عرض – إيهاب عمر

هل سبق وأن شعرت أن اراء بعضاً ممن يتم تسويقهم الينا عبر الاعلام باعتبارهم “النخبة”، أنهم يقولون آراء وكلام ومقترحات منفصلة عن الواقع وعن رجل الشارع حتى بات رجل الشارع يستبق النخبة في معارك الوعي بينما النخبة التي يجب أن تتقدم الصفوف أصبحت في المقاعد الخلفية في “جيتو” المثقفين ووسائل التواصل الاجتماعي؟

هل تساءلت ذات مرة لما أغلب رجالات الحقل الأكاديمي في مصر يعملون بالسياسة ويرددون نفس الرأي المعارض ولو لفترة من الزمن وكأن العمل السياسي أو العمل العام جزء من السلك الأكاديمي رغم أن هذا غير صحيح؟، هل تساءلت يوماً طالما كل تلك أساتذة الجامعات مع التغيير والتنوير فلما لم ينفذ هؤلاء مشاريعهم الإصلاحية في الجامعة أو حتى في المناهج الموكلة اليه؟ هل لاحظت أن تلاميذ الأكاديمي النخبة هم اقل من أي تلميذ اخر؟

هل سمعت من يبدى دهشته من أن المحافل الأدبية والثقافية في الغرب لا تحتفي إلا بالمثقف أو الكاتب المعارض في الشرق، وليس كل أنماط المعارضة، ولكن المعارض الذي يردد حزمة آراء معارضة بعينها فحسب؟

هل استغربت من فوز رواية ضعيفة لا يوجد بها أي ابداع أدبي سوى الترويج لأنها تعالج “رهاب المثليين” في المجتمع الشرقي أو “جرائم الشرف” في مجتمع عربي أو “الحريات الجنسية” في مجتمع ذو اغلبية مسلمة، دون أن تمتلك الرواية أي أسس إبداعية أو ثقافية لكي تصل إلى المنصات العالمية بينما السوق الأدبي يمتلئ بالروايات الجيدة وحتى التي تضم بعضاً من الأفكار السابقة ولكن لم يتم الترويج لها عالمياً؟

هل أستغربت أن كافة الأفلام المصرية التي تصل إلى صالات العرض في مهرجانات كان وفينيسا وبرلين في السنوات الأخيرة يجب أن تعبر عن رأى ورؤية واحدة عن مصر والمصريين شعباً وحكومة في خطاب سياسي معارض موحد في ثوب سينمائي؟

هل لفت أنتباهك أنه يستحيل على منصات تلك المهرجانات الثقافية والمؤتمرات السياسية والمحافل الأدبية في الغرب أن تستضيف أو حتى توجه دعوة الى مثقف أو فنأن أو ناشط لا يؤمن بخطاب المعارضة عن “الحكم العسكري” و”غياب الديموقراطية” و”أدوات القمع والشمولية” و”حتمية الثورة على اقتصاد الجيش”؟

هل لاحظت أن هنالك صحفيين أنتاجهم المهني يسأوى صفراً قد جابوا العالم في منح صحفية تدريبية، وشعراء لا يكتبون شعراً ذهبوا الى امسيات شعرية على ضفاف نهر البلطيق، ونشطاء لم يتفوهوا يوماً بفكرة سياسية صحيحة يتم استضافتهم في مؤتمرات سياسية في أوروبا طيلة الوقت؟

علامات الاستفهام عن النخب المصرية والعربية بل وفى كافة دول العالم، تجيب عنها المؤرخة البريطأنية فرأنسيس ستونر سوندرز Frances Stonor Saunders في كتاب “الحرب الباردة الثقافية”.

The Cultural Cold War: The CIA and the World of Arts and Letters

وقد صدر أولاً في بريطانيا قبيل الولايات المتحدة بعنوان “من يدفع للزمار؟: المخابرات الامريكية والحرب الباردة”.

Who Paid the Piper? CIA and the Cultural Cold War.

