عقدت المملكة العربية السعودية في الثاني من يونيو الجاري بالتعاون مع الأمم المتحدة مؤتمر المانحين الافتراضي لليمن 2020  شارك فيه نحو 126 جهة من بينها 66 دولة، 15 منظمة أممية، 3 منظمات حكومية دولية علاوة على 39 منظمة غير حكومية، بينما بلغت المساعدات الإنسانية نحو 1.35 مليار دولار.

ونسعى ، من خلال هذا التقرير ، إلى الوقوف على مدى نجاح المساهمات العالمية الإنسانية في تخفيف حدة المعاناة الإنسانية التي يعيشها اليمن عبر إلقاء الضوء على فكرة مبدأ المساعدات الإنسانية بشكل عام، مرورا بالمحطات المختلفة للمساعدات الموجهة لليمن، وصولا لقياس المحصلة النهائية لهذه المساعدات والسياق العام المصاحب لها وذلك فيما يلي:

استجابات عالمية للأزمات الإنسانية

 تدخل مؤتمرات المانحين وما تستهدفه من تقديم مساعدات ضمن الاستجابة العالمية للحد من تفاقم الأزمات في منطقة ما وتضع الأمم المتحدة والمنظمات المعنية عدد من المعايير والمؤشرات التي يمكن من خلالها تحديد طبيعة وحدود ما يمكن وصفه بـ”الأزمة الإنسانية”. 

ومن بين هذه المعايير ارتفاع مستويات الوفيات وانتشار العدوى والأوبئة ونقص المواد الغذائية واتساع الفجوة بين متطلبات الحياة الملائمة وبين الموارد المتاحة لتحقيق الحدود الدنيا للاحتياجات البشرية. وقد كشفت التجربة التاريخية أن أغلب المساعدات الإنسانية يتم تقديمها في حالات الطوارئ وأوقات النزاعات والكوارث الطبيعية. وعليه يمكن اعتبار أن تقديم المساعدات الإنسانية تتم في بيئة تتعرض لضغوط سياسية وأمنية شديدة التعقيد.

ومن الثابت أن الأزمات الإنسانية لها تأثيراتها الممتدة ليس فقط على المناطق التي تقع فيها الأزمة بل قد تنتقل تأثيراتها إلى ساحات وميادين أخرى، وعليه أصبحت الاستجابة العالمية للأزمات الإنسانية ضمن التوجه العام للمنظمات الدولية والحكومية وعدد من مؤسسات المجتمع المدني وكافة الجهات الفاعلة في هذ الصدد. 

وتزداد ، بمرور الوقت ،  مساهمة هذه الجهات فيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية، حيث ارتفعت نسبة المساهمة العالمية لأكثر من الضعف خلال التسعينيات من 2.1 مليار دولار إلى نحو 5.9 مليار دولار عام 2000. ويأتي هذا التزايد الملحوظ كمؤشر لتنامي حالات الطوارئ والكوارث والنزاعات وما ينجم عنها من تأزم شديد في الأوضاع الإنسانية. 

وكشف التقرير الإنساني العالمي2019 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” أن إجمالي المساعدات الإنسانية لعام2018  قُدرت بنحو 24.88 مليار دولار ما يعني بالضرورة ارتفاع عدد الأزمات والكوارث والصراعات وما تخلفه من وضع يحتاج لضخ مزيد من المساعدات الإنسانية.

من ناحية أخرى ، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أن نحو 168 مليون شخص بحاجة لمساعدات إنسانية خلال عام 2020. وتضع كافة التقديرات المتعلقة بالأوضاع الإنسانية اليمن في مقدمة الدول التي تعاني وضعا إنسانيا بالغا في الصعوبة والتعقيد.

مؤتمر المانحين الافتراضي.. السياق والمُخرجات

 لم يكن مؤتمر المانحين الافتراضي لليمن (2 يونيو2020) والذي نظمته السعودية بالتعاون مع الأمم المتحدة الأول من نوعه الذي يوجه لصالح دعم الجهود الإنسانية والتنموية في اليمن، حيث عُقد نحو 5 مؤتمرات متعلقة بذات الشأن قبل هذا المؤتمر، وقد شهدت الفترة التي أعقبت أحداث 2011 والاحتجاجات التي أطاحت بنظام الرئيس اليمني “على عبدالله صالح” نحو 5 مؤتمرات ما يدل على حجم المعاناة الإنسانية التي شهدتها اليمن منذ ذلك الحين. وقد استضافت لندن المؤتمر الأول( نوفمبر2006)، في حين استضافت الرياض المؤتمر الثاني للمانحين( ديسمبر2012) ويعتبر هذا المؤتمر الأول من نوعه في أعقاب إقرار المبادرة الخليجية، كما توالت المؤتمر فيما بعد حيث شهدت جنيف المؤتمر الثالث (إبريل2017)، وعلى ذات المنوال عُقد المؤتمر الرابع في (إبريل 2018) كما عادت جنيف لاستضافت المؤتمر الخامس ( فبراير2019) وقد نجم عن هذه المؤتمرات جمع عدد من المبالغ والمساعدات الإنسانية التي يمكن توضيحها من خلال الشكل التالي.

