عرض – آية عبد العزيز

يعد فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” أحد أهم التحديات التي يواجهها النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، لما له من تداعيات سياسة واقتصادية واجتماعية وأمنية عميقة على الشعوب والحكومات في جميع أنحاء العالم. وعليه فقد أصدر مجلس العلاقات الخارجية  Council on Foreign Relations تقريرًا خاص بعنوان “نهاية النظام العالمي والسياسة الخارجية الأمريكية“، في مايو 2020، شارك في إعداده “روبرت د. بلاكويل”  زميل أول في مجلس العلاقات الخارجية، و”توماس رايت” زميل أول معهد بروكينجز، يسعى إلى تحليل تطور النظام العالمي قبل “كوفيد-19″، لتقديم خارطة طريق للولايات المتحدة في سياساتها الخارجية لمواجهة “عدم اليقين الدولي الراديكالي

النظام العالمي قبل “كوفيد-19”

وفقًا للتقرير شهد النظام العالمي عددًا من التحولات الدولية والإقليمية خلال العقد الأخير لكنها لم تكن دليلًا قاطعًا على إنهيار النظام. فحتى مع انتشار فيروس كورونا المستجد كان النمو الاقتصادي العالمي قويًا، فضلاً عن أن القوى الكبرى كان لديها من الترتيبات المشتركة التي منعت إنزلاقهم إلى شفا الصراع باستثناء منطقة الشرق الأوسط. 

لذا فقد طرح التقرير تساؤلًا حول الفرق بين النظام الدولي والنظام العالمي لكي يستطيع وضع مجموعة من المؤشرات التي يمكن قياسها، في ظل تنامي التحديات على كافة الأصعدة. موضحًا أن النظام الدولي يشير عادًة إلى نظام بقيادة دولة معينة مثل الأمبراطوريات مثل (البيزنطية، والمنغولية،والصينية، والبريطانية، والفرنسية، والروسية) على الرغم من أن النظام المعني لا يتم دائمًا قبوله من قبل جميع القوى الكبرى في العالم. 

إلا إنه أصبح نظامًا مرادفًا لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة وبالتالي يعتقد الأمريكيون والعديد من الأوروبيين واليابانيين والأستراليين وغيرهم أن النظام الدولي يشمل التحالفات العسكرية، مثل منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والمعاهدات الأمنية الثنائية ومجموعة السبع، أما النظام العالمي، فإنه يُعبر عن  التفاهم المشترك بين القوى الكبرى للحد من إمكانيات المواجهة الخطيرة، بما في ذلك بين المنافسين والأعداء. 

وعليه يركز التقرير فيما يتعلق بالنظام العالمي على طبيعة الترتيبات التي تمت بين القوى الكبرى لتحقيق التفاهم بينهم حول إدارة القضايا والأزمات محل الاهتمام وتداعيات إنهيارها على شكل النظام، مستشهدًا بتوضيح “هنري كيسنجر” حول النظام العالمي في كتابه المعنون “عالم مستعاد” قائلًا أن النظام والاستقرار لا ينتجان عن الرغبة في السعي لتحقيق السلام أو العدالة، بل عن “شرعية مقبولة بشكل عام” و”توازن القوى“. 

كما يقول إن الشرعية “لا تعني أكثر من اتفاقية دولية حول طبيعة الترتيبات العملية وحول الأهداف والأساليب المسموح بها في السياسة الخارجية”، ويختتم بالقول: “إن ذلك يعني ضمنيًا قبول جميع الدول الكبرى لإطار النظام الدولي، على الأقل إلى الحد الذي لا تشعر فيه أي دولة بالاستياء الشديد.

أنماط عدم التوافق بين القوى الكبرى ونهاية النظام العالمي

كشف التقرير أن القرن الحالي خرج بشكل حاد عن المعايير والترتيبات التي اتفقت عليها القوى الكبرى، علاوة على تنامي حالة من عدم التوافق حول قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو الأمر الذي تجسد على النحو التالي: 

  • قيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم بشكل غير قانوني في عام 2014، وهو أول عمل من هذا القبيل في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
  • امتناع كل من البرازيل والهند عن التصويت لإدانة التحركات الروسية في مجلس الأمن الدولي.
  •  انخراط الصين على مدى العقد الماضي في مشروع استصلاح الأراضي في بحر الصين الجنوبي، في انتهاك للقانون الدولي لتعزيز مطالبها الإقليمية والسيطرة على الممرات البحرية الحيوية.
  •  أصبحت الصين أكثر نشاطًا وحزمًا استراتيجيًا في المنظمات المتعددة الأطراف لتخفيف الانتقاد لسجلها في مجال حقوق الإنسان، وإضعاف المعايير الدولية لحقوق الإنسان والشفافية والمساءلة.
  • استخدام الصين نفوذها الجغرافي والاقتصادي والتكنولوجي للضغط على القوى الدولية بالالتزام بعدم انتقاد سياساتها الداخلية والخارجية، علاوة على تجاهلها لمعايير التعاون الاقتصادي العالمي من خلال استثماراتها في سياق مبادرة الحزام والطريق. 
  • تدخل روسيا في عمل غير مسبوق في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 نيابة عن “دونالد ترامب”، واستمرت في التدخل المكثف عبر وسائل التواصل الاجتماعي الأمريكية في أعقاب جائحة كورونا، كما بدأت الصين في تبني عمليات التضليل الأكثر حزمًا. 
  • تراجع العديد من حلفاء الولايات المتحدة عن ترتبيات النظام العالمي؛ إذ تراجعت ديمقراطية المجر تحت حكم رئيس الوزراء “فيكتور أوربان”، وأصبحت تركيا دولة استبدادية، فيما أنهى ولي عهد المملكة العربية السعودية عقودًا من السياسات الخارجية الحذرة التي تراعي إلى حد كبير تفضيلات الولايات المتحدة لصالح الأوضاع في اليمن.
  • ابتعاد الولايات المتحدة عن تقاليد النظام العالمي الخاصة بها؛ إذ يشكك “ترامب” في قيمة التحالفات الأمريكية، ويفرض رسوم تجارية على الجميع، ويتخلى عن دعم حقوق الإنسان والديمقراطية في الخارج، كما انسحب من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني)، واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، ومعاهدة القوى النووية متوسطة المدى، واتفاقية باريس بشأن تغير المناخ. 

المصالح الحيوية للولايات المتحدة

يجادل المؤلفين أن التحدي الرئيسي الذي يواجه الإدارة الأمريكية هو مدى القدرة على الاستجابة للتغيرات المتلاحقة في النظام العالمي، بجانب الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة الحيوية التي تتمثل في: 

  • منع استخدام الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية والهجمات الإرهابية التقليدية أو الهجمات الإلكترونية ضد الولايات المتحدة أو قواتها العسكرية في الخارج أو حلفائها، علاوة على الحد من هذا التهديد.
  • منع انتشار الأسلحة النووية، مع الحد من زيادة انتشار الأسلحة المتوسطة والطويلة المدى من خلال الاتفاقيات الدولية الداعمة لكبح الطموح النووي للدول الكبرى.
  • الحفاظ على توازن القوى العالمي والإقليمي الذي يعزز السلام والاستقرار والحرية من خلال قوة الولايات المتحدة على الصعيد الوطني والدولي، مع زيادة المساهمات من الحلفاء والشركاء.
  • منع ظهور قوى كبرى معادية أو دول فاشلة على حدود الولايات المتحدة.
  • ضمان استمرارية واستقرار النظم العالمية الرئيسية (التجارة والأسواق المالية وإمدادات الطاقة والفضاء السيبراني والبيئة وحرية البحار).

آليات المواجهة في أعقاب “كوفيد-19” 

وضع التقرير عددًا من التوصيات الخاصة بآلية الاستجابة الأمريكية للمتغيرات المتلاحقة للحفاظ على مصالحها الحيوية، وإعادة تشكيل النظام العالمي وفقًا للقيم الغربية، ومفهومها الخاص لطبيعة النظام العالمي تتجلى أبرزها في: 