مخابرات الثقافة بديلاً عن وزارة الثقافة الامريكية

بدأت اللعبة – بحسب سوندرز – حينما أدركت الولايات المتحدة الامريكية عقب الحرب العالمية الثانية (1939-1945) أهمية الشق الادبي والإعلامي ودور الحرب الثقافية في حسم الحرب، إضافة الى أن الولايات المتحدة من أوائل الدول التي استخدمت استراتيجية الإبادة الثقافية ضد العدو، عبر محو تاريخ وثقافة السكان الأصليين لأمريكا وصناعة تاريخ وثقافة بديلة عن “الهنود الحمر” المسمى الذى روج له المثقفين والسينما الامريكية عن الامريكان الأصليين، ولم يكن ممكنًا أن يصبح هو الاسم الشعبي الشائع عنهم لولا الترويج المكثف الذى جرى عبر أفلام هوليود لهذا المصطلح الاستخباراتي والاستعماري.

عقب نهاية الحرب تقرر انشاء وزارة للثقافة في أمريكا تكون مسؤوليتها إدارة الحروب الثقافية، ونظراً لأن الفكرة كانت أنشاء “المخابرات الثقافية أو الادبية” فإن فكرة هذه الوزارة كانت من أسباب قيام وكالة المخابرات المركزية الامريكية CIA، وتعد إدارة الحرب الثقافية من أخطر وأهم وأكثر إدارات المخابرات الامريكية سرية حتى اليوم، حتى أن المؤرخة البريطأنية في كتابها تشير صراحة إلى أن المخابرات المركزية الامريكية هي وزارة الثقافة الامريكية!

وكانت فلسفة الحرب الثقافية في زمن الحرب الباردة وما تلاها، أن النخب سواء الكتاب أو الفنانين الى جانب بعض الشخصيات البارزة في مجالات أخرى، هي التي تصنع الوعي والرأي العام الداعم للدولة والجيوش في زمن الحرب، وأن ضرب المجتمعات من الداخل بتسميم واستئجار وتشويه وصناعة النخب سوف يؤدى الى تفريغ الادب والفن من تأثيره الأنسأني على الذوق العام ووعي الشعوب، مما يؤدى إلى أنحراف الرأي العام والسلوك الجمعي بأسره إضافة إلى باقي العوامل الحربية والنفسية الأخرى.

إن تفوق الغرب على الشرق في السنوات الــ 500 الأخيرة هو نتاج العديد من العوامل أبرزها النخب والمثقفين في مجالات الفن والادب وغيره، في سنوات عصر الإصلاح والنهضة والتنوير، إذ كانت كافة الأفكار التي تحولت إلى حقائق اليوم في الغرب هي نتاج فرز فكري طبيعي حر، ومن أجل منع الشرق من اللحاق بالغرب، يجب فرملة ظهور طبقة من الثقفين والمبدعين الحقيقين وحتى وإن ظهرت “موهبة ما” في “مضمار ما” يجب أن يتم السيطرة عليها واستئجارها لصالح اجندة الحرب الثقافية.

على النخب ألا تقوم بدورها الحقيقي في توعية الشعوب والارتقاء بذوقهم، فالغرب يرى أن الصراع السياسي الذي تفجره الديموقراطية والصراع الأيديولوجي وأنهاك الشعوب بالإرهاب والفقر هو الحل، على أن يقوم الغرب بدعم كافة الفرق لصالح لعبة فرق تسد، فالغرب لا يريد لفريق معين أن يربح في الشرق بل تريد الوصول الى المعادلة الصفرية، الكل يخسر امام الكل ولا رابح ابداً.

صراع أبدى في الشرق على أن يقوم الغرب بإدارته عبر أدوات الأجيال الجديدة من الحروب الثقافية والرقمية والإعلامية وحروب النفط والبورصة والعملات والغاز.

ويشير الكتاب الى أن كافة المؤسسات الثقافية والسينمائية والابداعية في الغرب تتعامل مع المخابرات الامريكية وكافة الأجهزة الغربية في إطار تلك الحروب الثقافية، من أجل استئجار النخب وتصنيع النخب في الدول المستهدفة، حيث تم تدشين مدونة لا يخرج عنها تلك المحافل، فلا يتم استضافة أو تكريم أو تلميع أو الحديث إلى أي كادر نخبوي في أي دولة الا وكانت تنطبق عليه تلك المدونة.

