استضافت العاصمة الألمانية “برلين” مؤتمر المانحين وشركاء السودان، في 25 يونيو الجاري لمدة يوم واحد، وبمشاركة رئيس الوزراء السوداني “عبد الله حمدوك”، ومجموعة من المنظمات الدولية والإقليمية تأتي في مقدمتهم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية وهيئة “إيجاد”، وممثلين عن مجموعة من المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومصرف التنمية الإفريقي، علاوة على حضور ما يقرب من 50 دولة.

  ركز المؤتمر الذي عقد عبر تقنية الفيديو كونفرانس على دعم التحول الديمقراطي والتعافي الاقتصادي، وتخفيف حدة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية لجائحة الفيروس التاجي “كوفيد-19”. وعليه فقد حصلت السودان على تعهدات بما يقرب من ملياري دولار مساعدات، منها 150 مليون يورو من ألمانيا. 

وفي ختام المؤتمر أكد وزير الخارجية “هايكو ماس” أن “المؤتمر يفتح فصلاً جديدًا من التعاون بين السودان والمجتمع الدولي لإعادة بناء الدولة السودانية”. وجاء المؤتمر بعد أن قامت برلين برفع الحظر المفروض على الاستثمار في الخرطوم في فبراير 2020. 

يذكر، إن المؤتمر لم يكن المؤتمر الأول الذي تستضيفه برلين لدعم أزمات الشرق الأوسط؛ إذ سبقه مؤتمر دعم ليبيا في يناير 2020، بحضور طرفي الصراع الليبي، ومُمثلين لعدد من المنظمات الدولية والإقليمية بجانب مشاركة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي. لتسوية الصراع بين الفرقاء الليبيين تجنبًا لاستمرار حالة الفوضى وعدم الحسم العسكري للصراع حول العاصمة طرابلس، وتحول ليبيا إلى النموذج السوري، الأمر الذي يعد تحولاً في توجها نحو ليبيا فمنذ 2011 امتنعت عن التدخل في الأزمة بشكل مباشر، كما رفضت التدخل العسكري لتسوية الأزمة. 

فضلاً عن استضافتها المؤتمر الدولي للاجئين في أكتوبر 2014، في إطار الجهود الألمانية لدعم ومساعدة اللاجئين؛ حيث أعلن وزير خارجيتها السابق ” فرانك فالتر شتاينماير” أن بلاده ستوفر مساعدات مالية إضافية للاجئين السوريين تقدر بـ 500 مليون يورو.  الأمر الذي يدفعنا إلى التطرق إلى أنماط السياسة الألمانية تجاه أبرز أزمات الشرق الأوسط، علاوة على إلقاء الضوء على دوافع التحرك الألماني لدعم هذه الدول التي عانت خلال العقد الحالي من عدد من التحولات الداخلية والخارجية المتلاحقة. 

أنماط التوجه الألماني نحو أزمات المنطقة 

أصبحت برلين من أهم الفاعلين الدوليين في إدارة عدد من الأزمات الدولية سياسيًا، كما إنها تدعم استقرار النظام العالمي من خلال تنامي جهودها في على الصعيد الإنساني والتنموي بعيدًا عن التحرك العسكري لتصدي للتهديدات المتلاحقة التي من الممكن أن تقوض الأمن والسلم العالمي، تجلى ذلك في توجهها نحو فلسطين وليبيا وسوريا واليمن والسودان من خلال عدد الآليات تتجسد على النحو التالي:  

