نشب نزاع حدودي بين إثيوبيا والسودان على الحدود الشرقية للأخيرة وتحديدا في منطقة “الفشقة” التابعة لولاية “القضارف” السودانية المحاذية لإقليم أمهرا الإثيوبي.

لم يكن هذا النزاع الأول في حدوثه ، لكن التوقيت وردود الفعل وتحديدا رد فعل الجيش السوداني هي من سلطت الضوء على تلك الأزمة التي تعد ضمن الموروثات الاستعمارية لغالبية البلدان الإفريقية.

ونظرا لما أثارته تلك الواقعة من تساؤلات ليس فقط عن مسار الأزمة، ولكن أيضا عن مسار العلاقات الإثيوبية السودانية، وما أثارته أيضا بخصوص مدى الارتباط بينها وبين الموقف السوداني من أزمة سد النهضة والموقف الإثيوبي الأخير، رأينا ضرورة تسليط الضوء على طبيعة الموقف وجذوره التاريخية، ومن ثم ردود الفعل وما يمكن أن تعنيه تلك الردود وتؤول إليه؛ سواء بالنسبة لأزمة الحدود، أو طبيعة العلاقات الإقليمية السودانية الحالية.

أولا..قصة الفشقة

“الفشقة” هي جزء من ولاية “القضارف” ويشقها نهر “باسلام” إلى جانب نهري “ستيت” و”عطبرة”، وتوجد بها أراض زراعية خصبة تصل مساحتها إلى 600 ألف فدان.

وتمتد الفشقة على طول الحدود السودانية الإثيوبية بمسافة 168 كيلومترا وتقع على مساحة تبلغ 5700 كيلومتر مربع، وهي مقسمة لثلاث مناطق، هي: “الفشقة الكبرى” و”الفشقة الصغرى” و”المنطقة الجنوبية”.

واعتاد المزارعون الإثيوبييون التسلل إلى تلك الأراضي منذ خمسينيات القرن الماضي، ما أدى إلى دعوات متكررة بترسيم الحدود في تلك المنطقة. وذلك بعد أن وصلت الميليشيات الإثيوبية إلى وضع علامات حدودية على أراضي زراعية وصلت مساحتها إلى 1500 فدان.

وفي عام 1995 نص اتفاق بين البلدين على خلو المنطقة الحدودية من الجيوش النظامية، فتوزعت السيطرة العسكرية على كتائب الدفاع الشعبي السوداني وميليشيات “الشفتا” في الجهة المقابلة، أي لا وجود لأي جيش إثيوبي في المنطقة الحدودية.

وساهم خلو المنطقة من الجيش إلى دخول المزارعين في مواجهات مع كتائب الدفاع الشعبي بشكل متكرر موسميا إلى أن أعاد الجيش انتشاره مؤخرًا، وهو ما أدى إلى مواجهات مع الجيش السوداني.

وتعد تلك الاعتداءات هذا العام نقضا لاتفاق تم التوصل إليه العام الماضي، تضمن عمل مشاريع لتنمية المنطقة (الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى)، وبناء عدة جسور على نهر عطبرة وفرعه نهر ستيت لربط المنطقة بالمناطق الداخلية.

وشمل أيضا إنشاء قرى نموذجية داخل المنطقة وتشجيع المواطنين على البقاء بها، وتوفير الأمن للمزارعين كي يعودوا إلى مشاريعهم وتعويضهم عن خساراتهم، وتقنين وجود المزارعين الأثيوبيين المستأجرين لبعض الأراضي داخل الفشقة.

يعود تاريخ أزمة تلك المنطقة إلى عام 1957 حين فرضت إثيوبيا السيطرة عليها من خلال تسلل مزارعين إثيوبيين للعمل بطريقة بدائية، ونتيجة لقبول الأهالي وجودهم عادوا في العام التالي بصحبة آليات زراعية حديثة، وحينها اعترض الأهالي ما دفع مسؤولي البلدين لعقد اجتماع اعترف خلاله الإثيوبيون بوجودهم داخل الأراضي السودانية، وبحلول عام 1962 بلغت المساحة التي زرعوها 300 فدان.