المسألة لم تكن سوى مجرد شراء ذمم وإفساد كتَّاب وباحثين، وإرساء نظام قيم كيفي مصطنع، يُقدم من خلاله الأكاديميون، ويُعين محررو المجلات، ويُدعم الدارسون، وتُنشر أعمالهم، وليس بالضرورة لأنهم جديرون بذلك ـ كان ذلك يراعى أحيأنا ـ وإنما بسبب ولائهم.

ولعل هذا هو سر أن كافة الذاهبون الى المحافل الأدبية والسينمائية في مصر متشابهون في الراي السياسي مهما كان منفصلاً عن الواقع على الأرض، أو إصرار بعض اركان النخبة وما يسمى بالمعارضة على نفس الآراء رغم أن الشارع المصري اسقطها بثورة 30 يونيو 2013، اذ أن اعتناق تلك الآراء وترديدها له مكاسب شخصية وذاتية بعيدة كل البعد عن “مصلحة الوطن” والثورة المستمرة حتى يوم القيامة!

ولأن معركة الولايات المتحدة وقتذاك كانت مع الاتحاد السوفيتي وايدولوجيات اليسار، فإن منظرو الحروب الثقافية في المخابرات الامريكية رأوا أن الاعتماد على اليمين المحافظ والوسط الليبرالي وحتى تيار الخضر لم يكون فاعلاً في أوروبا الشرقية والكتلة الشرقية وحتى داخل الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا والصين، وأنه اللعبة الأفضل هو الاعتماد على المنشقين حتى لو كان لديهم خطاب منأوئ للولايات المتحدة.

أن اليساري المنشق عن تلك الأنظمة الشيوعية سوف يكون أكثر تأثيراً في ضرب تلك الحكومات وزعزعة دور النخبة وتسميم الحياة العامة وشن الحرب الثقافية داخل تلك البلاد، حتى لو كان هذا اليساري يملك خطاباً معارضاً للسياسات الامريكية فلا مشكلة، ففي نهاية المطاف أن معارضة المثقف أو المعارض – المصري أو العربي أو السوفيتي والصيني – للدور الأمريكي بينما هو يخرب وعى المجتمع ويسقط دولته لن يؤثر على الدور الأمريكي في شيء، بل العكس صحيح، هو يناهض الدور الأمريكي بينما هو يعزز الدور الأمريكي بتنفيذ اجندة أمريكية.

هل سألت نفسك ماذا خسرت الولايات المتحدة الامريكية بخطاب النخب المصرية والعربية والشرقية المنأوئ لواشنطن؟ الإجابة: لا شيء، العكس هو الصحيح، لقد أنتجت تلك النخب من بكين الى القاهرة رأى عام مسموم لم يصمد أمام المؤامرات لسنوات طويلة لولا حنكة مؤسسات تلك الدول في الحفاظ على نموذج الدولة الوطنية القومية امام إرهاب غربي لتنفيذ نموذج دولة العولمة.

بل أن النخب الشرقية قامت بتسطيح وتفريغ أي رغبة شعبية في مناوئة الإمبراطورية الغربية والأمريكية عبر اللجوء الى سلوكيات بلهاء مثل مقاطعة وجبة في مطعم أو سلعة إنتاجية بينما الكل يتحدث عن الأفلام الامريكية والموسيقي الامريكية بل ويستخدم أجهزة رقمية أمريكية!

وقد تم تكليف الجامعات الامريكية والبريطانية بدور هام في التواصل مع تلك النخب المزيفة، على ضوء حقيقة أن الكثير منهم يصعب عليه أن يتواصل مع ضابط المخابرات الغربية، كما أن بعض النخب لا تحبذ التعاون مع استخبارات الغرب لذا كان رجالات السلك الدبلوماسي والأكاديمي هم البديل، مثل جلسات العصف الذهني وتبادل الآراء التي يقيمها عشرات الأكاديميين والمثقفين المصريين في السفارات الامريكية والفرنسية والبريطانية كما كشفت تسريبات ويكليكس في ديسمبر 2010.

