عزمت الولايات المتحدة على تفعيل قانون قيصر بهدف محاصرة نظام بشار الأسد في سوريا على المستويين السياسي والاقتصادي، وهو ما تلقفته الأوساط اللبنانية وبخاصة حزب الله اللبناني بقلق شديد؛ ويعزو الأمر إلى الترابط الجيوسياسي (السياسي والاقتصادي) الوثيق بين لبنان وسوريا، لذا من الجائز القول إن ما يستقر في سوريا ينسحب بالضرورة على الأوضاع في لبنان. 

وهو ما دفع زعيم حزب الله “حسن نصر الله” إلى التلويح في خطابه المتلفز (16 يونيو 2020) بأن لبنان يعتزم “التوجه شرقًا”، أي عدم حصر البدائل الاقتصادية اللبنانية على الدول الغربية فقط بل الشروع في الارتباط اقتصاديا مع دول مثل إيران وروسيا و”الصين”. خاصة الأخيرة إذ أكد حسن نصر الله أن هناك عددًا من الشركات الصينية تقدمت بعروض استثمارية للحكومة اللبنانية تصل قيمتها إلى 12 مليار دولار أمريكي (حسب ما ذكرته صحيفة الميادين المقربة من حزب الله)، وهو ما يزيد عن الطلب المقدم من الحكومة اللبنانية بقرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 10 مليار دولار، ويزيد عما يؤّمنه مؤتمر سيدر الدولي.

أثارت تلك التصريحات تنبيه عدد من القيادات السياسية في لبنان والتي تمحورت اتجاهات ردود أفعالها بين الهجوم الحاد على تلك التصريحات ووصفها بأنها لا تصف الواقع في لبنان وغير قابلة للتطبيق بل هي للاستهلاك السياسي، وأخرى تضعها في باب الاحتمالات والبدائل التي قد تكون أمام لبنان وتسمح له بفرصة الخروج من المسألة الاقتصادية الملحة.

لذا يُثار السؤال حول الإمكانات الواقعية لتصريحات حسن نصر الله وتداعيات تلك التصريحات على لبنان فيما بعد؟

كيف ترى بكين لبنان؟

يدرك صانع القرار في الحكومة الصينية عند تحليل الوضع في لبنان جملة من الأمور (أولها) هو عدم تطابق الرؤى بين بكين وبيروت حول تشريح الوضع الاقتصادي اللبناني؛ إذ إن المسألة الاقتصادية في لبنان من وجهة نظر بكين تنقسم إلى أولويتين بالترتيب: (1) هي إعادة تأهيل البنية التحتية اللبنانية من أجل جذب الاستثمارات الأجنبية. (2) أما الأولوية التي تليها في الأهمية هي الحاجة للسيولة النقدية من أجل تسيير نفقات الميزانية اللبنانية. وهو ما ظهر في تعليق السفارة الصينية في لبنان على خطاب نصر الله ضمن حديثها: “إن الشركات الصينية تتابع باهتمام فرص التعاون في البنية التحتية للبنان”. ولكن يبدو أن أولويات الحكومة الصينية لا تتطابق في الرؤى مع أولويات الحكومة اللبنانية إذ تسعى بيروت للبحث عن خطط مساعدات وقروض من أجل سد عجز الميزانية، فيما تسعى النخبة اللصيقة بالحكومة اللبنانية دراسة كيفية توزيع الآثار السلبية لعجز الميزانية على جميع الأطراف بالتساوي. وهو ما يمنح بكين انطباعًا سلبيًا بأن بيروت لا تحمل إرادة سياسية توافقية لحل جذور الأزمة الاقتصادية. فتدرك الصين أن عملية إنقاذ اقتصاد لبنان لن تتم من الخارج بقدر ما ستكون من خلال خطة داخلية تعمل على تسهيل المناخ الاستثماري.

