عرض – داليا يسري

انطلاقًا من مقاربات سياسية فريدة من نوعها، يعرض لنا مجموعة من الخبراء في كتاب تحت عنوان “إلى الأمام نحو الماضي؟! المسارح السياسية القديمة والحديثة في روسيا.. الاعتراض الروسي“، لأوجه الترابط بين سياسات روسيا في الماضي وامتدادها بالمستقبل، وبالإضافة الى ذلك يقدم شرحًا حول طبيعة التحديات الاجتماعية الجمة التي تواجه روسيا في الوقت الراهن. إذ يستهل الكتاب بالنقل عن عبارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال خطاب الاتحاد في أوائل عام 2019، عندما قال “سوف تحتاج روسيا الى العمل على معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية واسعة النطاق التي تواجهها البلاد بشكل سريع للغاية وبدون تأخير”. وبالإشارة الى ما تواجهه روسيا من تحديات اجتماعية كبرى، يؤكد الكتاب في الوقت نفسه أن تفشي جائحة كورونا يزيد من حدة تعقيدات هذه التحديات.

والسبب وراء ذلك، وفقًا لما ورد بالكتاب، يرجع إلى أن حالة الطوارئ التي فرضتها روسيا من وراء تفشي فيروس كوفيد-19 قد تسببت في تحميل المزيد من الضغوطات على نقاط الضعف القديمة التي لطالما عانى منها الاقتصاد الروسي لسنوات طوال، وهذه النقاط على غرار الاعتماد المفرط على صادرات الطاقة، والعقوبات الغربية الاقتصادية، والمشاكل الديموغرافية، وغيرها من المشكلات التي لم تتوقف عن فرض نفسها على مدى العقدين الماضيين. 

مما أدى الى أن اضطرت روسيا إلى اتباع سياسة خارجية أكثر حزمًا بشكل متزايد، ولقد بدأت منذ أوائل العام 2000 إلى العمل على تحقيق التنافس العالمي على قدم المساواة مع قوى أخرى على غرار الولايات المتحدة الامريكية والصين. وعلى مدار أكثر من عقدين زمنيين، بدأت روسيا العودة بشكل تدريجي الى العديد من المسارح الأجنبية “القديمة”، التي وقف عليها سابقًا الاتحاد السوفيتي. بما يشرح كيف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد اتخذ من قرار استعادة مكانة بلاده باعتبارها روسيا العظمى الهدف الأساسي خلال فترة ولايته بأكملها. واتجهت روسيا عقب ذلك نحو الاستفادة من الروابط التي يعود تاريخها الى الحرب الباردة من أجل بناء شراكات جديدة وتوطيد أو إعادة تأسيس نفوذ روسيا. 

ويشار في نفس السياق إلى أن روسيا قد بدأت بالفعل تتجه نحو الاستفادة من التراجع التدريجي للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، عندما تدخلت في الصراع السوري لصالح الرئيس السوري بشار الأسد. ولفت الى أن العلاقات الوثيقة التي تظهر اليوم بين موسكو ودمشق، هي ليست وليدة اللحظة وإنما هي في الأصل علاقات تاريخية تعود الى حقبة الحرب الباردة. عندما وقّع الطرفان اتفاقية صداقة في عام 1971، بينما تم توقيع اتفاقية أخرى في عام 1980 بين البلدين تنص على أنه في حالة تعرض سوريا للغزو من قبل طرف ثالث، فإنه يحق للسوفييت التدخل في هذه الحالة. 

ويشير الكتاب كذلك، إلى أن روسيا لديها تطلعات جديدة في أفريقيا، وهي القارة التي لطالما عملت على تعزيز النفوذ السوفيتي بها خلال الفترات التي أعقبت إنهاء الاستعمار. والدليل على ذلك هو أن دولاً مثل أنجولا ومصر والصومال وإثيوبيا، كانت قد تلقت بالفعل مساعدات دبلوماسية أو دعمًا عسكريًا من الاتحاد السوفيتي. وفي الوقت الراهن، تسعى روسيا إلى زيادة نفوذها بشكل تدريجي في العديد من البلدان الأفريقية من خلال الاعتماد على الاستثمارات في مجالات الطاقة والتعدين والأسلحة، بالإضافة الى تدخلها التجاري والسياسي والعسكري في أزمات القارة بدول تتخللها نزاعات على غرار ليبيا، وهذا التواجد أصبح يجري بالشكل الذي يضمن وجودًا روسيًا مكثفًا في العمق الأفريقي. 

كما يتعرض الكتاب إلى الآثار المترتبة على موقف روسيا واستراتيجيتها للتنمية وربطها بضرورة خلق النظام العالمي متعدد الأقطاب الذي لطالما دعت إليه موسكو منذ فترة طويلة، من خلال إصرارها على معارضة “النظام أحادي القطب” تحت قيادة أمريكية والنظم الليبرالية الموجودة بالغرب.

وفي الفصل الأول من الكتاب، تشرح يلينا أليكسينكوفا كيف يصادف عام 2020 الذكرى العشرين على وجود بوتين في الحكم، وكيف يشهد هذا العام كذلك البدء في تنفيذ خطوات ملموسة نحو وضع نظام سياسي جديد، حيث استهل بوتين العام بخطاب تاريخي للدولة برمتها، واقترح من خلاله عدة تعديلات دستورية من شأنها أن تعمل على التخفيض من سلطاته الرئاسية والبدء في العمل على التهيئة لحقبة ما بعد بوتين.

