شهدت الأزمة اليمنية تحولًا نوعيًا جديدًا في مسارها، حيث أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي -25 إبريل2020- عن فرض حالة الطوارئ وإعلان الإدارة الذاتية للمناطق التي تقع تحت سيطرته وهيمنته جنوب اليمن، وقد ترك هذا التحرك ردود فعل متباينة، إذ أن هذه التحرك من شأنه أن يعقد المشهد ويصيبه بالضبابية، علاوة على أنه قد يترتب عليه إطالة أمد الأزمة بعيدًا عن أية تسويات في القريب العاجل. وقد قام المجلس على أثر هذا الإعلان بتكليف قواته العسكرية والأمنية بالانتشار في عدد من المحاور لتطبيق القرار، كما أعلن عن تشكيل لجان رقابة على أداء المؤسسات والمرافق والهيئات المحلية في جنوب البلاد.

وترتيباً على هذا التحرك يمكننا تحديد ملامح المشهد والساحة اليمنية بناء على جملة من المحددات التي يمكن أن تساهم في فهم الوضع الحالي بتفاعلاته المختلفة وذلك فيما يلي:

السياق المصاحب للتحرك

جاء تحرك المجلس الانتقالي وسط حالة من اللايقين بشأن تطورات الأزمة اليمنية، حيث أفرزت الفترات الماضية مجموعة من التحولات التي ساهمت في رفع مؤشرات الأمل وسيناريوهات التفاؤل بشأن إمكانية تحريك المياه الراكدة وحلحلة الأزمة أو على أقل تقدير تهدئة الأوضاع الحالية ويمكننا تحديد الملامح الحاكمة للمشهد العام والسياق المصاحب لإعلان المجلس الانتقالي للإدارة الذاتية للمناطق الخاضعة له كالتالي:

  • دعوات هشة لتسكين الصراع، جاء التحرك الأخير من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي في ظل دعوة أممية تستهدف وقف إطلاق النار وتهدئة الصراعات حول العالم من أجل تجميع وتوحيد الجهود لمواجهة التداعيات المحتملة التي يمكن أن تنتج عن اتساع وتفشي جائحة كورونا في مناطق الصراعات، حيث وجه الأمين العام للأمم المتحدة – 23 مارس 2020- دعوة عالمية لتسكين الصراعات حول العالم والسماح لدخول المساعدات الإنسانية للمناطق التي تُعاني بفعل النزاعات والحروب، وقد تركت هذه الدعوة صدى في الساحة اليمنية، حيث أعلن التحالف العربي عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين –بداية من 9 إبريل- وتم تمديد عملية وقف إطلاق النار لمدة شهر آخر بعد انتهاء المدة التي تم تحديدها سلفًا. وقد استهدفت هذه الدعوة العمل المشترك بغرض اتخاذ كافة التدابير الإنسانية في المقام الأول بجانب عدد من الخطوات والإجراءات