  1. دعم السلام المستدام؛ تمثل برلين من أكبر الدول المانحة لفلسطين؛ حيث تساهم فيما يقدمه الاتحاد الأوروبي من مساعدات بنسبة 20%. وتسعى برلين إلى تسوية القضية من خلال حل الدولتين، والعمل على فتح قنوات للمحادثات والمفاوضات الداعمة لإحلال السلام العادل والشامل. كما شاركت في تحليل تقرير اللجنة الرباعية الصادر في يوليو 2016، الخاص بالتهديدات التي تواجه حل الدولتين التي تتجسد في تزايد العنف والتحريض عليه، وسياسة الاستيطان، وتفاقم الوضع الإنساني في غزة. وتؤمن برلين أن التفاوض حول حل الدولتين هو أساس الاستقرار في المنطقة. فيما يتعلق بعمليات الضم الجديدة لأجزاء من الضفة الغربية فقد أوضح وزير الخارجية “ماس” عن “قلقه الشديد” من التداعيات المستقبلية لهذه الخطوة، وذلك خلال زيارته لإسرائيل في 10 يونيو 2020، التي تعد الزيارة الأولى لمسئول أجنبي منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية.   
  2. الالتزام بالحل السياسي؛ تدعم برلين الحل لسياسي في مناطق الصراعات وخاصة في اليمن وليبيا وسوريا، علاوة على مساندة المبعوثين الأمميين تمهيدًا لإعادة الاستقرار دول المنطقة، باعتبار أن سبل التسوية السلمية هي البديل لإعادة بناء الدول في المنطقة، بالإضافة إلى حثها جميع أطراف الصراع إلى حماية المدنيين، تجنبًا لتفاقم الأوضاع الإنسانية، وزيادة موجات الهجرة غير الشرعية. تجلى ذلك في دعمها لجهود الحكومة العراقية في عمليات الإصلاح لمنع عودة “داعش” مرة أخرى للمناطق التي تحررت من سيطرته. وفي ليبيا دعمت التوافق السياسي بين طرفي الصراع تمهيدًا لتسوية السياسية بين الجانبين. وفي السودان أيدت برلين الانتقال الديمقراطي، داعمة الحكومة الجديدة، كما يعد “ماس” أول وزير أوروبي يزور السودان بعد الإطاحة بالنظام السابق لمتابعة الحراك السوداني خوفًا من خروج الأوضاع عن السيطرة، علاوة على إدانته للعنف المفرط تجاه المعتصمين من قبل قوات الأمن السودانية، داعيًا الوقف الفوري للعنف. وفي سوريا سعت إلى إجراء حوارات مكثفة مع الفاعلين الدوليين مثل روسيا لمنع استخدام النظام للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، مع إمكانية التوصل إلى تسوية سلمية للأوضاع، مع إبداء استعادها لاستقبال عدد من اللاجئين السوريين وفقًا للعدد من الشروط، بجانب إجراء محادثات مع مصر لتضافر الجهود من أجل تسوية سلمية في سوريا وليبيا.
  3. مكافحة الإرهاب؛ شاركت ألمانيا في التحالف ضد “داعش”، تضامنًا مع فرنسا عقب تعرضها للاعتداءات الإرهابية في 2015؛ حيث ساعدت في عمليات الاستطلاع الجوي، ومساندة تدريب القوات العراقية المركزية لكيفية التعامل مع الأسلحة الكيماوية، والنووية والبيولوجية، بجانب قوات من البشمركة الكردية. مع وإعلان هزيمة “داعش”، وقد أعربت وزيرة الدفاع الألمانية عن أهمية استمرار الجهود الدولية للقضاء عليها بشكل نهائي، وذلك إبان زيارتها للقاعدة العسكرية الألمانية في الأردن “قاعدة الأزرق” في سبتمبر 2018، التي تتكون من 290 ضابط، وجندي، وطائرة لتزويد المقاتلات بالوقود جوًا، وأربع طائرات استطلاع. 
  4. تخفيف حدة الحرب؛ نشطت جهود الإغاثة الألمانية لدعم المتضررين من الحرب السورية، من خلال تمويل ما يقرب من 70 مشروعًا للاجئين السوريين في داخل سوريا أو في دول الجوار. كما دعمت برلين الجسر الجوي عام 2016 الذي أقامه برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بما يقرب من 10 مليون يورو، للمساهمة في إمداد المساعدات الإنسانية وسلع غذائية إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها في سوريا. بجانب التزامها بتحقيق الاستقرار في المناطق المحررة مثل محافظتي دير الزور والرقة، من خلال إعادة توفير الخدمات الأساسية لهم. كما تشترك في رئاسة مجموعة العمل المعنية بتحقيق الاستقرار التابعة للتحالف الدولي، لتنسيق المساعدات مع الفاعلين الدوليين. وفي اليمن قدمت مساعدات إنسانية في عام 2018 ما يقرب من 125 مليون يورو. كما قدمت مع عدد من المنظمات الإنسانية إعانات للسكان المتضررين في ليبيا ما يقرب من 10.5 مليون يورو في 2018. 

المتغيرات الدولية الداعمة للتحرك الألماني في المنطقة

جاء التحرك الألماني تجاه أزمات منطقة الشرق الأوسط، مدفوعًا بعدد من الدوافع والمتغيرات الدولية التي توافقت مع المصالح الألمانية وتجسدت على النحو التالي: 