ثم شرحت الكاتبة كيف أن مجلس الدوما قد قام في مارس بالتصويت لصالح التعديلات الدستورية التي تسمح بالإبقاء على بوتين في الحكم لفترة تمتد الى 16 عامًا أخرى. مما يجعل بوتين في مكانة الزعيم الروسي الأطوال بقاءً في الحكم، بالشكل الذي يتجاوز به جوزيف ستالين. وردًا على سؤال حول لماذا اعتمدت روسيا هذا المخطط المعقد في تطبيق الإصلاحات الدستورية التي تحد من سلطات الرئيس في يناير ثم قامت بعد ذلك في مارس بإلغاء الشروط التي تستلزم رحيله عن السلطة وفقًا للقانون الروسي؟ تقول ألكسينوفا أن بوتين قام بعمل مناورة سياسية تستهدف وضع مسألة الشرعية والشخصية في مقابل الثقة المؤسسية، بالشكل الذي يؤكد على حقيقة وقوع عواقب كثيرة على روسيا ونظام حكمها في حالة تم المساس بهذه الشرعية التي أًصبحت الآن تحكم جنبًا الى جنب مع مؤسسات الدولة.  

وفي الفصل الثاني من الكتاب، ينتقل الدو فيراري ليشرح كيف يُعد الجوار الروسي بمثابة المنطقة الأكثر وضوحًا لمشروع تأثيرها السياسي الخارجي. ويرى أنه قد تم تفسير الأوراسية على أنها التبرير الثقافي والجيوسياسية للإمبريالية الروسية التي تقوم على استبدال الدور الذي لعبته الماركسية اللينينية في الاتحاد السوفيتي. كما يرى “فيراري” أن فكرة أوراسيا الكبرى وما يربطها من علاقات مع روسيا، قد لفت انتباه المجتمع الدولي الى الحصول على صورة واضحة لطبيعة فهم روسيا وإدراكها لذاتها ومدى امتلاكها لقدرات تساعدها على بناء سياسة خارجية فعالة. 

وتحت عنوان “الترويج للدولة وقائدها.. عن القوة الناعمة الروسية“، تذكر الينور تافورو أن روسيا تستخدم قوتها الناعمة بثقة وبثبات بهدف سد الثغرات الناجمة عن تفكك الاتحاد السوفيتي، وتشير في الوقت نفسه إلى أنه في الوقت الذي تبدو فيه روسيا أكثر قوة بفعل الأساليب الصارمة، لا تزال موسكو تعمل في سياق موازٍ على تعزيز قوة جاذبيتها فيما تنظر إليه باعتباره مجال نفوذها، بالإضافة الى العمل على تأكيد الروابط الثقافية والتاريخية من خلال سياسات قواها الناعمة، على غرار برامج إحياء اللغة والثقافة وتنظيم الفعاليات ذات الصلة، بالإضافة الى تنظيم احتفالات تقوم على تمجيد الذكريات السوفيتية التاريخية الهامة مثل يوم انتصار الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية.

وترى الكاتبة أن الدليل على استخدام موسكو لقوتها الناعمة بفاعلية شديدة، يظهر بوضوح عندما قررت في 2020 إرسال طائرات ومعدات عسكرية طبية لإيطاليا وعددًا من البلدان الأخرى في محاولة تعكس الرغبة الروسية في تحسين صورتها والثناء على قوتها الناعمة.

ويشير الكتاب كذلك الى أنه من الصعب التنبؤ بكيفية تأثير تفشي فيروس كوفيد-19 على تواتر وحجم تحركات روسيا على الساحة الدولية. ويؤكد أنه بينما نحن نمضي في شهر إبريل 2020، يبدو من الواضح كيف تعمل آثار تفشي الوباء على التأثير سلبًا على البلاد برمتها، خاصة في ظل وفاة المئات وتصاعد معدل الإصابات بسرعة مدهشة. إذ أن هذا الوباء قد يؤكد على حقيقة أن موسكو سوف تظل أكثر تركيزًا على مشكلاتها الداخلية على حساب الأحداث التي تجري خارج أراضيها.

ويوضح الكتاب في الوقت نفسه أن الأوبئة تتشابه والحروب فيما يتعلق بإمكانيات التنبؤ بتحركاتها، سواء على المدى القصير أو الطويل. ولما كانت السياسية الروسية الخارجية –متعددة الأوجه – ترتبط بشكل خاص بالحقبة السوفيتية ودائمًا ما تعود إليها باستمرار لأجل تبين الطريق الى المستقبل. 

يَخلص الكتاب الى أن المسارح السياسية الجديدة والقديمة تندمج مع بعضها البعض، بالشكل الذي يمكن من خلاله استنتاج وتخمين الخطوات القادمة للسياسية الروسية خاصة خلال الفترات التي تتسم بالتقلب وعدم الاستقرار مثلما يحدث في الوقت الراهن. وبمعنى آخر، يخلص الكتاب إلى أن أهداف موسكو طويلة الأمد لن تتأثر بتفشي المرض وسوف تظل على وضعها المعتاد، والشيء الوحيد الذي قد يتأثر ينعكس في أهدافها قصيرة المدى بالإضافة إلى التغير الذي يطرأ على طريقة ترتيب أولويات هذه المرحلة.

Scroll Up