عرض – آية عبد العزيز 

شهد التعاون الأمني ​​والدفاعي الأوروبي مستوى جديدا من الطموح قبل مرحلة “كوفيد-19″، الأمر الذي حفز دول الاتحاد الأوروبي لضرورة التوافق حول ثقافة استراتيجية موحدة، تمهيدًا للدعوة إلى امتلاك قدرات عسكرية أكثر تماسكًا، في إطار تنامي التحديات والتهديدات الدولية على كافة الأصعدة. ولكن مع تفشي وباء “كورونا” داخل العواصم الأوروبية واجهت المزيد من الضغوط التي تتطلب تعريفًا واضحًا لماهية السلطة السياسية للدول وقدراتهم على احتواء الأزمة، وكيفية التعامل مع مجالات السياسة العليا مثل الأمن والدفاع، وذلك بالتزامن مع التأثير غير المباشر للجائحة على عملية التكامل الدفاعي للاتحاد الأوروبي من خلال اختبار مبادئ التضامن الأوروبي وقدرة أوروبا على إدارة الأزمات الجماعية. 

وعليه فقد نشرت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي مقالة بعنوان تحديات الأمن والدفاع في الاتحاد الأوروبي: نحو شتاء دفاعي أوروبي؟” للباحثة “رالوكا سسيرناتوني” المتخصصة في دراسات الأمن والدفاع الأوروبي. لتوضيح استجابة الاتحاد الأوروبي ومؤسساته للمخاطر من خلال تبني سياسة دفاعية وأمنية أكثر طموحًا حفاظًا على مصالح الأقليم الأوروبي، وضمان استقلاله الاستراتيجي تحقيقًا للوحدة الأوروبية، بجانب التطرق إلى التحديات التي يواجهها مسار التعاون الأمني والدفاعي بين الدول، وأخيرًا استنتاج تأثير “كوفيد-19” عليه.  فعلى المدى القصير، من المرجح أن يعني الشتاء الدفاعي الأوروبي الوشيك زيادة التراجع في تكامل الدفاع.

الطموح الأوروبي

سعى الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق التكامل الدفاعي والأمني بين أعضاءه، من خلال إصدار الاستراتيجية العالمية للاتحاد في يونيو 2016 التي تضمنت مجموعة من الإجراءات العملية والطموحة، التي مثلت نقلة نوعية في التفكير الاستراتيجي لدول الاتحاد. واستكمالًا لجهود الاتحاد قامت المفوضية الأوروبية في مايو 2017، بالإعلان عن تمويل الأبحاث والابتكارات التكنولوجية المُتعلقة بالدفاع مباشرة من ميزانية الاتحاد الأوروبي وليس من خلال المبادرات المشتركة للدول الأعضاء. كخطوة لإثبات القيمة المضافة لأبحاث الدفاع والابتكار المدعومة من الاتحاد.

 كما أطلق الاتحاد عدد من المبادرات الدفاعية والأمنية في عام 2017 لتعزيز التعاون بين الدول الأوروبية. علاوة على وضع المراجعة السنوية المنسقة للدفاع كحلقة وصل بين تخطيط الدفاع الوطني وأولويات الاتحاد. بالإضافة إلى ذلك تم تعديل خطة تنمية القدرات لتكون بمثابة مرجع رئيسي للدول الأعضاء لتنمية القدرات وضمان الاتساق مع حلف شمال الأطلسي. وبين مارس 2018 ونوفمبر 2019، اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي سبعة وأربعين مشروعًا في إطار تعاون منظم غطت مشاريع التعاون المعززة التدريب وتنمية القدرات والاستعداد التشغيلي في مجال الدفاع.

ووفقًا للمقالة تم إطلاق صندوق الدفاع الأوروبي وفي فبراير 2019، كمحفز لأبحاث الدفاع والابتكار عالي المخاطر في أوروبا. لتعزيز التعاون والتنسيق عبر الحدود بين الدول الأعضاء، وصناعة الدفاع، والمؤسسات الصغيرة والمتوسط، ومراكز البحوث. وكان من المتوقع في البداية أن يكون المبلغ المتاح للصندوق للفترة 2021-2027 هو 13 مليار يورو (14 مليار دولار)، منها 8٪ مخصصة لتقنيات الدفاع المستقبلية التي تستند إلى القدرات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي. بالإضافة إلى تاسيس المديرية العامة لصناعة الدفاع والفضاء في المفوضية الأوروبية في إشارة سياسية على أن المفوضية مستعدة لزيادة كفاءاتها في هذا المجال. إذا تم تنفيذها بنجاح وتم منحه ما يكفي من الاستثمار المالي، لتعزيز خطط الاستثمار المشتركة المربحة في البحث والابتكار في تقنيات الدفاع وتعزيز مكانة الاتحاد الأوروبي القيادية في هذا القطاع الاستراتيجي. 