أما في عام 1992 فقد تصاعدت الأمور بشكل كبير حين دخل أحد المزارعين الإثيوبيين ذوي الإمكانات الكبرى بآليات ضخمة وتوغل في عمق أراضي السودان تحت حماية قوات إثيوبية، وقد تمكن في العام التالي من طرد المزراعين السودانيين والاستيلاء على مزيد من الأراضي، وصلت مساحتها إلى 44 كيلومترا مربعًا، وفي العام 2013 توصلت لجان ترسيم الحدود المُشتركة بين البلدين إلى اتفاق قضى بإعادة أراضي الفشقة للسودان لكنه لم ينفذ.

وفي عام 2017، تم الإعلان عن التوصل لاتفاق لترسيم الحدود بين الجانبين، عدا منطقة الفشقة التي قالوا إنه ما زال يجري التفاوض بشأنها، كما أصدرت الحكومة السودانية قرارًا بمنع المزارعين السودانيين من تأجير أراضيهم للمزارعين الإثيوبيين. 

ومع ذلك كانت هناك مماطلات من الجانب الإثيوبي لحسم القضية. وهو ما أكد عليه، المهندس عبد الله الصادق، رئيس الجانب السوداني، في اللجنة الفنية الفنية الخاصة بترسيم الحدود، والتي توصلت إلى اتفاق ترسيم للحدود عام 2012، إلا أن الإثيوبيين يفتقرون إلى الجدية لتنفيذ الاتفاق.

وفي أغسطس عام 2018، اتفق الجانبان على نشر قوات مشتركة على الحدود بين البلدين لمنع التوترات بين البلدين. فضلا عن اتفاق العام الماضي، بتنمية مشتركة للأراضي والقرى وضبط الحدود بين الجانبين.

وقبل التوترات الأخيرة بأيام، أعلن الوفد السوداني عقب زيارته لأديس أبابا، أنه لا يوجد نزاع حول تبعيتها للأراضي السودانية، كما أن إثيوبيا لم تدّع مطلقًا تبعية تلك الأراضي لها.

ويشير الممثل السابق لمنطقة الفشقة في البرلمان، مبارك النور، إلى أن التوغل الإثيوبي في المنطقة بلغ 840 ألف فدان بوساطة 700 إثيوبي، ويتصاعد بصورة سنوية، ولا يشمل ولاية القضارف وحدها، بل هناك آلاف أخرى من الأفدنة تحت سيطرة إثيوبيا في مناطق سنار والددر.

وأوضح أن جملة الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإثيوبية تصل إلى مليون فدان، بينما ما تقوم به الحكومة غير كافٍ لتأمين الحدود والمزارعين من الهجمات الإثيوبية” ، معتبرا أن “لا حل إلا باسترداد هذه الأراضي ووقف ابتزاز الجانب الإثيوبي”، مؤكدا ضرورة نشر المزيد من القوات وتأمين المزارعين وتنمية المنطقة من حيث الطرق والخدمات والمدارس والمستشفيات.

ثانيا..أزمة موروثة

تشهد منطقة الفشقة السودانية ، وهي منطقة زراعية مطيرة، هجوما دوريا من جانب ميليشيات إثيوبية تسمى ” الشفتة”، وذلك لاجهاض أي مقاومة من سكان ولاية القضارف السودانية لتعدي المزارعين الإثيوبيين، وخاصة مزارعي إقليم الأمهرا، الذين يفتقدون وجود أراضٍ زراعية خصبة في بلادهم، ما دفعهم إلى التعدي على الأراضي السودانية المجاورة عقب استقلال السودان، بداية من عام 1957 تقريبًا. وذلك على الرغم من تبعية تلك المنطقة إلى السودان بموجب اتفاق ترسيم الحدود التاريخي، الذي تم توقيعه عام 1902، بين الجانب الإثيوبي، في عهد الامبراطور منيليك الثاني، والاستعمار البريطاني نيابة عن السودان.