والى جانب السفارات الغربية، أصبحت الجامعات الغربية من أهم حواضن لعبة استئجار وصناعة النخب وإدارة الحرب الثقافية، تماماً كما تفاجأ العرب إبان الحرب العالمية الأولي بأن كافة المستشرقين وخبراء الاثار الموجودين في مصر والشام منذ ثلاثة عقود على الأقل هم عملاء في صفوف المخابرات البريطانية والفرنسية والألمانية وبعضهم كان لديه رتب عسكرية ايضاً كما الحال مع لورانس العرب.

هل لاحظت طابور الأدباء اليساريين المنأوئين لأنظمة الحكم في الكتلة الشرقية والصين الذين حصدوا جائزة نوبل للآداب رغم رداءة رواياتهم؟ أو أوسكار وأخواتها في كان وبرلين وفينيسا رغم سخافة أفلامهم؟

هل لاحظت أن أكبر تجمع لليسار في مصر اليوم هو داخل أسوار الجامعة الامريكية؟

هل استغربت يوماً من هذا الكم من الطلاب والأساتذة اليساريين في أروقة الجامعة الامريكية في مصر؟

هل تعجبت يومًا أن اليسار الناصري الذي يملك خطابًا معاديًا للولايات المتحدة، يحرص دائمًا على الحاق أبنائه بالجامعة الامريكية؟ رغم كل الحديث عن مقاطعة كل ما هو أمريكي، وأن كل مؤسسة أمريكية هي استعمارية وعدو بالضرورة، وأن التعليم المجاني الحكومي هي عطية عبد الناصر للشعب المصري ويجب ألا نفرط فيها!

ولكن تلك الديباجات تقال بلهجات مؤثرة وملابس بالية أمام منصات الاعلام، بينما رموز الاشتراكية والناصرية في مصر غارقون في الثقافة الامريكية أو التآمرك والعولمة في مجتمع الجامعة الامريكية ومجتمع الذين يحاولون طيلة الوقت للتماهي مع النمط الأمريكي في كل شيء.

إنه يسار العولمة، الجناح اليساري للعولمة والأمركة فحسب!، تمامًا كما الحال مع الإسلاميين الذين أصبحوا الجناح الإسلامي للولايات المتحدة أو إسلاميو العولمة فحسب.

تنميط وهيكلة الحركة الثقافية حول العالم لخدمة أجندة العولمة حتى ولو عبر مثقفين يساريين مناوئين للعولمة ولكن في واقع الامر هم يعارضون بل يساهمون في اسقاط أنظمة تقف وجه عثرة في وجه العولمة والغرب.

رحلة المؤلفة الى الحقيقة

مؤلفة الكتاب فرانسيس ستونر سوندرز بريطانية من مواليد عام 1966 وتعيش في لندن، وتعمل باحثة ومخرجة أفلام تسجيلية، وقد تخرجت في مجال الأدب الانجليزي بجامعة أكسفورد، وقد بدأ أهتمامها بالموضوع عام 1993 عندما قرأت مقالاً يصرح أن المخابرات الأميركية كانت وراء نجاح “مدرسة نيويورك” في الفن، وقدمت برنامجًا متلفزًا في تلفاز بريطانيا بعنوان “الأيدي الخفية! الفن والمخابرات المركزية”، ثم تابعت بحثها في مادة أرشيفية هائلة وأجرت لقاءات مع مسئولين وعملاء سابقين لوكالة المخابرات المركزية.

لعل أبرز تعليق قيل من ضابط مخابرات حول الحرب الثقافية هو:” مع مثقفي “الحرية” مثل هؤلاء، من في الغرب يحتاج الى طيران حربي أو مارينز؟”.

وتكشف سوندرز أنه لا تعارض بين افساد النخبة وابعادها عن الشارع وفى نفس الوقت تكليفها بأداء أدوار سياسية تتعلق بالشارع، إذ وضع خبراء الحرب النفسية مدونة سلوك لهذا التنميط.

وتكشف المؤلفة أن الأكاديميين في الغرب لم يكونوا المتعاونين فحسب مع المخابرات الامريكية، من أجل استئجار الأكاديميين والمثقفين والفنانين والنشطاء في الدول المستهدفة، ولكن نظرائهم في الغرب ايضًا كانوا يتعاونون مع المخابرات الغربية المختلفة من أجل تنميط النخب واستئجارها وصناعتها في الدول المستهدفة بل وفرملة أفكار معينة داخل المجتمع الغربي ذاته.