الأمر الذي يعد هدفًا للسلطة التنفيذية للمفوضية التي تسعى إلى تطوير التقنيات العسكرية المهمة والمساهمة في الاستقلال الذاتي الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي من خلال جعل التعاون الصناعي الدفاعي في إطار ميزانية الاتحاد الأوروبي حقيقة واقعة. في هذا الصدد، تم تحديد أولوية واضحة: لإشراك الدول الأعضاء وصناعة الدفاع الأوروبية في المشاريع المشتركة التي تؤدي إلى قدرات دفاع تنافسية مع نتائج عملية ملموسة في شكل القوات والأصول العسكرية المطورة. 

تحديات دمج الدفاع في الاتحاد الأوروبي

بالرغم من تبني الاتحاد الأوروبي ومؤسساته نهجًا استراتيجيًا جديدًا بداية من 2016، إلا إنه واجه عددًا من التحديات التي مثلت عثرة في مسيرة التعاون الأمني والدفاعي جاء في مقدمتها صعوبة تعريف الاستقلال الاستراتيجي باعتباره مُقدمة لمشروع سياسي أوروبي، علاوة على افتقار الاتحاد الأوروبي للمساءلة والشفافية في المسائل الدفاعية، وتراجع المخصصات المالية المتعلقة بالميزانية الدفاع الأوروبي، وقد تم استعراض أهم ملامح هذه التحديات على النحو التالي:

أولًا: غموض الاستقلال الاستراتيجي

كشفت المقالة أن وباء كورونا أثبت ضرورة قيام الاتحاد الأوروبي بإعادة تقييم دوره كفاعل مؤثر في النظام العالمي، وخاصة في مجالات الصحة والأمن والدفاع بجانب الاقتصاد، كما أن هناك حاجة إلى إدارة أوروبية جماعية متوافقة على مواجهة التحديات المُتنامية بكفاءة وفعالية. ففي الواقع، يجب أن تعكس السياسة الخارجية الأمنية الأوروبية هذا الجهد الجماعي. عندما يصبح الأوروبيون أكثر إدراكًا لنقاط ضعفهم. فقد حان الوقت لأن يكون الاتحاد واضحًا بشأن مصالحه وقيمه المشتركة وأفضل السبل لحمايتها، دون الاعتماد على قوى دولية آخرى؛ حيث يُفهم مفهوم الاستقلال الاستراتجي بشكل عام على أنه القدرة على العمل والتعاون مع الشركاء كلما أمكن ذلك بشكل مستقل عند الضرورة. 

على الرغم من الإشارات المتكررة للاستقلال الاستراتيجي في المناقشات الأوروبية حول الأمن والدفاع، لا يوجد تعريف دقيق ومتفق عليه عالميًا للمصطلح. لذا يمكن تعريف المفهوم على إنه استقلالية تكنولوجية وصناعية للدفاع، أو يمكن تأطيره من حيث الاستقلالية المطلقة، بما في ذلك الاستقلال التشغيلي والدفاع الإقليمي. وقد تم استخدام المفهوم لأول مرة في الكتاب الأبيض الذي أصدرته فرنسا عام 1994 عن الدفاع، كما إنه ارتبط بالطموحات القادة الفرنسين في إطار حشدهم لدعم الوحدة الأوروبية والتكامل الدفاعي، وخاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لذا سيحدد الوقت ما إذا كان الاستقلال الاستراتيجي مازال مفهومًا مفيد للمشروع السياسي الأوروبي الجديد لبناء السيادة بعد مرحلة الوباء أم لا.

ثانيًا: تراجع الشفافية والمساءلة

وفقًا للمقالة يؤكد صندوق الدفاع الأوروبي على حاجة الاتحاد الأوروبي إلى الحصول على أفضل قيمة استراتيجية مقابل المال من خلال تمويل أحدث الابتكارات لتطوير القدرات المتبادلة. لكن بالمثل، يطرح الصندوق أسئلة حول الغموض في إدارة الدفاع والنقاش السياسي العام للإشراف الديمقراطي على جدول أعمال السياسة الدفاعية والأمنية للاتحاد الأوروبي.

إذ يمكن تلخيص قضايا الشفافية والشرعية في تكامل الدفاعي الأوروبي في ثلاثة أسئلة: هل مبادرات الدفاع الأخيرة خاضعة للمساءلة بشكل ديمقراطي؟ هل يخضعون لتدقيق ورقابة برلمانية ذات مغزى مثل البرلمان الأوروبي أو البرلمانات الوطنية؟ وهل سيسهمون في زيادة إنتاج الأسلحة وتصديرها في أوروبا، جميعها قضايا يفتقر الاتحاد إلى منظور موحد بشأنها؟ لذا سيحتاج الاتحاد إلى ضمان أن يكون التكامل الدفاعي خاضعًا للمساءلة بطريقة ديمقراطية. عبر المساءلة المباشرة من خلال انتخابات البرلمان الأوروبي والمسؤولين المنتخبين الوطنيين. والآخر هو المساءلة غير المباشرة عبر نظام تكنوقراطي معقد من الضوابط والتوازنات، والتمثيل غير المباشر، والاحتراف البيروقراطي في مجال سياسة الدفاع، والخبرة المتخصصة.