التي يمكن أن تساعد في بناء الثقة بين الأطراف المتناحرة ومن ثم العمل على تسوية الأزمة. ورغم ذلك فقد ظلت الهدنة هشة نظرًا للخروقات المستمرة من قبل أطراف الصراع وعدم الالتزام التام بها، حيث ارتكب الحوثيين خلال اليومين الماضيين عدد من الخروقات وصلت نحو 151 خرقًا مختلفة ما بين الاعمال العسكرية، وتوظيف الأسلحة الخفيفة والثقيلة، فضلًا عن محاولة الحوثي المستمرة في استكمال عمليات الزحف نحو عدد من المدن الاستراتيجية، من ناحية أخرى وجه الحوثي الاتهام للجيش اليمني والحكومة الشرعية بارتكاب خروقات مماثلة، حيث أعلن الحوثين عن تسجيل نحو 108 خرقًا خلال نفس المدة بالتحديد في محافظة الحديدة. في الوقت ذاته أعلن مشروع ” مسام” لنزع الألغام من اليمن عن اكتشاف ونزع نحو 671 لغمًا خلال الأسبوع الأخير من شهر إبريل، وهو ما يعني استمرار نهج الحوثيين في الخروقات التي يمكن أن تصبح مهددًا لأية تسوية أو سلام مستقبلي.
الانتقالي الجنوبي
  • استمرار تأزم الوضع الإنساني، لا يمكن فهم تداعيات تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي دون الوقوف على حجم المعاناة الإنسانية التي تعيشها اليمن، حيث شهدت عدد من المحافظات اليمنية موجة من السيول والفيضانات والتي تسبب في إيقاف عجلة الحياة اليومية واحداث شلل في كافة الخدمات المعيشية، حيث تأثر أكثر من 100 ألف شخص على الأقل وفقًا للأمم المتحدة بهذه الاحداث، وقد كانت المحافظات الجنوبية – عدن، ابين، لحج- ضمن أكثر الأماكن تضررًا، في الوقت ذاته تعاني اليمن من تفشي عدد من الأوبئة وفي مقدمتها الكوليرا، حيث أعلنت “منظمة أوكسفام الدولية” عن ارتفاع معدلات الإصابة بهذا الوباء لدرجة أن اليمن أصبحت في المرتبة الثانية على مستوى العالم من حيث الإصابة خلال العام الفائت، كم تم تسجيل إصابة نحو56 ألف حالة مشتبه بإصابتها بالكوليرا خلال الأسابيع السبعة الأولى من عام 2020. وسط هذا الوضع الإنساني المتأزم يأتي فيروس كورونا بعدما أعلنت اليمن عن ظهور أول حالة مصابة – 10 إبريل- بفيروس كورونا في محافظة حضرموت جنوب اليمن لتضع تحديًا جديدًا يمكن أن يزيد تفاقم وتأزم الوضع الإنساني، خاصة وأن هناك نحو 24 مليون يمني من أصل 30 مليون بحاجة إلى مساعدات إنسانية. وعليه قد يساهم التحرك الأخير في رفع المعاناة الإنسانية في حال إذا ترتب عليه مزيد من التناحر والصراع.