(الأمر الثاني) وهو ينصرف على المبادئ الاستراتيجية للصين في إعادة الإعمار، أو الاستثمار في بلد أجنبي، أو الموافقة على انضمام دولة إلى مشروع طريق الحرير: وهو أن تقوم الدولة بوظائفها الأربعة الأساسية؛ أي أن يكون هناك حكومة وطنية تحمل الشرعية، واستقرار أمني يحتكر القوة، واستقرار اجتماعي يضمن عدم تفجر احتجاجات، وحوكمة اقتصادية؛ ذلك من أجل ضمان استدامة الاستثمار الصيني وحصد ثماره. وهو الوضع الذي لا يتطابق بالنظر إلى الأوضاع اللبنانية، إذ لا يشمل لبنان حكومة وطنية تضمن مناخا سياسيًا مستقرًا، كما لا تضمن حكومة لبنان الحالية التوافق والجدية السياسية على قبول ملف الاستثمارات الصينية في لبنان؛ إذ ترى بكين أن ملف الاستثمارات الصينية يصحبه مناخ من الصراع السياسي بين معسكرين سياسيين، الأول محسوب على قاعدة الدول الغربية الرافض للدول الشرقية وهو تيار 14 آذار، ومعسكر سياسي آخر مقاوم للمعسكر الأول وهو تيار 8 آذار.

(الأمر الثالث) هو حقيقة أهمية “ميناء طرابلس” اللبناني لدى الصين. هناك تصريحات صينية رسمية أكدت أن ميناء طرابلس يمكن له أن يكون لؤلؤة مشروع طريق الحرير في منطقة شرق المتوسط (سفير الصين لدى لبنان “وانج كيجيان” يناير 2019). ولكن بالنظر إلى الوقائع ومستجدات الوضع في ميناء طرابلس نجد أن لبنان يشكو ضعف الاستثمارات الصينية في الميناء وتوقف الاتصالات بين البلدين. كذلك بالنظر إلى التوجه الاستراتيجي الصيني بالاستثمار في “الموانئ الخارجية” (أي الموانئ التي ترغب الصين في احتكار إراداتها من أجل سلامة المشروع) نلحظ أن ميناء طرابلس لا يقع على خريطة هذا التوجه وأن مينائي حيفا الإسرائيلي وبيريوس اليوناني هما الميناءان الرئيسان اللذان يقعان على هذا التوجه الصيني، هذا أولا.

أما ثانيا فإن ميناء طرابلس يعد منصة أساسية من أجل التوجه الصيني لإعادة إعمار سوريا، ولكن يبدو أن استمرار الاهتزازات والصدمات السياسية والاقتصادية في سوريا ولبنان خاصة بعد قانون قيصر الأمريكي دفعت صانع القرار الصيني إلى تأجيل ملف إعمار سوريا وتأجيل الاستثمار في ميناء طرابلس.

ما هي أهداف حسن نصر الله؟

يدرك زعيم حزب الله أن ملف الاستثمار الصيني في لبنان هو ملف معقد تتشابك فيه الكثير من الاعتبارات السياسية والاقتصادية على المستويين المحلي والدولي. ولذلك يحكم نصر الله مجموعة من الدوافع التي تصف خطابه الأخير، يمكن تلخيصها في التالي:

(أولًا) تعزيز شعبية المحور الشيعي وترميم صورته الذهنية: ظهر حسن نصر الله في خطابه المتلفز (16 يونيو) على أنه يحمل الهم اللبناني ويسعى في تشبيك المصلحة اللبنانية العامة بمصالح دول أخرى من أجل الخروج من المأزق الاقتصادي. ثم همّ نصر الله بالتأكيد أنه ينتظر دعم الشعب اللبناني ضد أي مسؤول حكومي يعارض المبادرات الهادفة إلى فتح آفاق اقتصادية جديدة. ولكن في حقيقة الأمر يعاني حزب الله من اتجاهات رأي عام سلبية باتت تطيح بشعبية الفصيل في الشارع اللبناني؛ خاصة مع تنامي الدعوات المتمسكة بنزع سلاح حزب الله وغلق الحدود السورية اللبنانية. لذا بات حزب الله مطالبًا بترميم صورته الذهنية لدى الشارع اللبناني بأنه مدافع عن المصلحة اللبنانية، ورفع أسهم تيار 8 آذار على حساب تيار 14 آذار، إذ إنه في حالة نجاح الارتباط الاقتصادي اللبناني بدول الشرق لا يقتصر الأمر على التبعات الاقتصادية فقط، بل ستكون تبعاته انحسار وجود تيار 14 آذار في الحياة السياسية اللبنانية.