والأهم أن الاتجاهات الحالية في صنع سياسات الدفاع والأمن في الاتحاد الأوروبي قد خضعت لتدقيق نقدي متزايد من المجتمع المدني وجماعات المناصرة، الأمر الذي أثار مخاوف بشأن الشفافية. وقد لعبت جماعات الضغط القوية التي تقودها االمجمعات الصناعية دورًا مهمًا في تشكيل الأولويات في مجال البحث والتطوير في مجال الأمن والدفاع الأوروبي. 

تراجع مخصصات الدفاع

يُعاني التكامل الدفاعي والأمني من فجوة بين الطموح الأوروبي والإرادة السياسة للدول التي تراجعت وفقًا للمصالح الوطنية، الأمر الذي تجلى في مفاوضات ميزانية الاتحاد الأوروبي 2021-2027التي تخاطر بعرقلة مبادرات الدفاع الأوروبية الرئيسية بشكل لا رجعة فيه؛ حيث تم تخفيض التمويل المقترح للتنقل العسكري بشكل كبير من 6.5 مليار يورو (7 مليار دولار) بموجب اقتراح اللجنة الأولي في مايو 2018 إلى 1.5 مليار يورو (1.6 مليار دولار) بموجب أحدث اقتراح للميزانية في 27 مايو 2020، التي قدمتها اللجنة لتشغيل الانتعاش في أوروبا بعد تفشي جائحة كورونا.

أما بالنسبة لصندوق الدفاع الأوروبي، فبدلاً من 13 مليار يورو (14 مليار دولار) التي اقترحتها المفوضية للفترة 2021-2027 في مايو 2018، شهد الصندوق انخفاضًا إلى 6 مليار يورو (6.6 مليار دولار) في إطار صندوق المفاوضات للرئاسة الفنلندية. وفي سياق المفاوضات جاء أخر اقتراح الميزانية الجديد من قبل المفوضية أن يبلغ  8 مليارات اليورو (8.8 مليار دولار) في 27 مايو 2020. 

وأفادت المقالة بشكل عام، أن محفظة الدفاع الأوروبي لا تفي بالتوقعات الأولية. في هذا السياق، قد يبدو أن شتاء الدفاع الأوروبي موجود بالفعل. إلى جانب الوباء، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التي تعد أحد أكبر المساهمين في ميزانيته. ومع ذلك، يمكن القول إن خروج بريطانيا قد يكون له تأثير إيجابي يُزيد من التعاون الدفاعي في الاتحاد، لأن بريطانيا عارضت تاريخيًا أنماط التكامل الدفاعي عندما كانت عضوًا في الاتحاد الأوروبي. فضلًا عن تأثير تنامي النزعة القومية على سياسات التكامل الدفاعي.

تأثير “كوفيد-19”

من المرجح أن تؤثر الجائحة على ميزانيات الدفاع الوطني، حيث سيتعين على الدول الأعضاء التخفيف من الآثار الاقتصادية للأزمة. مع ضغط الميزانيات العامة، بالإضافة إلى تعرض الحكومات لضغوط معالجة الآثار الصحية والمالية للوباء. ومن المحتمل أن يكون من الصعب إقناع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالمساهمة بشكل كبير في مهام السياسة الدفاعية والأمنية الأوروبية المشتركة الحالية والجديدة إذا كانت هذه العمليات لا تعكس الأولويات والمصالح الوطنية للدول. بجانب تداعيات الإغلاق العالمي المطول على صناعة الدفاع الأوروبية، مما سيؤثر على التصنيع، وسلاسل التوريد، والشركات المعرضة للاستحواذ الأجنبي. 

في هذا الإطار، شدد “جوزيب بوريل” رئيس السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي على ضرورة الحفاظ على المخصصات المالية اللازمة لتمويل مبادرات الأمن والدفاع على سواء في الدول الأعضاء أو على مستوى الاتحاد الأوروبي إبان عقد وزراء الدفاع مؤتمرًا عبر الفيد كونفرانس في 12 مايو 2020.

وفقًا للمقالة يمكن لأزمة الفيروسات التاجية أن تعزز الحاجة إلى تطوير تقنيات التحول الرقمي مزدوج الاستخدام، للاستفادة الكاملة من القدرات الرقمية المُدعمة بالذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال. يمكن لـ صندوق الدفاع الأوروبي أن يركز عليها في المستقبل. وعليه فقد أكدت الجائحة أهمية التضامن الأمني والتعاون البشري للقدرة على الصمود، لا سيما في ظل تفشي الحمائية الوطنية في الدول الأعضاء. 

ختامًا، 

أكدت المقالة إن الاتحاد الأوروبي ليس لديه مخططات جاهزة لسياسة الأمن والدفاع. ولا يزال الاتحاد يواجه معضلات حيوية لكنها حساسة تتجسد في كيفية تعزيز السيادة الأوروبية في الدفاع على الرغم من الالتزامات السياسية والمالية، وكيفية المساعدة في توليد ثقافة استراتيجية مشتركة للاتحاد الأوروبي وسط اختلاف تصورات التهديد الوطني، علاوة على كيفية ضمان الشفافية والمساءلة في مسائل الأمن والدفاع، بالتوازي مع معالجة تبعيات الاعتماد على الولايات المتحدة وإمكانية الاستقلال عنها.

Scroll Up