صرح وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، في مؤتمر صحفي مشترك بأنقرة مع نظيره التركي، مولود تشاووش أوغلو، 15يونيو الجاري، أن “بلاده تدعم الحكومة الشرعية في ليبيا، وهي قادرة على إنهاء الحرب الدائرة”، وأضاف “لدينا وجهات مشتركة مع الجانب التركي بشأن سبل إنهاء الأزمة في ليبيا واليمن”. كما أعلن مستشار المرشد الإيراني للشؤون العسكرية العميد حسين دهقان عبر شبكة “الجزيرة” القطرية، أن “الحديث عن دعم إيراني لقوات الجنرال خليفة حفتر في ليبيا مثير للسخرية”، مؤكدًا أن طهران تدعم حكومة الوفاق الليبية وتدعو لحل سياسي في البلاد. وبتوالي التصريحات الرسمية الإيرانية حول دعمها لحكومة الوفاق، وبروز العديد من صور التنسيق التركي الإيراني في ملفات الصراعات الإقليمية، تتصاعد أهمية البحث في الدور الإيراني الذي تطمح طهران للعبه في الأزمة الليبية، وأبعاد وقيود وتأثيرات هذا الدور على مسارات الأزمة، وهو ما يسعى هذا التقرير لتناوله. 

بين الترقب والتهريب.. الأسلحة الإيرانية في أيدي مليشيات الوفاق

يمثل الصراع الليبي في حالته الراهنة نموذجًا لساحات المعارك المفتوحة التي ترى فيها بعض القوى الإقليمية التي تمتلك مشاريع عابرة للحدود الوطنية فرصةً للتمدد واكتساب أرض جديدة تدعم تحركاتها. وتتسق الرؤية الإيرانية للصراع الليبي مع اتجاهاتها منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979؛ حيث فرصة تدخل الفواعل الخارجيين بالصراعات المحلية، ووجود فصيل إسلامي متشدد على أحد الجبهات المتحاربة، فضلًا عن وجود أطراف دولية حليفة تمارس أدورًا ملموسة في تسيير العمليات العسكرية. وبذلك فإن الأزمة الليبية قريبة -من وجهة النظر الإيرانية- من النماذج الأخرى التي تتحرك فيها أذرعها، ولم تتوان إيران عن محاولة إظهار قدرتها على لعب دور داعم لأحد جبهات الصراع في مراحل سابقة.

وظلت طهران -حتى وقت قريب- غير منخرطة بصورة واضحة في تحولات الصراع الليبي، إلا أن عددًا من الحوادث كشفت وجود نية لدى إيران لممارسة نهجها القائم على دعم الفواعل دون الوطنيين في الصراعات الإقليمية، وهو ما تأكد في أعقاب إعلان حكومة الوفاق الوطني الليبية عن احتجازها للسفينة “شهر الكورد”، 23 إبريل2019، في إطار تطبيق العقوبات الأمريكية على بعض الشركات والأشخاص الإيرانيين، ثم تعقيب مدير الممرات الملاحية الإيراني محمد سعيدي بأن “احتجاز السفينة ادعاء غير صحيح، وأن هناك خلافًا مع الحكومة الليبية وجاري التفاوض لحله، وأن تلك السفينة لم يتم الاستيلاء عليها”.

وبتعقب هذه الواقعة، فقد كشفت تقارير أن السفينة “شهر كورد” كانت تحمل (144) حاوية، وأنها رست قبالة ميناء مصراتة بعد أسبوع من مغادرتها ميناء “بورغاس” البلغاري، ومن قبله كانت ترسو بميناء اللاذقية السوري الذي تتمركز به وحدات الحرس الثوري الإيراني. وأعلن المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسماري، أن “السفينة كانت تنقل بشكل غير قانوني الأسلحة والذخائر لميليشيات الوفاق المنتمية لمدينة مصراتة”. وتأكد ذلك مع اتهام المعارضة للنظام الإيراني بتهريب السلاح إلى ميلشيات الوفاق، حيث تضمنت شحنات السفينة (شهر كرد) صواريخ قصيرة المدى، وأرسلت إيران لاحقًا مستشارين عسكريين إلى طرابلس الليبية لتدريب المليشيات على استخدامها.

البحث الإيراني عن موطئ قدم في خضم تحديات مقيدة

تتصاعد رغبة النظام الإيراني في إيجاد موطئ قدم في الصراع الليبي؛ لأنه يمنحها أوراق ضغط إضافية في مواجهتها مع الولايات المتحدة وأوروبا، ويساعد في خلق الحالة التي ترى طهران فيها فرصة لنشوء نظام مشابهًا لتجربتها، عبر وجود قوى دينية متشددة لديها فرصة الانقضاض على السلطة. ويقربها من حلم تشكيل التحالف الديني المنشود مع دولة في منطقة شمال أفريقيا وجنوب المتوسط، بالإضافة إلى أن ما يجري في ليبيا ينعكس مباشرةً على الميدان السوري مرجحًا سيطرة دمشق -حليفتها- على كامل الأراضي السورية، في ظل انتقال المرتزقة السوريين من مناطق التنظيمات الإرهابية شمال غرب سوريا إلى غرب ليبيا. كما أن تصاعد التهديدات الناشئة عن تجدد القتال في ليبيا يصرف الانتباه -ولو قليلًا- عن الملف النووي الإيراني وغيره من تحركات طهران الإقليمية.

