أدت ثورة 30 يونيو التي شارك فيها ملايين المصريين إلى إزاحة جماعة الإخوان المسلمين عن حكم مصر والمشهد السياسي برمته، وبدًلا من أن تحترم الجماعة قرار الشعب المصري وتنزوي بعيدًا عن الأنظار وتعود لصفوف المجتمع، اختارت طريق الدم والإرهاب الذي احترفت ممارسته منذ أربعينيات القرن الماضي، لمعاقبة المصريين على قرارهم وللأنتقام من القوات المسلحة والشرطة على انحيازهما لرغبة الشعب وحماية قراره. 

محطات الإرهاب بعد 30 يونيو

شهد الأسبوعين الذين أعقبا الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين 39 هجومًا إرهابيًا في شمال سيناء وحدها، إذ استهدفت المقرات والكمائن والارتكازات الأمنية بمدن العريش والشيخ زويد في هجمات يومية، ولم تستهدف تلك العمليات العسكريين فقط، وإنما طالت المدنيين أيضًا، وأستهدف أوتوبيس مخصص لنقل عمال شركة أسمنت العريش في 15 يوليو وهو ما أدى إلى وفاة 5 أشخاص وإصابة 15 آخرين. 

وتعد تصريحات القيادي الإخواني محمد البلتاجي في 8 يوليو 2013 بأن ما يحدث في سيناء سيتوقف في اللحظة التي سيتراجع فيها الجيش عما وصفه بالانقلاب وعودة مرسي إلى مهامه، اعترافًا ضمنيًا بمسؤولية جماعته عن تلك العمليات الإرهابية فيما مضى من عمليات وفيما هو أت منها. 

واستمرت الهجمات خلال عام 2013 وكان أبرزها استشهاد 25 من رجال الشرطة في 15 أغسطس، عندما هاجمت الجماعات الإرهابية حافلتهم وأجبروهم على الاستلقاء على الأرض وأطلقوا عليهم النار، ثم تفجير مديرية أمن الدقهلية في 24 ديسمبر من نفس العام وأسفر عن استشهاد 16 وإصابة 134 آخرين.

وفي عام 2014 زادت وتيرة الهجمات الإرهابية وبلغ عددها 222 عملية، كان أبرزها هجوم تنظيم أنصار بيت المقدس على كمين كرم القواديس وأسفر عن استشهاد 30 جندي، وتفجير حافلة سياحية بواسطة انتحاري في مدينة طابا وأسفرت عن وفاة 4 بينهم سائق مصري وإصابة 17 آخرين. 

وأما عام 2015 فقد شهد طفرة في عدد العمليات الإرهابية التي وصلت إلى 594 عملية، كان من أبرزها هجوم 1 يوليو والذي يعد ملحمة سطرها أبطال القوات المسلحة، إذ كان هو الهجوم الأكبر والأعنف على قوات الجيش منذ ظهور الإرهاب في سيناء وحتى الآن، وأفشلت الخطة الأمنية المحكمة ومهارة المقاتلين المصريين خطط التنظيم للسيطرة على الشيخ زويد، وتكبدوا خسائر فادحة كانت نقطة تحول في مواجهة مصر مع الإرهاب. 

وأدت المجابهة العسكرية والأمنية وتحديًدا بعد هجوم 1 يوليو إلى قصم ظهر تنظيم ولاية سيناء  بعد أن ظن أنه قد يستطيع السيطرة على مفاصل المدينة ولو لساعات قليلة، تراجعت العمليات الإرهابية في عام 2016  إلى 199 عملية، فى حين لم تتجاوز50 عملية إرهابية فى 2017 كان ابرزها الهجوم الدموي على مسجد الروضة ببئر العبد، والذي أسفر عن  استشهاد 305 بينهم أطفال وإصابة 128 آخرين وجميعهم من المدنيين. 

وخلال عام 2018 شهد 8 عمليات عام ٢٠١٩ لم تشهد مصر سوى عمليتين إرهابيتين وهما تفجير معهد الأورام الذى أدى لاستشهاد ١٩ شخصًا وإصابة ٣٠ آخرون، والتفجير الانتحارى الذى وقع بمنطقة الدرب الأحمر وكان خلال مطاردة أمنية، ما أسفر عن استشهاد ٣ من رجال الشرطة بينهم المقدم رامي هلال بقطاع الأمن الوطني.