تشير الوثائق الى أن الجناح اليميني في حزب العمال الاشتراكي البريطاني تورط بكامل مثقفيه في لعبة رعاية وتمويل الحركات الثقافية اليسارية المعادية للحكومات المستهدف اسقاطها، إضافة الى طابور لا ينتهي من المثقفين، أمثال الأديب الأمريكي من أصول روسية نيكولاس نابوكوف Nicolas Nabokov ، كما سنفاجأ بأسماء مثل: هأنا أرندت، ليونارد برنشتاين، روبرت لويل، جاكسون بولوك، آرثر ميللر، إيليا تولستوي (حفيد الروائي الروسي الشهير)، أندريه مالرو، جون ديوي، كارل ياسبرز، إلبرتو موارفيا، هربرت ريد، ستيفن سبندر، ألن تيت، إيتالو كالفينو، فاسكو براتوليني، فضلاً عن الفنأنين تشارلي شابلن، مارلون براندو، رونالد ريجان (الذي أصبح فيما بعد رئيسا للولايات المتحدة) وغيرهم، وأن الثقل الثقافي والاعمال الأدبية لتلك الأسماء لعبت دوراً مهماً في الحرب الثقافية خلال الحرب الباردة.

ولكن وسط أسماء المثقفين الذين خدموا المخابرات الامريكية داخل الغرب، نختار ثلاثة أسماء.

نشر الليبرالية مسألة امن قومي امريكي

الفيلسوف والمفكر والمؤرخ والدبلوماسي والأكاديمي البريطاني السير إشعياء برلين Isaiah Berlin، ولد وعاش طفولته بمدينة ريجا والتي كانت أنذاك جزءاً من الإمبراطورية الروسية وهي الأن عاصمة لاتفيا، وذلك لأسرة يهودية في زمن كانت روسيا القيصرية تمارس سياسيات تعسفية حيال اليهود، والدته من عائلة شنير زلمان مؤسس الصوفية اليديشية في القرن العشرين.

يعتبر برلين من أهم منظري ومجددي الفكر الليبرالي في القرن العشرين، حيث قام وفقاً لتوجيهات المخابرات الامريكية بإعادة هيكلة الليبرالية لجعلها البديل الأنساني والحقوقي عن الشيوعية، والترويج لها باعتبارها المشروع الغربي بديلاً عن جمود الكتلة الشرقية والاتحاد السوفيتي.

هنا نرى أن الليبرالية في القرن العشرين صنعت في مختبرات المخابرات الامريكية، ولا عجب في ذلك فإن أغلب ايدولوجيات الغرب في القرن العشرين كانت مجرد أدوات سياسية واستخباراتية من أجل تنفيذ أجندة محددة.

ومن الملاحظ أنه كان عضواً في الاكاديمية الامريكية للفنون والعلوم أو التي يعرفها العوام اختصاراً بــ “جوائز الأوسكار الامريكية”.

ولك أن تسأل رجل بهذا التاريخ الطويل مع المخابرات الامريكية، كيف كانت اختياراته وهو ضمن اللجنة المحكمة لجوائز الأوسكار!

تصعيد المحافظين الجدد لتقوية المعسكر الغربي

إيرفينج كريستول الأب الروحي لأفكار المحافظيين الجدد، ذلك التوجه اليميني المحافظ في الولايات المتحدة منذ ستينات القرن العشرين وحتى اليوم، ويسمى بـ “الجدد” للتفرقة عن التيار المحافظ المؤسس للولايات المتحدة، صحيفة ديلي تليجراف وصفته يوم وفاته بالمفكر الأكثر تأثيرًا في النصف الثاني من القرن العشرين!، وبالفعل وحتى وفاته عام 2009 كان كريستول هو الأب الروحي لتيار المحافظين الجدد في إدارات خمس رؤساء من نيكسون (1969 – 1974) مروراً بفورد (1974/1977) وريجان (1981-1989) وبوش الاب (1989-1993) أنتهاءً ببوش الابن (2001-2009)، هؤلاء شكلوا سياسة العالم لمدة 28 عامًا وحسموا الحرب الباردة وصنعوا الحرب ضد الإرهاب وعالم ما بعد 11 سبتمبر ووضعوا اللبنة الأولى للربيع العربي.