واعتادت الميليشيات الإثيوبية الهجوم في موسم الحصاد الزراعي بالخريف، وذلك من أجل الاستيلاء على المحاصيل وبيعها، وذلك على مدار نصف قرن، تسترت عليه الأنظمة المتعاقبة،  بداية من  نظام جعفري نميري، والذي سمح لقبائل الأمهرا بالدخول إلى الأراضي السودانية واستغلالها، وذلك أعقاب سقوك الامبراطور هيلا سلاسي إثر انقلاب منجستو عام 1974، وبعدها مارس البشير سياسة غض الطرف،  ما أدى إلى استيلاء ميليشيات على الأراضي الزراعية بالتهديد والقتل والخطف. كما ساعدهم لجوء ملاك الأراضي السودانيين إلى استخدام العمالة الإثيوبية، بل مكنوا كبار المزارعين الإثيوبيين من استئجار أراضيهم.عنها لمصالح شخصية تربطه بالنظام الإثيوبي. 

واستغلالَا لتراخي الحكومة السودانية وقتذاك، تمدد المزارعون الإثيوبيون في الأراضي السودانية، وبدأوا في وضع اليد على الأراضي السودانية برصف الطرق، وبناء المعسكرات ليفرضوا الواقع الديموغرافي في المنطقة. لتصل بذلك إجمالي المساحات التي اعتدت عليها إثيوبيا،  700 ألف فدان، وفقًا لبيان والي القضارف الأخير، بينما وصل عدد المزارعين الإثيوبيين إلى 1786 مزارعًا، وفقًا لوزير الدولة بالخارجية السودانية، عمر قمر الدين.

وهذا العام بدأت الهجمات مع بداية الصيف، فقد شهدت المنطقة هجومًا في مارس الماضي،  وسرقوا عددا من الأبقار ودخلوا في اشتباكات مع الجيش السوداني، ما أدى إلى إعادة انتشاره في الشفقة بعد غياب 25 عامًا، إلا أنه مع هجوم مارس ووفقًا لما توصلت إليه اللجنة المشتركة، أصبح هناك وجودا لقوات عسكرية سودانية لحماية المنطقة الحدودية.

وفي 25 مايو، عاودت الهجوم مرة أخرى، بغرض سحب المياه، واعتدت على المشاريع الزراعية والسكان المحليين، ما أدى إلى اندلاع الاشتباكات في الضفة الشرقية لنهر عطبرة مقابل ” بركة النورين”، و” قرية الفرسان”، في ولاية القضارف. 

وأدت مواجهة القوات السودانية للميليشيات إلى التراجع إلى المعسكر الإثيوبي بشرق عطبرة، لتعود بقوة إسناد” سرية مشاة”، لتندلع مواجهات مرة أخرى غرب نهر عطبرة، استخدمت فيها القوات الإثيوبية للمرة الأولى، الرشاشات وبنادق القناصة ومدافع الـ”آر بي جي”، ما أدى إلى مقتل نقيب سوداني وإصابة 6 ضباط آخرين، بمعسكر منطقة العلاوة.

ربما هذا التطور النوعي في رد فعل الجيش السوداني، بداية من هذا العام مع إعادة انتشاره، ردًا على الهجوم السابق، ساهم أيضا في تطور نوعي في طبيعة الهجوم نفسه، فبدلا من أن المواجهات كانت بين تلك العصابات والسكان المحليين، الذين تقوم بتهجيرهم والاستيلاء على الأراضي، امتدت المواجهات تلك المرة إلى قوات الجيش السوداني نفسه. وهو ما أدى إلى تصريح الناطق باسم الجيش السوداني، للمرة الأولى، بأن الميليشيات الإثيوبية مدعومة من الجيش السوداني، واعتادت على الاعتداء على الأراضي والموارد.

ويشير بيان القوات المسلحة السودانية الأخير إلى أنه قبل يوم واحد من الأحداث، حضر ضباط من الجيش الإثيوبي ومعهم عمدة منطقة كترارات إلى منطقة كمبو دالي السودانية، التي تقع على بعد 500 متر شرق معسكر «حلاوة»، وطلبوا السماح لهم بالزراعة داخل الأراضي السودانية.

ثالثًا.. ردود الفعل

تتراوح ردود الفعل ما بين ردود الفعل الرسمية وغير الرسمية، وردود الفعل الرسمية تنقسم إلى ردود الفعل العسكرية وردود الفعل السياسية والتي يمكن الإشارة إليها على النحو التالي :

أولًا.. ردود الفعل الرسمية

 اتخذت ردود الفعل مسارين، أحدهما عسكري تمثّل في رد ففعل الجيش، والآخر سياسي، والمتمثل في الحكومة والقوى المدنية. 

