصحيحة فى مجال العلوم والصحة العامة ذات أهمية حاسمة للحد من السلوك المزعزع للاستقرار الاقتصادى، ولاستعادة ثقة المواطنين، يتطلب الأمر من الحكومات اجراء اختبار للتحقق من الفيروس، الحجر الصحى الفعال، تقديم علاج يحد من تاثير الفيروس، إضافة إلى تقديم معلومات محدثة عن الفيروس.

التداعيات الاقتصادية لفيروس كوفيد – 19 

يؤثر فيروس كوفيد 19 على الدول والأقتصاد العالمى، من ارتفاع  فى النمو العالمى وأسواق الأسهم الأمريكية فى يناير إلى انخفاض النمو العالمى وتصحيحات السوق فى فبراير، وتشيير التقيميات إلى عدم التجانس فى التأثير على الدول تبعا لكثافة الروابط النسبية بين سلاسل التصنيع عبر الحدود وأسعار الطاقة والسلع الأساسية والتى تعتبر حاسمة بالنسبة لتطور البيانات الاقتصادية.

مع انتشار الفيروس، هل يغلق الاتحاد الأوروبى حدوده؟

أثار انتشار الفيروس جدلا حول إغلاق الحدود فى منطقة شنغن كوسيلة لاحتواء انتشار الفيروس، فقد أوقفت النمسا بعض القطارات إلى إيطاليا، ومع انتشار الفيروس تخضع سياسة الحدود المفتوحة إلى  المزيد من الاختبار، سوف يكون له عواقبه الاقتصادية حيث يعتمد العديد من العمال على اتفاقية شنجن التى تسمح لهم بالسفر، فهناك 1,9 مليون فى شنغن عبرت الحدود للعمل فى عام 2018، وترتفع نسبة المسافرين عبر الحدود فى سلوفاكيا 5.5%، لوكسمبورغ 2.7%، كرواتيا واستونيا وبلجيكا، وتمتد أهمية الاتفاقية إلى ماوراء الانتقال عبر الحدود فهناك 320 مليون رحلة لليلة لواحدة، و39 مليون رحلة لأغراض تجارية بنسبة 12% من أعضاء الاتحاد الأوروبى.

التجارة والسفر فى زمن الأوبئة 

يمكن تحقيق العديد من فوائد العولمة دون مخاطر صحية هائلة، لا يجب تقييد التبادل الحر للسلع ورأس المال إلا أن القليل من الأمراض تنتقل عن طريق السلع الملوثة، قد تكون القيود المفروضة على الخدمة أمر مرغوبا ومبرراً لإنهاء التنقل المتزايد، وبحاجه إلى مناقشة داخل وخارج الأوساط الأكاديمية حول حدود التنقل المرغوب به.

حول الطاعون فى آفة الإيبولا 

الإيبولا كان الوباء الذى حظى باهتمام عالمى فى 2014-2015 وتصدر عناوين الصحف نظرا لارتفاع معدل الوفيات وعدم وجود علاج معروف له، كما أنتشر الطاعون فى الصين عام 1855، ولدى الإيبولا والطاعون فترات حضانة متشابهة إلى حد ما، وكلاهما يتسببان فى وفيات، وتم اكتشاف علاج طبى سريع. الموارد المتاحة لمواجهة الأوبئة مثل إيبولا والطاعون وحاليا كوفيد 19 هى عالمية وليست محلية، فى حالة الإيبولا اجتمعت المنظمات غير الحكومية وأطباء بلاحدود والصحة العالمية والحكومات والدول المتضررة لمواجهة الوباء ليكون تحت السيطرة فى 2014-15.

السياسات النقدية لفيروس كورونا 

ماذا على الاحتياطى الفيدرالى أن يفعل فى ظل أزمة كورونا؟ لا ينبغى لبنك الاحتياطى الفيدرالى أن يخفض أسعار الفائدة، ولابد أن يتسأل البنك المركزى فى حالة غلق المحال وعدم شراء المواطنين لابد من تحديد هل هى صدمة العرض أم الطلب؟ والاستجابة لصدمة الطلب وليس صدمات العرض وهو ما يشبه زيادة الطلب فى الليل أو فى عطلة نهاية الأسبوع، أيضا التحكم فى سعر الفائدة يرى الكاتب أننا بحاجه إلى خطة مالية مفصلة لمواجهة كورونا مثل مواجهة الزلزال أو الفيضان.

الآثار الاقتصادية للوباء

التأثير الأقل أهمية من وجهة نظر اقتصادية هو انخفاض الانتاج نظرا لأخذ العمال أوقات راحة، ويقل الناتج المحلى الإجمالى بنسبة مئوية قليلة ويعتمد الرقم الدقيق على نسبة السكان وعدد المرضى، كما أن إغلاق المدارس يضخم الانخفاض فى عرض العمالة إذا أجبر بعض العمال على أخذ إجازة لرعاية الأطفال.

 كما أن الوباء لايحتاج صدمة العرض فقط ، ويمكن أن تصيب صدمة الطلب قطاعات محددة اعتمادا على سلوك المستهلكين، أى الانخفاض فى الاستهلاك الاجتماعى، وأحد الدروس هى محادثة البنوك حول عدم إجبار الشركات على الإفلاس خلال الجائحة لأن العديد من الشركات تكون فى خطر مالى نتيجة الانخفاض المؤقت فى الاستهلاك الاجتماعى لذا يحدث انهيار فى أسواق الأسهم.

Scroll Up