وما يمكن ملاحظته من خلال الشكل السابق، أن حجم المعاناة الإنسانية في اليمن تزداد عامًا تلو الأخر، خاصة في مرحلة ما بعد سقوط صنعاء في يد الحوثيين( سبتمبر2014)، الأمر الذي يحتاج إلى تكثيف الجهود والمساعدات الدولية لتخفيف حدة المعاناة الإنسانية في اليمن والتي من المرجح أن يرتفع منسوبها في الأعوام القادمة، حيث أوضحت الأمم المتحدة أن استمرار الصراع في اليمن حتى عام 2022 من شأنه أن يضع اليمن في مقدمة الدول الأكثر فقرًا حول العالم.

في الوقت ذاته يمكن ملاحظة أن أغلب هذه المؤتمرات لم تنجح  في حصد وجمع المبالغ المطلوبة لدعم وتمويل الأغراض الإنسانية في اليمن نظرًا لارتفاع تكلفة المساعدات وما تحتاجه اليمن في كل مرحلة مقارنة بحجم الإسهامات والمشاركات. ففي عام 2017 كانت المساعدات المطلوبة نحو ملياري دولار ولم ينجح المؤتمر سوى في جمع نحو 1.1 مليار، كما قدرت الأمم المتحدة حجم المساعدات المطلوبة في مؤتمر جنيف 2019 بنحو  4.2 مليار دولار، ومع ذلك لم تجمع وقتها سوى 2.6 مليار دولار. الأمر نفسه تكرار في مؤتمر هذا العام، إذ تمكن المشاركين في المؤتمر في جمع نصف التمويل المطلوب ، إذ استهدفت الأمم المتحدة جمع نحو 2.41 مليار دولار رغم ذلك فقد جمعت نحو 1.35 مليار دولار.

ويمكننا الوقوف على السياق العام المصاحب لانعقاد مؤتمر المانحين الإفتراضي لليمن 2020 كما يلي:

اولًا: تأزم الأوضاع الإنسانية

أفرزت الأزمة اليمنية أسوأ كارثة إنسانية في العالم، إذ أن أكثر من 80% من السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية، حيث يعاني نحو 24 مليون شخص من إجمالي السكان من نقص الاحتياجات وصعوبة الأوضاع الإنسانية، كما يسيطر شبح وخطر المجاعة على نحو 230 مديرية من أصل 333 مديرية يمنية، علاوة على انتشار عدد من الأمراض والأوبئة ومن بينها حمى الضنك، انفلونزا الخنازير والكوليرا حيث أعلنت منظمة الصحة العالمة وجود نحو 862.607 إصابة بالكوليرا خلال عام 2019، في حين سجلت الأسابيع السبعة الأولى من عام 2020 نحو 65 ألف إصابة. بالإضافة لارتفاع نسبة الضحايا الناجمة عن الصراع والتي تجاوز 115 ألف ناهيك عن نزوح أكثر من 3 ملايين شخص. كل هذه الأرقام توضح حقيقة وحجم الوضع الإنساني في اليمن.

ثانيا: انتشار وتفشي وباء كورونا: 

مثل الإعلان عن أول حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا (10 إبريل) تهديدًا مضافًا ومدخلًا لمزيد من الأعباء التي يمكن أن تفاقم من الوضع الإنساني في اليمن، وقد وصل حجم الإصابات وفقًا للأرقام الرسمية نحو 423 إصابة ونحو 96 حالة وفاة. وتشير كافة التحليلات إلى أن الأعداد الحقيقية تتجاوز هذه الأرقام بكثير، كما تتوقع منظمة الصحة أن انتشار الفيروس في اليمن سيكون سريعًا كما أن عملية مجابهته قد لا تتم بشكل فاعل، حيث لا تعمل سوى 45% من المرافق الصحية بكامل طاقتها.

وتعرض نحو 274 مرفقًا للتدمير خلال الأزمة، علاوة على ذلك تفتقد المنظومة الصحية في اليمن للكوادر والكفاءات ووحدات الرعاية والإمكانات التي يمكن من خلالها الحد من انتشار الفيروس. ناهيك عن أن 50% من السكان لا يمكنهم الحصول على مياة نظيفة. 

وبسبب ما يعانيه النظام الصحي من ضعف وهشاشة فقد توقعت منظمة الصحة العالمية أن تأثيرات الفيروس في اليمن قد تصل إلى نحو 16 مليون يمني ما يُعادل أكثر من 50% من إجمالي السكان. وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية في وقت سابق أن المنظومة الصحية في اليمن تحتاج لنحو 630 مليون دولار حتى تتمكن من مواجهة جائحة كورونا الأمر الذي يزيد من حجم المخاطر والتحديات نتيجة نقص التمويل.

Image

ثالثا تحولات ميدانية وحسابات معقدة

تشهد الأزمة اليمنية في الوقت الراهن عدد من التحولات التي تؤثر على حسابات أطراف الأزمة ومن ثم تزيد من حدة المشهد الإنساني في اليمن، خاصة وأن كافة الأطراف أصحبت تراهن على قوتها في حسم الصراع الميداني ومن ثم فرض رؤيتها المنفردة.