ردود الفعل العسكرية

فوفقًا للجيش السوداني، هذه هي المرة الأولى التي يوجه فيها الجيش السوداني أصابع الاتهام إلى الجيش الإثيوبي صراحة، بعد أن اعتاد في عهد البشير على نسب تلك الهجمات لميليشيات خارجة عن سيطرة الجيش الإثيوبي. على الرغم من ذلك، لا زال الجيش السوداني يتحلى بالصبر الاستراتيجي، والميل نحو التهدئة، إذ وفقًا لاجتماعات بين قيادات الجيشين، تم الاتفاق على سحب نقطة المراقبة بالعلاوة داخل المعسكر، على أن تنسحب السرية الإثيوبية إلى معسكرها.

وفي9 إبريل الماضي،  وعلى خلفية الهجوم السابق، تفقدّ رئيس المجلس السيادي السوداني، عبد الفتاح البرهان، عددًا من الحاميات العسكرية بولاية القضارف، اصطحبه رئيس هيئة الأركان الفريق أول محمد عثمان الحسين. وأكد أن الجيش السوداني لن يسمح بالتعدي على أراضي وحدود البلاد، مجددا تأكيد جاهزية القوات المسلحة لحماية البلاد، وحراسة حدودها دون التراجع عن ذلك،  خلال خطابه للفرقة الثانية مشاة. وذلك في أعقاب توغل الجيش الإثيوبي في منطقة شرق سندس بالفشقة الصغرى في مساحة تقدر بحوالي 55 ألف فدان وهي منطقة مشاريع زراعية تخص مزارعين سودانيين. 

وكانت هذه هي المرة الأولى التي ينتشر فيها الجيش في تلك المناطق بعد غياب 25 عامًا، مما أرسل رسالة قوية مفادها أن الجيش السوداني يبسط سيطرته على كافة أراضيه، وأنه لن يتخلى عن السيادة السودانية ضد أية اعتداء.

 ردود الفعل السياسية

 أما على المستوى السياسي وعلى خلفية هذه الأوضاع، تراوحت ردود الفعل ما بين إجراءات محلية لاحتواء الوضع وتهدئة السكان المحلييين، والاتصالات التي قامت بها الحكومة بالجانب الإثيوبي من أجل بحث تطورات الأوضاع، فضلًا عن تصريحات القوى الحزبية والمدنية المتضامنة والداعمة لقواتها المسلحة في حماية سيادة واستقلال السودان.

فعلى الجانب المحلي وفي يوم وقوع المواجهات، تفقَد والي القضارف، اللواء ركن نصر الدين إبراهيم، برفقة قائد المنطقة العسكرية الشرقية، اللواء الركن أحمد محمد خير وقائد الفرقة الثانية مشاة بالقضارف اللواء الركن الطيب جعفر خوجلي، للاطمئنان على أحوال الجرحى، وأكد المتحدث باسم القوات المسحلة، العميد عامر محمد الحسن، أن الهدوء يسود منطقة شرق عطبرة والحدود السودانية الإثيوبية، وخاصة مناطق؛ ود كولي، العلاوة، وبركة نورين. وأرجع هذا الهدوء إلى الاتصال القديمة بين القوات الميدانية التابعة للطرفين، والتي أفلحت في تهدئة الأوضاع مرة أخرى.

ومن جانبه، كشف الأمين العام لديوان الزكاة بولاية القضارف، محمد عبد الرحمن، عن دعم المواطنيين المتأثرين بقرى أحداث الفشقة بمبلغ 500 مليون جنيه. تمثّل هذا الدعم في مواد غذائية وتموينية في شكل حبوب، وذلك بعدما قام مدير ديوان الزكاة بمحلية القريشة بحصر أعداد المتأثرين ومعرفة احتياجاتهم، بعد الاطمئنان عليهم، إذ نزح وفرّ الكثير من المواطنين عن قراهم للمشاريع الخلوية والأشجار بعدما اشتدت وطأة تبادل النيران بين الفريقين.