  1. تعزيز مكانتها الدولية؛ تسعى برلين لأن تكون فاعلًا دوليًا في بعض القضايا، الأمر الذي يعزز من مكانتها الإقليمية والدولية، في ظل التنافس الأوروبي على مناطق النفوذ غير التقليدية في الشرق الأوسط. فقد أصبحت المنطقة ميدان للتنافس بين القوى الدولية، التي تحاول خلق موطئ قدم لها، يمكن أن توظيفه لخدمة مصالحها وخاصة في مرحلة إعادة الإعمار من خلال زيادة الاستثمارات في قطاع البنية التحتية. 
  2. تفاقم الأوضاع الإنسانية؛ تتخوف برلين من استمرار حالة الفوضى وعدم الاستقرار في بعض المناطق بدون تسوية سياسية سلمية تمهد لعودة توحيد الدول، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة عدد الذي يعتمدون على المساعدات الإغاثية، فضلاً عن تنامي عدد الأطفال الذين يعانون من خطر المجاعات والعنف، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة حالة النزوح والهجرة غير الشرعية. 
  3. مواجهة التحول الأمريكي؛ شهد الإقليم الأوروبي تحولًا استراتيجيًا منذ تولي الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”؛ حيث أصبحت أوروبا في مرمى التنافس الأمريكي مع دول العالم مثل الصين وروسيا وتركيا، بجانب تهديده لهم باستمرار حول تكاليف الأمن الأوروبي، وضرورة زيادة مخصصات الدفاع الأمر الذي دفع برلين إلى الإعلان عن زيادة مخصصاتها بحلول 2024 بنسبة 2%، استجابة للتهديدات المتنامية. علاوة على دعوته للأوروبيين لاستقبال المقاتلين الأجانب المنتميين إلى “داعش”، المتواجدين تحت سيطرة القوات الأميركية، مُهددًا بإطلاق سراحهم على حدود أوروبا إذا لم تبادر أي من الدول في استعادتهم. بجانب إعلان “ترامب” تقليص عدد القوات الأمريكية المتواجدة في ألمانيا. في المقابل ردت برلين لا يمكنها استعادتهم إلا إذا سُمح لهم بزيارات قنصلية لتسوية أوضاعهم، كما أن العراق أبدت اهتمامها بمحاكمتهم، ولكن في سوريا “لن تتمكن الحكومة الألمانية القيام بواجباتها القانونية والقنصلية تجاه المواطنين الألمان المسجونين بسبب استمرار الصراع الداخلي”. 
  4. التصدي للابتزاز التركي؛ ترغب ألمانيا في مواجهة التمدد بعض الفاعلين الدوليين في مناطق الصراعات مستغلة حالة الفوضى لكي توظفها كورقة ضغط عليها مثل تركيا التي تسعى دائمًا إلى ابتزاز الدول الأوروبية بورقة اللاجئين، علاوة على تهديدها لهم بفتح الحدود أمامهم الأمر الذي دفعها لإدانة الغزو التركي لشمال سوريا، وطرحها لمبادة تدويل المنطقة الآمنة في شمال سوريا. لتصدي لطموح أنقرة في السيطرة على الشمال السوري.  وفي ليبيا فقد دعت إلى وقف التدخلات الخارجية، واحترام قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بحظر السلاح.
  5. تقليل موجات الهجرة؛ تسعى برلين إلى صياغة مفهوم للعولمة بشكل عادل ومستدام في الوقت الذي تواجه برلين عدد من التحديدات المتنامية على الصعيد الداخلي والخارجي منها تدفق موجات الهجرة؛ حيث واجهة ما يقرب من 800 ألف مهاجر في عام 2015، جاء غالبيتهم من مناطق النزاعات والصراعات المسلحة فارين من الموت وخاصة من سوريا، مما دفعها إلى التحرك لدرء المخاطر الناجمة عن تنامي أعداد المهاجرين من خلال التوافق مع بعض الشركاء الأوروبيين حول سياسة التقاسم العادل، وفي هذا السياق بدأت في زيادة مساعداتها الإنسانية إلى هذه الدول لاعتزامهم عودة طالبي اللجوء إذا أمكن الوضع.
  6. القضاء على تنظيم “داعش”؛ مع إعلان هزيمة تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، وتحرير أجزاء كبيرة من المناطق التي سيطر عليها التنظيم. بدأت ألمانيا في إعادة تأهيلها للحياة مرة ثانية من خلال توفير الخدمات الأساسية، وتحسين وضع الحياة اليومية للناس. للحيلولة دون استعادة داعش لقوتها من جديد. ويرجع لذلك لإيمان القيادة الألمانية من توفير سبل الحياة الآمنة للمواطنين ستساهم في العودة التلقائية للنازحين والمهاجرين بشكل عام. 

إجمالًا؛ رغم أن السياسة الخارجية الألمانية اتخذت عددًا من المسارات في توجهها نحو بعض الملفات المهمة في المنطقة إلا إنها كانت ذات تأثير محدود، لم يرق إلى حد التدخل العسكري أو اتخاذ موقف متشدد منذ بداية الأحداث، فقد اعتمدت على نهج الترقب والحذر في التعاطي الأولي للأحداث. ومع تنامي المتغيرات المتلاحقة على الصعيد الإقليمي والدولي التي أثرت على مصالحها الوطنية، ومناطق نفوذها على ضفتي البحر المتوسط، بدأت في اتخاذ بعض الإجراءات الواضحة للتصدي تتمثل الحوار بدلاً من المواجهة العسكرية.  

Scroll Up