وجاء إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عن فك الارتباط بالحكومة الشرعية في اليمن وإعلان الإدارة الذاتية للمناطق التي تخضع لسيطرته( 25 إبريل) كدليل على ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع، خاصة أن هذا التحول من شأنه أن يصب في مصلحة الحوثيين إذ يساعد على تفكيك الكتلة الصلبة التي يمكن أن تحد من تقدم الحوثيين في عدد من المحافظات، ورغم أهمية التحرك الذي قام به المجلس الانتقالي إلا أن البعض يرى أن هذا التحرك يعد جزءا من تكتيك واستراتيجية كبرى ترمي إلى وضع أسس وقواعد جديدة لتفاوض مستقبلي مع الحكومة اليمنية يضمن للمجلس الانتقالي نفوذ أعلى خاصة في ظل غياب القدرات والإمكانات التي تؤهله لتطبيق وتنفيذ الإدارة الذاتية. 

من ناحية أخرى شهدت الساحة الجنوبية تزايد لأعمال القتال بين الجيش اليمني والحوثيين خاصة في محافظتي مأرب والجوف. وعى الرغم من مبادرة وقف إطلاق النار التي أعلن عنها التحالف العربي في الأول من إبريل، إلا أن الخروقات لا تزال مستمرة حيث أعلن التحالف عن قيام الحوثيين بارتكاب نحو ( 3308) خرقًا حتى 14 مايو في حين أعلن الحوثيين عن ارتكاب التحالف العربي نحو 1000 اختراف لمبادرة وقف إطلاق النار.

تحديات وعراقيل

   وسط هذا الوضع والمشهد المعقد تظل هناك مجموعة من التحديات يمكن أن تكون سببًا في استمرار الوضع الإنساني في اليمن وغياب الفاعلية التي من شأنها أن تحول دون وصول المساعدات الإنسانية لمستحقيها من بين هذه المعوقات

  • أولًا: الانتهاكات الحوثية، حيث أعلنت الأمم المتحدة والجهات المعنية بتقديم المساعدات الإنسانية وأعمال الإغاثة عن قيام الحوثيين بالسيطرة على المساعدات الإنسانية في المناطق التي يسيطروا عليها وتحويل مسارها لدعم وتمويل جهودهم الحربية، وعليه قامت هذه الجهات بتقليص المساعدات في مناطق نفوذ الحوثيين، حيث سجلت الأمم المتحدة ارتكاب الحوثيين نحو 400 انتهاك للعمل الإنساني خلال عام 2019، كما قام الحوثيين بفرض إتاوات على المستفيدين من المساعدات الغذائية، علاوة على مقترح الحوثيين بفرض ضريبة 2% على المساعدات الإنسانية في مناطق نفوذه، فضلًا عن ذلك استمر الحوثيين بممارسة أشكال التعنت ضد منظمات الإغاثة من خلال المماطلة في منح تصاريح العمل لهذه المنظمات أو الإشتراطات المتعلقة باختيار العاملين في هذه المنظمات والرواتب وغيرها.
https://vid.alarabiya.net/images/2020/02/13/20766fd0-d8c9-4aff-b096-87029db617c2/20766fd0-d8c9-4aff-b096-87029db617c2_16x9_1200x676.jpg?format=jpeg&width=960
  • تحديات إدارية ولوجيستية، من ناحية أخرى تظل المساهمات المتعلقة بدعم الأوضاع الإنسانية ضمن التعهدات، إذ لم يتم دفعها بشكل فوري، كما أنها لم تحدد طرق وسبل توزيعها والبرامج والمشاريع التي يمكن توجيه هذه المساهمات إليها، ناهيك عن أن أغلب هذه المساهمات والتبرعات تذهب لجوانب تتعلق بالأمور الإدارية كصرف رواتب للموظفين العاملين في هذه المنظمات. كل هذه الأمور من شأنها أن تؤثر على فاعلية وصول المساعدات الإنسانية. وفي هذه الحالة يتوقع أن يزداد الوضع سوء خاصة وأن مؤتمر المانحين 2020 لم ينجح في جمع المساعدات المطلوبة  وهو ما قد يؤثر على عمل المنظمات الإنسانية، حيث تٌشير عدد من التوقعات أن من بين 41 برنامجًا رئيسيًا للأمم المتحدة في اليمن قد يتعرض أكثر من 30 برنامجًا للإغلاق خلال الفترات القادمة ما لم يتوفر التمويل اللازم.

مجمل القول

يظل الوضع الإنساني وما تشهده الساحة اليمنية محركا أساسيًا للمجتمع الدولي، وتبقى الاستجابة العالمية وفاعلية وجدوى تقديم المساعدات الإنسانية مرهونة بوصولها لمستحقيها. وفي ظل التغيرات التي تشهدها الساحة اليمنية والتحولات السياسية وتجدد دورات الصراع وانتشار وباء كورونا فمن المتوقع أن يتفاقم الوضع الإنساني وتزداد الأمور سوء في الفترات القادمة. 

Scroll Up