ومن جانبها، استدعت الحكومة السودانية، السبت الماضي، السفير الإثيوبي لديها، احتجاجًا على خرق الحدود عند منطقة الفشقة، وفقًا لما أعلنته الخارجية السودانية. كما قدمت الحكومة استفسارًا للجانب السوداني، وفقًا لما أعلنه وزير الثقافة السوداني، فيصل محمد صالح، بأن التقارير الميدانية توصلت إلى دعم وحدات بالجيش الإثيوبي للميليشيات.

وأكدت الخارجية السودانية ضرورة وقف تلك الاعتداءات، التي من شأنها تقويض الاحترام والتعاون المتبادل بين الجانبين، والذي يجب أن يقوم على سيادة واستقلال وحدود كل منهما والحق في استخدام الموارد الطبيعية والاقتصادية دون تغول أو اعتداء من أي طرف على الآخر.

ومن جانبه، أشار السفير السوداني الأسبق لدى إثيوبيا، عثمان نافع حمد، بان الميليشيات الإثيوبية اعتادت الاعتداء على على أراضي بلاده في محافظات الفشقة وباسنودة وقريشة والقلابات الشرقية، بدعم من حكومة ولاية أمهرا، وبغض الطرف من جانب الحكومة الاتحادية.

ثانيًا..على الجانب المدني، تراوحت ما بين ردود الأفعال الحزبة وحركات التحرير الشعبية، والتي أجمعت جميعها على دعم القوات المسلحة، على النحو التالي :

أ –  ردود الفعل الحزبية :

شهدت ردود الفعل السودانية حالة من الإجماع على استنكار تلك الممارسات الإثيوبية وضرورة التصدي لها من جانب، ودعم جهود الجيش السوداني في حماية الحدود والثروات من جانب آخر. فمن جانبه أكد الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل دعمه للقوات المسلحة في الحفاظ على سيادة البلاد، فيما دعا إلى ضرورة تسخير كافة الموارد التي تتيح بناء جيش قوي وحديث قادرعلى حماية البلاد وثرواتها الطبيعية.

وهو الموقف نفسه الذي أكدّ عليه حزب المؤتمر الشعبي، داعيًا حكومة الثورة إلى ضرورة التدخل لضبط الحدود وحماية الأراض السودانية والعمال والمزارعين، وتحقيق مصالح السودان الاستراتيجية، بعيدًا عن المحاور وجرّ البلاد لحرب لا مصلحة فيها، وضرورة إعمال مبدأ حسن الجوار وحل القضايا بالحوا. مؤكدًا أنه سيعمل على توظيف علاقاته من أجل بناء سلام إقليمي يقود لوحدة وتكامل منطقة القرن الإفريقي.

كما أكدّ الحزب الوحدوي الناصري على ضرورة أن تضع الحكومة خططًا وقررات لا تسمح بتكرار ذلك مستقبلًا، وشدد على ضرورة اتباع كل الطرق السياسية والدولية عبر منظمات الامم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الافريقي لوضع حل نهائي لمثل تلك الاعتداءات.

ب – ردود الحركات المسلحة : 

 فيما دعا رئيس الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة، الأمين السياسي للجبهة الثورية خالد محمد إدريس، مجلسي السيادة والوزراء، بالإسراع في حسم قضية الحدود بين السودان وإثيوبيا، مؤكداً ضرورة معالجة الإعتداءات المتكررة على منطقة الفشقة الحدودية بولاية القضارف. وأشار إلى أنه تم مناقشة قضايا الحدود مع إثيوبيا ضمن مسار الشرق، الجبهة الثورية خلال المفاوضات السلام بجوبا وذلك لقناعتهم بأهمية ملف الحدود وضرورة إعادة الأراضي السودانية لحضن الوطن.

رابعا.. مباحثات متجددة

أعلن وزير الثقافة السوداني انه سيتم مناقشة الاعتداءات خلال اجتماع للجنة سودانية إثيوبية رفيعة المستوى. وهي اللجنة تشكلت عقب الهجوم السابق في مارس الماضي، وكان من المقرر عقد اجتماعها الثاني تزامنًا مع تلك الأحداث. ويرأسها من الجانب الإثيوبي نائب رئيس الوزراء ومن الجانب السوداني وزير رئاسة مجلس الوزراء، الذي زار إثيوبيا مؤخرًا على رأس وفد سوداني، في 21 مايو الماضي، كانت قضايا الحدود ضمن الملفات المطروحة على أجندة الزيارة. 