تداعيات مُحتملة

ثمة تداعيات محتملة يمكن الوصول إليها من خلال التحرك الأخير الذي قام به المجلس الانتقالي وهو ما يمكن التعرض له فيما يلي:

  • تعطيل اتفاق الرياض، قد يُسهم التحرك الأخير في تجميد المكاسب التي تحققت بفعل التفاهمات التي نجمت عن توقيع اتفاق الرياض (5 نوفمبر2019) بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي، إذ حاول الاتفاق العمل على بناء وتعزيز الثقة بين الجانبين من خلال وضع عدد من الضوابط والأسس الحاكمة لنموذج الشراكة السياسية ومبدأ تقاسم السلطة بين الشمال والجنوب من خلال تشكيل حكومة لا تتجاوز 24 وزيرًا يمنح الجنوبيين فيها نحو50%، فضلًا عن عدد من الترتيبات الأمنية والاقتصادية، إلا أن الاتفاق قد تعثر بشكل كبير لعدد من الاعتبارات من بينها عدم مرونة الجدول الزمني الذي تم تحديده لتنفيذ الاتفاق، فضلًا عن غياب القيود وعدم وجود آلية واضحة يمكن من خلالها محاسبة من يخرج على بنود الاتفاق، ولهذه الأسباب لم يتم تنفيذ بنود الاتفاق بعدما فشلت أطرافه في ترجمته على أرض الواقع، وعليه فقد جاء التحرك الأخير كنتيجة للتعثرات والعقبات التي حالت دون تطبيق الاتفاق، الأمر الذي أكده بيان المجلس الانتقالي الجنوبي، إذ اتهم الحكومة اليمنية بعدم تنفيذ الاتفاق والتعنت في القيام بواجباتها.
اتفاق الرياض ـ بداية النهاية لحرب اليمن أم دخول في نفق آخر ...
  • تفتيت القوة الصلبة، لا شك أن تعطيل اتفاق الرياض قد يتسبب في تصدع الجبهة الداخلية وتمزيق الصف داخل التحالف الموجة بالأساس لتطويق النفوذ الحوثي، حيث أن التوافق المرحلي بين الطرفين الذي نجم عن توقيع الاتفاق كان قد ترك مجالًا واسعًا للتفاؤل بشأن إمكانية تسكين الصراع في الجنوب وتصفير المشاكل بهدف تحجيم نفوذ الحوثيين والعمل على دعم الجهود الموحدة في هذا الصدد، إلا أن ما حدث قد يتسبب في تغيير موازين القوى بحيث تميل أكثر تجاه الحوثيين، خاصة في ظل استعادة الجماعة لعدد من المواقع التي كانت قد فقدت السيطرة عليها لفترات طويلة، حيث شهدت الفترات الأخيرة حالة من التصعيد ساهمت في نجاح الحوثيين في التقدم ميدانيًا والسيطرة على عدد من المناطق من بينها أجزاء من نهم ومحافظة الجوف ومأرب، وعليه فقد يؤدي الخلاف بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة الشرعية المدعومة من التحالف العربي إلى غض الطرف عن تحركات الحوثيين والتفرغ لتسوية الخلافات بينهما الأمر الذي قد يستغله الحوثيين في توسيع نفوذه وتمدده في عدد من المحاور الأخرى.
التلويح بالطوارئ.. الحوثيون بصدد "تصفية" صالح
  • العودة لدائرة القتال، قد يُعيد التحرك الأخير للمجلس الانتقالي الجنوبي المشهد لمرحلة التصعيد المتبادل التي شهدها الجنوب اليمني في مرحلة ما قبل إعلان اتفاق الرياض، حيث القتال الدائر ومحاولات الانقلاب على الشرعية اليمنية وضم المؤسسات والمقار الحكومية والحيوية تحت سيطرة وهيمنة قوات وعناصر المجلس الانتقالي الجنوبي. وقد رفع المجلس الانتقالي منذ تأسيسه عام 2017 شعار الانفصال عن اليمن ولم يتخلى عن هدفه حتى الآن، إلا أنه بنى استراتيجيته على حصد عدد من المكاسب المرحلية كخطوة يمكن التأسيس عليه لبلوغ الهدف الأكبر بالنسبة له، وقد شرع في سبيل ذلك لتبني عدد من التحركات من ضمنها محاولاته المنفردة وعبر قواته وأذرعه العسكرية ممثلة في الحزام الأمني في السيطرة على عدد من المرافق الحيوية وقصر معاشيق الرئاسي وعدد من المواقع العسكرية كما حدث في أغسطس 2018 بعد صراع دام لعدة إيام مع قوات الحكومة الشرعية وقد نجم عنه سقوط نحو 40 قتيلًا و 260 جريحا، علاوة على محاولات مماثلة في يناير 2018، لذا من المتوقع أن يؤدي القرار المرتبط بشأن إعلان حالة الطوارئ والإدارة الذاتية إلى عودة القتال مرة أخرى في الجنوب، وهو ما يمكن أن يُريد من تعقيد الموقف.
"الحراك الجنوبي" يرفض إعلان "الانتقالي" ويحذر من جر البلاد إلى متاهات خطيرة

ماذا بعد؟

من خلال متابعة ردود الفعل المتباينة وعدد من التفاعلات التي أعقبت إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حالة الطوارئ والإدارة الذاتية للجنوب يمكننا تحديد طبيعة وشكل المشهد وما يمكن أن تؤول إليه الاحداث من خلال عدد من الاحتمالات وذلك فيما يلي:

  • عدم الصمود أمام الضغوط، تقوم هذه الفرضية على أساس أن التحرك الحالي وما يقوم به المجلس الانتقالي الجنوبي هو تحرك تكتيكي يستهدف من وراءه الحصول على مزيد من الضمانات والصلاحيات التي تؤهله للعب دور أكبر في المراحل القادمة، وعليه قد يتخلى المجلس عن التصعيد في حالة حصوله على تلك الضمانات، كما أن المجلس قد لا يتمكن من الصمود طويلًا، خاصة في ظل غياب الحاضنة الدولية والمحلية الكافية للاستمرار في عملية التصعيد، وهو ما انعكس بشكل كبير على ردود الفعل الدولية والمحلية على هذه الخطوة، فعلى الصعيد الداخلي لم يجد التحرك دعمًا كاملًا من قبل الفواعل في المشهد اليمني والقوى السياسية، إذ أعربت الحكومة اليمنية عن رفضها لهذه التحركات معتبره أنها بمثابة تمرد مسلح، كما أعربت عدد من القوى السياسية ممثلة في التحالف الوطني للأحزاب السياسية – 14 حزبًا سياسيًا- عن رفض تحرك المجلس الانتقالي، حيث اتهموا المجلس بضرب مشروع الشراكة الوطنية. علاوة على ذلك فقد أعربت نحو 6 محافظات جنوبية من أصل 8 – حضرموت، شبوة، المهرة، أبين، سقطري، لحج- عن رفضهم للخطوات التي قام بها المجلس، لأن ذلك يعتبر تكريسًا للأزمة وخرقًا للشرعية. الأمر ذاته أعلنه ” الحراك الجنوبي السلمي” إذ دعا المجلس الانتقالي إلى وقف التصعيد والعودة إلى اتفاق الرياض. من ناحية أخرى دعا المبعوث الأممي في المين ” مارتن غريفث” إلى الإسراع في تنفيذ اتفاق الرياض والامتناع عن اتخاذ إجراءات تصعيدية، وعلى ذات المنوال عبرت عدد من المنظمات الإقليمية -جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، والبرلمان العربي، والاتحاد الأوروبي-   عن رفضها للتصعيد أحادي الجانب من قبل المجلس الانتقالي. وعليه قد تفرض هذه الضغوط وحالة الرفض الداخلية والخارجية مزيًدا من القيود على المجلس الانتقالي الجنوبي ومن ثم يعود مرة أخرى لاتفاق الرياض باعتباره يضمن له الشرعية ويعزز من فرصه المستقبلية.
  • مواصلة التعنت، ينطلق هذا الاحتمال من عدم قدرة الضغوط المحلية والخارجية على إرغام المجلس الانتقالي على التراجع عن هذه الخطوة، خاصة في ظل تصميم الأخير على مواصلة حالة الطوارئ والعمل على تعزيز وتوطيد حكمة الذاتية، إذ اعتبر المجلس أن هذا التحرك لا رجعة فيه، وهو ما تم ترجمته من خلال قيام القوات والعناصر الأمنية التابعة له بنشر قوات ودوريات عسكرية في عدد من المناطق، علاوة على محاصرة عدد من المقار الحيوية والمؤسسات الرسمية. وفي حال الاستمرار والتمسك بهذا النهج فمن المحتمل أن يتأثر المشهد اليمني بشكل كبير، حيث يرتفع معدل التصعيد ويزداد الموقف تعقيد، كما قد يتيح ذلك الفرصة أمام جماعة الحوثي لاستغلال حالة التشتت والانقسام داخل جبهة الشرعية من أجل كسب مزيد من النفوذ، الأمر الذي قد ينتهي بتغير موازين القوى الميدانية في اليمن.

مجمل القول، قد تشهد الأيام القادمة التداعيات المحتملة لتحركات المجلس الانتقالي، وفي كل الأحوال فالوضع الآن أصبح في حاجة ماسة للبحث مخرج لهذه الوضعية الحرجة، خاصة في ظل انتشار وتفشي حائجة كورونا حول العالم، حيث أن ظهور أول الحالات المصابة في محافظة حضرموت _10 إبريل- من شأنه أن يضيف ملمحًا جديدًا للصراع في ظل البنية الصحية غير المؤهلة لليمن. وسوف تكون الفترات القادمة شاهدة أما على استجابة المجلس الانتقالي الجنوبي للضغوط الدولية والمحلية والعدول عن خطواته التصعيدية أو الاستمرار في التصعيد ومن ثم دخول مرحلة جديدة من القتال. 

Scroll Up