للمفارقة فإن كريستول كان ايضاً عضواً بـ الاكاديمية الامريكية للفنون والعلوم.

المخابرات الامريكية تخوفت من التوجه الليبرالي للولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، خصوصاً في سنوات إدارات جون كينيدي وليندون جونسون ولاحقاً جيمي كارتر، وأن الليبرالية قد توغلت أكثر مما ينبغي في الطبقة الحاكمة الامريكية وأنه – الى جانب الترويج الغربي للليبرالية والنيوليبرالية – يجب تأسيس وافساح المجال لـ يمين محافظ يسحب الدفة من الليبرالية متى تطرفت في التهاون مع الاتحاد السوفيتي سياسياً.

كان يجب صعود تيار متشدد محافظ يقود الدفة الغربية بصرامة خلال الحرب الباردة، وهكذا صنعت ودعمت المخابرات الامريكية إيرفينج كريستول والمحافظين الجدد، وللمفارقة فإن هذا التيار المحافظ في إدارات ريجان وبوش الاب هو من حسم الحرب الباردة لصالح الغرب بالفعل.

مؤلف الأخ الأكبر في خدمة الأخ الأكبر

ورغم أن جورج أورويل لم يعاصر تلك الحروب الثقافية، ولكن المخابرات الامريكية هي التي روجت لكتبه التي دعت للثورة على النموذج السوفيتي، ولكن ربما تجهل المؤرخة البريطانية أن جورج أورويل هو الاب الروحي للحروب الثقافية فهو من أبتكر تلك الفكرة حينما كان يعمل في إذاعة BBC وهو المثقف الذى ادعى الالحاد للوجاهة الثقافية بينما كان ينتمي الى اليمين المحافظ، وأنه اليساري الديموقراطي الذى كان يبلغ الجهات الأمنية عن زملائه اليساريين نهاية الاربعينات لأنهم تخطوا الخط الأحمر ما بين أن يكونوا يساريين وأن ينتموا ايدولوجياً الى الاتحاد السوفيتي على حساب بريطانيا وطنهم الأم.

إن المكارثية التي نشأت في أمريكا في خمسينات القرن العشرين نسبة للسيناتور جوزيف ماكارثي وكانت عبارة عن حملة من الإبادة الثقافية/الحرب الثقافية على المجتمع الأمريكي لتمشيطه من الأفكار الشيوعية، ما هي إلا فكرة طبقها جورج أورويل في بريطانيا خلال الاربعينات.

معاقبة المثقف المارق

أما الذين رفضوا التعاون معها فكان نصيبهم المراقبة المستمرة والملاحقة، بل وكانت المخابرات الامريكية هي من عطل فوز أديب تشيلي بابلو نيرودا بجائزة نوبل للآداب عدة سنوات قبل أن يفوز بها، وراعت تمويل ورعاية حملة تشهير ضده، ولاحقاً تمت تصفيته على يد ثورة عسكرية موالية لأمريكا وكان حقن بابلو نيرودا بالسم في المستشفى بناء على توصية أمريكية مباشرة.

كما رعت المخابرات الامريكية حرق وإعدام مئات الالاف من الكتب في إطار الإبادة الثقافية وهندسة الوعي الجمعي للشعب الأمريكي، وأزيلت ـ على سبيل المثال ـ جميع مؤلفات المفكر الفرنسي جان بول سارتر من مجموعات أفرع مكتبات البيت الأمريكي، وتم تحقير سارتر ونبذه مِرارا وتكرارا على صفحات مجلتي أنكاونتر وبريف، ووصفه بأنه خادم الشيوعية الذليل والأنتهازي البائس الذي كرست كتاباته الإبداعية والسياسية الوهم الشيوعي.