ووفق بيان الحكومة السودانية الأخير، والذي أكدّت خلاله على ضرورة عمل الحكومتين على إيجاد حل شامل ونهائي لمثل هذه الأحداث المتكررة، أشارت إلى أنه تم الاتفاق بين الخرطوم وأديس أبابا على ترسيم الحدود فيما بينهما للحد من دخول المزراعين الإثيوبيين إلى أراضيها، وذلك عقب مباحثات أجراها وفد سوداني مع نظرائه الإثيوبيين، استمرت ليومين في أديس أبابا، فيما أشار وزير الدولة بالخارجية السودانية إلى الاتفاق مع الجانب الإثيوبيي على أن تبدأ اللجنة في وضع العلامات المحددة للحدود في أكتوبر القادم على أن تنتهي من عملها في مارس 2021.

وفي 18 مايو الماضي، أعلنت إثيوبيا التزامها بالبدء في وضع العلامات الحدودية بين البلدين، بحسب ما هو متفق عليه بين لجان تعيين الحدود المشتركة بين البلدين، وكان من المتفق أن يعقد الاجتماع الثاني في الخرطوم في يونيو الجاري، إلا أن المواجهات الأخيرة منعت عقدها.

وبجانب تلك المباحثات والاتصالات الفنية من قبل اللجنة الفنية رفعية المستوى، فضلًا عن اتصالات الخارجية ومجلس الوزراء في الجانبين، هناك أيضًا مباحثات عسكرية على مستوى رؤساء الأركان واجهزة المخابرات في الجانبين، واللذين أكدّا على ضرورة التهدئة وإعطاء فرصة للدبلوماسية لحل الأزمة.

خامسا.. مستقبل الأزمة

المواجهات : والتي يدعمها وجود تعزيزات عسكرية سودانية في المنطقة، فضلًا عن الحشود الإثيوبية في الجهة المقابلة، وعلى الرغم من التفاؤل السوداني بنجاح الموسم الزراعي الحالي، وفقًا لما أكدّه والي القضارف من استعداد القوات المسلحة المرابطة في المنطقة لحماية المواقع الزراعية والحدود المشتركة، مؤكدًا سعي الحكومة على حماية الموسم الزراعي الحالي، وفرض هيئة الدولة في إقليم الفشقة كاملًا، والتي يدعمها في ذلك السكان المحليين وقطاع المزارعين والإدارة الأهلية، إلا أن ذلك ينذر أيضًا باحتمالية المواجهة.

وأكد المتحدث العسكري السوداني، عامر محمد الحسن أن كافة الخيارات مفتوحة، إذ استمرت التعديات الإثيوبية، إذ أن هناك إنشاءات واعتداءات إثيوبية مستمرة داخل حدود السودان، مشيرا إلى بقاء التعزيزات العسكرية على الحدود. إلا أنه في الوقت ذاته، أكدّ على إعطاء الدبلوماسية فرصة، ما يشير إلى تصاعد فرص التهدئة.

أما الرشيد عبد القادر، عضو لجنة استرداد أراضي الفشقة، وهو تنظيم شعبي، فيرى أن الوضع حالياً ينذر بما لا تحمد عقباه، خصوصاً أن الجانب الإثيوبي ردّ على الحشود السودانية بحشود مماثلة في أربعة محاور، وهو ما يفرض زيادة الحشود السودانية والتحسب لكل الاحتمالات. ومع ذلك يرى البعض بأن الحشود العسكرية السودانية ما هي إلا رسالة لأديس أبابا مفادها أن المكون العسكري موجود وله تأثير كبير على المشهد السياسي، ولا بد من وجوده في أي معادلة، لا سيما معادلة العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا، مما يستبعد معه الاتجاه نحو المواجهة الكاملة.

التهدئة: بينما لم يستبعد والي القضارف أية سيناريوهات على الأرض لحماية الأرض والسكان، أعرب عن أمله في أن تفضي الاتصالات الجارية بين الطرفين حاليا لنتائج تؤدي إلى حسم الملف، وفي الوقت الذي أجمع فيه الجميع على حماية السيادة والأرض، أجمعوا أيضًا على عدم الانجرار إلى حرب مفتوحة، وضرورة الحفاظ على العلاقات الودية بين الطرفين.