  • تعزيز القيادة الأمريكية للعالم عبر إنشاء نموذج مقنع للحوكمة يتمثل في زيادة الاستثمار في التعليم، وإصلاح نظام الهجرة، واستئصال الفساد، وتطوير ونشر التقنيات المتقدمة مثل الجيل الخامس؛ إذ كشفت أزمة “كوفيد-19” عن فجوة بين الولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى في مجابهة واحتواء الوباء. 
  • إعادة هيكلة الدبلوماسية الأمريكية بشكل أكثر فاعلية؛ فعلى مدى السنوات العشرين الماضية، فشلت الولايات المتحدة في المزج بين قوة نفوذها وآلياتها الدبلوماسية لتحقيق أهدافها الجيوسياسية. وإن كانت هناك بعض الاستثناءات مثل التفاوض على خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 (JCPOA) مع إيران.
  • إعادة تنشيط التعاون الأمريكي مع دول الجوار؛ يجب على الولايات المتحدة تنشيط علاقاتها مع كندا والمكسيك، مع توظيف مقدرات هذه الدول لدعم مصالحها الاقتصادية من خلال زيادة التعاون والتنسيق الاقتصادي والتجاري بينهم.
  • زيادة الطموحات مع أوروبا؛ يجب أن تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون أكثر طموحًا واستباقية إذا أرادت الليبرالية أن تكون قوة تنافسية في العالم.
  • تقوية العلاقات مع الهند؛ لابد من تقوية العلاقات الأمريكية الهندية لتطويق النفوذ الصيني في آسيا؛ حيث تعد الهند، أكبر ديمقراطية في العالم، كما إنها تدرك بأن الصين تسعى إلى استبدال الولايات المتحدة كقوة أساسية في آسيا، وهذا الأمر سينعكس عليها بشكل سلبي، لذا فإن سبل التعاون بينهم مكسب للولايات المتحدة. 
  • تقاسم التحديات العابرة للحدود مع القوى الكبرى؛ تشترك الولايات المتحدة والصين في مجموعة من المصالح مثل مكافحة تغير المناخ والأمراض الوبائية. بالرغم من حالة التنافس المُتنامية بينهم التي انعكست على مواجهة “كوفيد-19″، وعليه ينبغي على الولايات المتحدة قيادة العالم في البحث عن لقاح بالتعاون مع الصين بعيدًا عن علاقات التنافس. فخلال الحرب الباردة، تعاونت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في إدارة أسلحتهما النووية الخاصة، ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولقاح للقضاء على الجدري، ومصائد الأسماك، وحرية البحار.
  • وقف تدهور توازن القوى مع الصين؛ من أجل حوار ثنائي مكثف رفيع المستوى بين واشنطن وبكين، يجب على الولايات المتحدة تعزيز قوتها العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية في آسيا من خلال زيادة التفاعل مع الحلفاء والشركاء لبناء تحالفات اقتصادية ومالية، وذلك لتحقيق توازن القوى بينهم في آسيا وضمان تحقيق الاستقرار والتوافق حول بعض الملفات محل الاهتمام. 
  • تقليل الارتباط بالشرق الأوسط؛ يجب أن تشير أزمة “كوفيد-19” إلى نهاية حقبة ما بعد 11 سبتمبر، والتوقف عن محاولة إصلاح المنطقة الأكثر اختلالًا وتدميرًا ذاتيًا، عبر سحب القوات الأمريكية المقاتلة من أفغانستان دون الحاجة إلى اتفاق مع طالبان. والاعتراف بأن إمكانية حل الدولتين للقضية الإسرائيلية الفلسطينية لا يمكن تحقيقها، علاوة على إنهاء الدعم للسعودية في حرب اليمن، بالإضافة إلى إحياء وتحديث خطة العمل الشاملة المشتركة لمنع طهران من الحصول على أسلحة نووية، وفيما يتعلق بأن تتحول إيران إلى دولة ديمقراطية فإنه قرار داخلي يرجع للشعب الإيراني وليس للولايات المتحدة. مع خفض العلاقات مع شركائها العرب للتركيز على الأمور ذات الاهتمام المشترك بدلاً من تقديم دعم عام لأهدافهم المحلية والدولية. وضمان استمرار سلامة إسرائيل وأمنها. ولتجنب حدوث فراغ في المنطقة. يجب على الاتحاد الأوروبي أن يتحمل المزيد من العبء في محاولة تشكيل الشرق الأوسط، وهو ما يؤثر على مصالحه الوطنية الحيوية. 
  • إعادة بناء وهيكلة الاقتصاد العالمي: يجب على الولايات المتحدة أن تعمل مع دول العالم لإعادة بناء اقتصادياتها الوطنية، على أن تكون متسقة مع معايير الاقتصاد العالمي القائم على السوق المفتوح، كما يجب على الولايات المتحدة الضغط من أجل تخفيض الإصلاحات المالية ذات التداعيات السلبية المُحتملة، مع ضمان أن تكون الاقتصاديات الوطنية مرنة من خلال اعتمادها على الابتكار وتكنولوجيا الاتصالات، لكي تتمكن من الانخراط في الاقتصاد العالمي القائم على التنافس. 
Scroll Up