أطنان من الدوريات والمجلات واصدارات المراكز البحثية

وظلت المخابرات الغربية تدير جبهة ثقافية معقدة، مدعومة على نحو كبير باسم حرية التعبير، بغرض الاستيلاء على عقول البشر، وقد قامت تلك الجبهة بتكريس ترسانة من الأسلحة الثقافية: صحف، مجلات، كتب، مؤتمرات، ندوات، زيارات، معارض، حفلات موسيقية، فنون تشكيلية، أفلام، جوائز، منح علمية، درجة زمالة أدبية، سيطرة على أصحاب المواهب الشعرية.. الخ. مع الاهتمام بشكل خاص بالكتاب، فكتابٍ واحد يمكن أن يغيِّر توجهات وسلوك قارئ بشكل لا يتحقق عن طريق أي وسيلة أخرى، الأمر الذي يجعل الكتب أهم سلاح في استراتيجية الدعاية بعيدة المدى.

وعندما أفتتح السوفييت بيتًا للثقافة في برلين لبناء ثقافة شيوعية هناك، أسرع الأمريكيون بافتتاح المراكز الثقافية في مختلف بلاد العالم لتقديم الثقافة الأمريكية من خلال عروض السينما وحفلات الموسيقي والمعارض الفنية والمحاضرات العامة، وإرسال فرق موسيقية من زنوج أمريكا لتغيير المفهوم الشائع عن العنصرية الأمريكية.

ومن أجل توجيه المثقفين نحو رؤية أكثر توافقا مع المصالح والأسلوب الأمريكي شرعت المخابرات فى تأسيس وتمويل وتحريك جبهة ثقافية من أجل الغرب ضمت منظمة الحرية الثقافية ونادي القلم الدولي وغيرها من المنظمات الأدبية والثقافية والأكاديمية والصحفية والحقوقية والنسوية.

كما أنشأت المخابرات فروعا لكل تلك المنظمات في معظم دول العالم، ومولت مجلاتها وكتبها وكتابها ومؤتمراتها وأمدت أعضاءها ببطاقات السفر ونفقات الفنادق ومصروف شخصي وغير ذلك. وتعميقا لنفس السياسة أضافت منظمة التجارة العالمية التي أنشئت عام 1995 لبرنامجها بند “الحرية الثقافية” باعتبارها الباب الخلفي لعمل المخابرات الامريكية.

وكان يجب على المخابرات المركزية الأمريكية أن تتوارى عن الصورة تماما فلا تظهر خلال تلك الأنشطة، لهذا كان العثور على غطاء لتمويل تلك الجماعات الثقافية مهمة ملحة، وقد وجدته المخابرات في مؤسسات مثل فورد وروكفلر وغيرها

دعم اليسار غير الشيوعي المستأنس

إن مشكلة الغرب الرأسمالي وحتى العولمة مع اليسار ليست مشكلة ايدولوجية كما يظن البعض ولكن الإشكالية تنبع في أن اليسار أداة في يد أنظمة تناوئ الغرب مثل الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا ولكن متى نشأت نسخ من اليسار متماهية مع الغرب فلا مشكلة مثل اليسار الأوروبي.

لذا وجدت المخابرات الامريكية أن تقوية اليسار غير الشيوعي أو اليسار غير الموالى للاتحاد السوفيتي سوف يدعم لعبة فرق تسد، وهكذا أفسح الغرب بتوصية استخباراتية المجال لليسار الليبرالي بالصعود أواخر الستينات.

وللمفارقة فإن الغرب الرأسمالي يستخدم افكاراً يسارية لقيادة وتدوير العولمة في مفارقة لا ينتبه اليها أعتى المفكرين في العالم.

كيف؟

هل تعرف أن إرهاب الصوابية السياسية هي ايدولوجيا يسارية؟ كذلك الحركات النسوية وحقوق المثليين والأقليات واللاجئين وحرية تناول المخدرات والتعاطف مع إرهاب الإسلام السياسي وحرية التعبير التي يجب أن تطال الأنفصاليين المسلحين وحرية اختيار الجندر كلها أفكار يسارية؟

إن العولمة اليوم تستخدم نسخة يسارية مستأنسة غير معادية للعولمة كما الحال مع اليسار الشيوعي أو اليسار الموالي للدول المناهضة للعولمة.

ولقد رأى الغرب أن هذه الأدوات اليسارية مفيدة أكثر في تسطيح وتفريغ القضايا الحقوقية من محتواها وبالتالي تتهافت النخب أكثر وأكثر.