ومن جانبها طالبت أديس أبابا بإجراء تحقيق مشترك وحلّ دبلوماسي للتوتر الحدودي بين الجانبين، كما أكدّ مكتب رئيس الوزراء السوداني ومستشاره الإعلامي سعي الحكومة السودانية لإيجاد حلول دبلوماسية وسلمية للنزاعات، وأن الحرب ليست في صالح الجميع، مع التمسك بالحق في الأرض، وضرورة الإسراع في ترسيم الحدود، وتسريع عمل اللجان الفنية المشتركة بجانبيها العسكري والمدني لإنجاز وضع هذه العلامات، وأن هناك تواصل سياسي وعسكري بين رئيسي الورزاء والمخابرات في كلا البلدين.

وأكدت الخارجية الإثيوبية على ضرورة إحتواء الوضع الحالي وأن تعمل البلدان من خلال الآليات العسكرية القائمة لمعالجة الظروف المحيطة بالحادث، مؤكدة على الحوار الدبلوماسي القائم على اسس العلاقات الودية والتعايش السلمي بين البلدين. ورغم هذا التوتر تم إجراء مباحثات عسكرية بين الجانبين برئاسة رؤساء أركان البلدين في مقر وزارة الدفاع السودانية مؤخرً. واتفق الجانبان على التنسيق الكامل بين جيشي البلدين لضبط الحدود بينهما وحمايتها من الجرائم العابرة ذات الصلة بالتهريب بما يصب في مصلحة شعبي البلدين .

الحسم: بينما كان نظام البشير يغض الطرف سابقًا عن تلك الانتهاكات، فإن كافة الآراء الحالية أجمعت على موقف واحد بشأنها حتى وووفقًا لما أعلنه وزير الثقافة السوداني بأن كافة الخيارات مفتوحة أمام السودان للجوء إلى المنظمات الإقليمية والدولية بشأن الاعتداءات الحدودية، يكشف عزم السودان لحسم هذه القضية بشكل قاطع. وعلى الرغم مما تعانيه الحكومة الانتقالية من أزمات اقتصادية وإدارية إلا أنها تسعى إلى الحسم وحل تلك القضية بشكل قاطع، وهو ضمن الملفات السياسية التي تتولاها حكومة حمدوك، وليس أدل على ضرورة حسم تلك القضية، من تصريح جبهة التحرير الثورية بأهمية ملف الحدود، والذي يتم مناقشته ضمن قضايا السلام بجوبا، ما يعني أنه آن الآن لحسم تلك القضية، ضمن القضايا الموروثة التي أنهكت السودان طويلًا وحرمت شعبه من التنمية.

وفي هذا الصدد، ذكر السفير السوداني الأسبق لدى أديس أبابا، عثمان نافع، أن الحل يكمن في الإسراع في ترسيم الحدود خاصة أن اللجان الفنية «وصلت إلى مراحل نهائية من التجهيزات للترسيم على الأرض»، داعيا في الوقت نفسه حكومة بلاده إلى ضبط النفس والإصرار على مطالبها من دون تصعيد عسكري.

أخيرا.. تشير كافة المعطيات إلى عدم احتمالية تفاقم الأزمة لحد مواجهة عسكرية مباشرة لا يرغب الطرفان في تحمل تكلفتها، إلا إذ تطورت الأوضاع على الأرض، فضلًا عن تشابك المواقف في ملفات وقضايا أخرى، على نحو يجعل المواجهة شرا لا بد منه. إلا أنه حتى الآن من الراجح أن يتجه الطرفان نحو التهدئة، إلا أن ذلك لا ينفي أهمية حسم الملف بصورة نهائية، ما يقطع الفرصة على تغول الإثيوبيين، الذين يستغلون قلة عدد السكان والخدمات والتنمية، خاصة وأن تلك المنطقة التي تمثل سلة غذاء للسودانيين غنية بزراعة محصولي السمسم والذرة. وهي قضية بالفعل ضمن القضايا الانتقالية المثارة مع مكونات شرق السودان، الذي افتقر إلى التنمية طيلة عهد البشير.

Scroll Up