(ثانيا) الهدف هو إيران: تبحث إيران عن منافذ اقتصادية تستهدف منها الالتفاف على العقوبات الأمريكية من خلال سياسة المقايضة، وهو ما نجحت طهران في التوصل إليه مع الحكومة العراقية بعد هيكلة الديون والاتفاق على تبديل الطاقة بالسلع والمنتجات الغذائية. لذا يسعى حسن نصر الله على عقد اتفاق مع طهران يضمن مقايضة مصادر الطاقة بالسلع والمنتجات على غرار الاتفاق الإيراني-العراقي. الذي يستهدف منه الالتفاف على استخدام الدولار الأمريكي وبالتالي التحايل على العقوبات الأمريكية. لذا لا يعني نصر الله التوجه شرقًا أي ربط الاقتصاد اللبناني بالصيني بقدر ما هو المقصود تعميق النفوذ الإيراني داخل لبنان عبر البوابة الاقتصادية، ليصبح بذلك نفوذ إيراني على المستوى السياسي والاقتصادي كذلك.

الحصار السياسي الأمريكي على حزب الله في لبنان

تطرق مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط “ديفيد شينكر” في تصريحاته الأخيرة تعقيبًا على خطاب حسن نصر الله (23 يونيو 2020) إلى أن الولايات المتحدة تعتزم أمرين، (1) تطبيق قانون “ماجنيتسكي” لمحاربة الفساد في لبنان. (2) استمرار دعم الولايات المتحدة للجيش اللبناني.

وهو ما يعني أن الولايات المتحدة تعتزم تعديل استراتيجيتها في مواجهة حزب الله في لبنان من خلال محاصرته “سياسيًا” داخل الساحة اللبنانية. ويمكن توضيح هذه الاستراتيجية كالتالي:

(أولًا) تفكيك المحور الداعم لحزب الله في لبنان: إذ خرجت توصيات من لجنة الدراسات الجمهورية لتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية، توصي بتطبيق قوانين مكافحة فساد على الأطراف الداعمة لحزب الله في لبنان، وبالتحديد: صهر الرئيس ميشال عون “جبران باسيل”، ورئيس مجلس النواب “نبيه بري”. وذلك من أجل فك الارتباط بين أهم الداعمين لحزب الله على الساحة السياسية في لبنان، وهو التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل، وحركة أمل الذي يمثلها رئيس البرلمان الحالي “نبيه بري.

لذا من الممكن أن توظف الولايات المتحدة قانون “ماجنيتسكي” باستهداف مسؤولين لبنانيين محددين تربطهم علاقات سياسية مع حزب الله. فيما يبدو أن الولايات المتحدة ستتنازل عن الشروط التقييدية التي قدمها صندوق النقد الدولي للحكومة اللبنانية من أجل منحه القرض المطلوب، وهو ما يعني أن المحاصرة الاقتصادية لم تُجدِ نفعًا لتحييد حزب الله في لبنان.

(ثانيًا) تقوية يد الدولة الأمنية الثقيلة على حساب حزب الله: تستهدف الولايات المتحدة استمرار دعم الجيش اللبناني من أجل ضمان الحفاظ على الاستقرار الأمني للبنان، بدلًا عن الضغط على تفكيك سلاح حزب الله فيعرض لبنان إلى فراغ أمني. وهو ما ظهر جليًا في نجاح الجيش اللبناني في توقيف خمسة عناصر من تنظيم داعش، منهم قيادي بارز. فتحقق بذلك الولايات المتحدة تحقيق الأمن في المنطقة، والتمهيد السياسي لتحييد مبررات حزب الله في حمل السلاح.

ختاما يمكن التأكيد على مجموعة من النقاط، وهي:

  1. أن دعوة حزب الله للتوجه شرقًا هي دعوة سياسية في المقام الأول قبل أن تكون تحت الاعتبار الاقتصادي؛ هدفها هو إثارة انتباه الدول الغربية على رأسها الولايات المتحدة من أجل تخفيف الأعباء الاقتصادية على لبنان.
  2. أنه ربما تضع الصين الاقتصاد اللبناني تحت الدراسة، وخاصة ميناء طرابلس، لكن من المؤكد أن الاهتزازات السياسية والاقتصادية في المنطقة ستدفعها إلى تأجيل الخطوة.
  3. المساعي الحثيثة لحزب الله لإطلاق دعوات سياسية واقتصادية وعسكرية تبرهن على أن وضعه السياسي غير مستقر. أحدث هذه الإشارات هو توثيقه لصواريخ دقيقة.
  4. أن الولايات المتحدة أدركت أن المزيد من الضغط الاقتصادي على لبنان يعني زيادة شعبية حزب الله ونجاحه في تحييد هذا الضغط، لذا تبحث الولايات المتحدة الضغط على حزب الله سياسيًا.
Scroll Up