إن وجود حركات نسوية تسطح قضايا المرأة يعني ضياع فرصة حقيقة لمناقشة قضايا المرأة الحقيقية، وأن الدمج بين حق التعبير والإرهاب يهدر فرص الحرية الحقيقية، وأن الدمج بين الإرهابيين والنشطاء السياسيين في القضايا السياسية يبدد كافة الحقوق السياسية، والإصرار على تسيس الحريات الجنسية والجندارية والمثلية وتحويلها الى طوائف معارضة يفجر المعارضة من الداخل ويؤدى الى تصادم بين الشعوب والنخب.

دعم الفن التجريدي بوجه الواقعية الادبية

منذ بدايات ظهوره في منتصف القرن الماضي، أثار الفن التجريدي موجات واسعة من النقد بين الرسامين والنقاد، وقد بيعت تلك اللوحات على مر العقود بآلاف بل ملايين الدولارات، وتركت المتابع لها أمام سؤال محير ومُجهِد في أن معا.. هل الأمر يستحق تلك المبالغ؟

تقول المؤرخة البريطانية أن المخابرات الامريكية باشرت حربها بمحاربة الفن التصويري الواقعي بالفن التجريدي، ومولت في سبيل ذلك معارض عالمية وحملات دعائية تنظر لفلسفة التجريدية التعبيرية ورفع شأن رسامين بعينهم، وعلى رأسهم رائد التجريدية الأمريكي جاكسون بولوك.

كل ذلك لتفريغ الفن من محتواه، خاصة أن الواقعية التصويرية في تلك الفترة كانت مهتمة بإظهار معاناة الفقراء والعمال والفلاحين، وحتى اليوم لا يكاد يكون لعدد ضخم من رسّامي الواقعية الاشتراكية أدنى ذكر رغم مواهبهم الفذة، مقابل رسام مثل بولوك الذي تباع لوحاته اليوم بملايين الدولارات.

منذ نهاية الحقبة السوفيتية تم تهميش لوحات الواقعية الاشتراكية بشكل متعمد على المستوى الدولي لأنها كانت تصور معاناة الفقراء والمهمشين، الأمر الذي لا يروق للولايات المتحدة و”العالم الحر”.

وفي حين صار عدد ضخم من الرسامين الواقعيين في الاتحاد السوفياتي طي النسيان رغم لوحاتهم التي اتسمت بقدر عال من الموهبة والإبداع، بيعت لوحات لرسامين تجريديين بملايين الدولارات برعاية مباشرة من المخابرات الغربية.

العالم مجرد قرى صغيرة

لقد كان الغرض الأكبر هو اختراق التيارات الأدبية والثقافية من أجل الترويج للعدمية والوضعية، من اجل أن تساعد تلك النخب باقي مجهودات الغرب في تحويل العالم إلى قرية صغيرة، حيث لا دول ولا سيادة، مجرد بلديات منزوعة السيادة أمام نظام عالمي يمثل الحكومة العالمية وتصبح الحكومات في الدول مجرد عمدة أو حاكم بلدية منزوع الصلاحيات امام صلاحية شبكات الرأسمالية التي تمثل المصالح الغربية.

المؤامرة الليبرالية

بعيدًا عن سيل من المقالات الصحفية التي تكشف بعضًا من جوانب حروب استئجار وصناعة النخبة والابادة الثقافية والبرمجة الفكرية والحروب الثقافية، لعل أبرزها سلسلة مقالات عبر صحفية نيويورك تايمز عام 1966 حيث فجرت قصة تمويل المخابرات الامريكية لمنظمة الحرية الثقافية حول العالم، فإن هنالك كتابين أكثر أهمية من كتاب المؤرخة البريطانية ولكن ليس بشهرة كتابها، االكتاب لأول للمؤرخ
هيو ويلفورد Hugh Wilford بعنوان “المخابرات الامريكية واليسار البريطاني اثناء الحرب الباردة” صدر عام 2013.

 The CIA, the British Left and the Cold War: Calling the Tune?

والكاتب الثاني للكاتب بيتر كولمان Peter Coleman بعنوان المؤامرة الليبرالية صادر عام 1989.

The Liberal Conspiracy.

Scroll Up