وتتفق الرؤية الإيرانية ومنهج تعاطيها والصراعات الإقليمية مع آليات ومسارات الدعم التركي لمليشيات الوفاق والتنظيمات الإرهابية غرب ليبيا، ومع الروابط المتأصلة في محور (طهران-الدوحة-أنقرة) يبدو أن تحركات أردوغان في ليبيا تدور في ذات الفلك الذي ترغب الدول الثلاثة لتطبيقه، على اختلاف مشروع كل منها منفردةً، وهو ما يُرجح أن يكون الدور الإيراني المباشر في مسار الصراع الليبي أمر غير ممكن في التوقيت الراهن، ولكنها ترى أن التحركات التركية-القطرية تقود لذات أهدافها المرحلية في غرب ليبيا من تمكين مليشيات دينية وأطراف غير نظامية، وتأجيج الصراع لتشتيت التركيز الإقليمي والدولي عنها. 

إلا أن إيران تواجه العديد من العقبات أمام لعبها دورًا أكبر في ليبيا، ومن ضمنها البُعد الجغرافي عن الأراضي الليبية، ما يحد من فاعلية تحركاتها إذا ما رغبت في المزيد من التأثير، كذلك ما تمثله ليبيا من مجال حيوي لدول عربية وأوروبية منخرطة بشكل أو بآخر في مجريات الأزمة ولن تسمح لطهران بالتحرك فيها، وعلى رأسها مصر والسعودية والإمارات وفرنسا ودول المغرب العربي. كما تحول محدودية القدرات الاقتصادية والعقوبات الأمريكية دون تحرك إيران في هذا الملف بشكل كبير، لاسيما مع دخول موسكو كطرف دولي بالصراع يسعى لذات الأهداف الإيرانية المتمثلة في الوصول غلى مياه المتوسط عبر الانخراط في أزماته بشكل أكبر. وفي ضوء خبرتها من الصراع السوري، ترى طهران أن موسكو لن تمنحها فرصة منافستها على هذا الهدف بسهولة، وبالخصوص مع انخراطها في المعسكر المناوئ لأهدافها.

ومما سبق، قد نرى فيما هو قادم دورًا إيرانيًا متصاعدًا داعمًا لمعسكر حكومة الوفاق والمليشيات الموالية لها، لاسيما مع محاولات الإفلات الإيراني من قبضة قانون “قيصر” الأمريكي، وتمسك طهران بالتفاهمات الجارية مع أنقرة في ملفات أخرى ترتبط بمواجهة حزب العمال الكردستاني في العراق ودعم الحوثيين باليمن، كذلك توظيف الجماعات الدينية المتطرفة لتشكيل نواة لوكيل إيراني بشمال أفريقيا، وهي فرصة طالما بحثت عنها إيران فيما مضى. وبشكل عام، فإن هذا التدخل الإيراني أمر ليس من مصلحة معسكر غرب ليبيا وسيفقده الكثير من الدعم الخارجي، ولكن إذا ما تزايدت وتيرة الانخراط الإيراني، وهو أمر غير مُرجح بالمستقبل القريب، فإن ليبيا ستتجه لتكون ساحة للمواجهة الأمريكية الإيرانية ومواجهات إقليمية أخرى قد لا تتمكن الدولة المأزومة منذ 2011 من تجاوز تبعاتها، وقد يدفعها للانزلاق نحو منحدر التقسيم والتفكك، وسيصبح الأمن الأوروبي في مرمى وكيل إيراني لم تكن تتوقع ظهوره بهذه السرعة.

وبالنهاية، يمكن القول إن التحرك الإيراني للانخراط بالصراع الليبي بشكل أوضح، بعيدًا عن التسلل الذي انتهجته من قبل، يؤشر على تحول في السياسات الإيرانية نحو تمثيل موقف إيران كفاعل يتحرك في إطار الهيكل الدولي، وهي خطوة لإعادة تقديم ذاتها للمجتمع الدولي بشكل جديد مؤيد للقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، وتحاشي المواجهة المباشرة مع المحور العربي الرافض لتدخلاتها وأنشطتها بالمنطقة، وهي من ضمن التوصيات التي قدمتها بعض المراكز البحثية الإيرانية لصانع القرار حول آليات التعاطي الإيراني المُثلى تجاه الأزمة الليبية. وبكل الأحوال فإن تحييد هذا الدور الإيراني، والدور التركي القطري الممهد لتنفيذه، ذو أهمية بالغة للدول الرافضة للمشروع الإيراني وسياسة خلق الوكلاء بالصراعات الإقليمية، وهو يحتاج إلى تنسيق واسع بين دول الجوار الليبي والدول التي ستتأثر بشكل مباشر من هذا التموضع الإيراني جنوب المتوسط. 

Scroll Up