استراتيجية الجماعات الإرهابية في تلك الفترة

يُلاحظ أن تلك الموجة الإرهابية اتسمت  بثلاثة أنواع من أساليب الحرب غير المتناظرة، والتي تعد من أصعب الأساليب التي تمثل تحديًا للأجهزة الأمنية في مواجهتها، الأسلوب الأول “إرهاب المدن”، ويقوم على ضرب أهداف مدنية أو عسكرية داخل المدن باستخدام العبوات الناسفة والسيارات المفخخة والأفراد الانتحاريين وعمليات الاغتيال، وهذا الأسلوب استخدم في العمليات التي نفذتها في  مدن الوادي والدلتا.

والأسلوب الثاني “حرب العصابات”، ويقوم على عمليات الكر والفر على أهداف عسكرية مع محاولة السيطرة على الأرض لفترة محدودة بتشكيلات قليلة العدد وخفيفة التسليح، وتجنب مواجهة مباشرة طويلة أو متوسطة المدى مع القوات النظامية وهذا الأسلوب تم استخدامه في هجوم كرم القواديس على سبيل المثال.

والأسلوب الثالث “الاستمساك بالأرض”، ويقوم على خليط من المدفعية الثقيلة والخفيفة والقذائف الصاروخية الموجهة وعناصر القناصة، لتأمين تقدم أو انسحاب تشكيلات مشاة من عشرات أو مئات المسلحين للسيطرة على مساحة من الأرض لفترة زمنية بهدف فرض السيطرة وعزل المكان المستهدف، وهذا التكتيك تم استخدامه في هجوم 1 يوليو في الشيخ زويد. 

وأسست جماعة الإخوان الإرهابية عدة تنظيمات إرهابية مثال (حسم – لواء الثورة –  أجناد مصر – سواعد مصر) وعدد من الخلايا العنقودية، قامت بعدد من عمليات التفجير داخل المدن، بجانب القيام بعمليات إغتيال رجال القضاء، وكان أبرزها استهداف موكب النائب العام الراحل هشام بركات، بجانب قيادات عسكرية بالجيش أبرزها استهداف العميد عادل رجائي، وبعض الشخصيات العامة كمحاولة أغتيال الشيخ علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق.

ولم تكن العمليات الإرهابية تتم تجاه الأهداف العسكرية أو الأمنية فقط، وإنما طالت شبكات الكهرباء والبنية التحتية للاقتصاد، إذ تم تفجير وتدمير 215 برج ضغط عال، و510 أكشاك ومحول كهرباء على مستوى الجمهورية، بخسائر بلغت أكثر من 2 مليار جنيه خلال عامي 2014 و 2015 فقط، بجانب الخسائر الناتجة عن توقف العديد من الأنشطة الإنتاجية والمصانع بسبب انقطاع الكهرباء.

وتوزعت الأعمال الإرهابية جغرافيا في تلك الفترة ما بين شمال سيناء التي جاءت في المقدمة، ثم تلاها القاهرة والجيزة والإسكندرية والفيوم والمنيا والشرقية

استراتيجية أمنية رادعة تقصم ظهر الإرهاب

نجحت العملية العسكرية الشاملة (سيناء 2018) ، فى  تدمير البنية التحتية للعناصر الإرهابية من الأوكار والخنادق والأنفاق ومخازن الأسلحة والذخائر والعبوات الناسفة والاحتياجات الإدارية والمراكز الإعلامية ومراكز الإرسال، واكتشاف وضبط وتدمير أعداد كبيرة من العربات والدراجات النارية وكميات كبيرة من المواد المتفجرة، والأسلحة، والذخائر، والقنابل، وقتل واعتقال المئات من العناصر المنتمية لتلك الجماعات، ولم تكن العملية (سيناء 2018) مقتصرة على سيناء فقط وإنما شملت المحاور الإستراتيجية الثلاث الشرقية والغربية والجنوبية.

وبالإضافة إلى ضرب البنية التحتية للتنظيمات الإرهابية فقد تكمنت القوات المسلحة من استهداف عدد كبير من قيادات الصف الأول والثاني بتنظيم ولاية سيناء وفي مقدمتهم  قائد التنظيم أبو أسامة المصري وخيرت سامي السبكي المسئول الاداري، والإرهابي محمد جمال المسؤول الإعلامي، والإرهابي إسلام وئام مسؤول جهاز الحسبة، وهو ما مثل ضربة قاتلة للتنظيم، هذا بالإضافة إلى تجفيف منابع التمويل المادي واللوجيستي بشمال سيناء. 

كما قام قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية بشن العديد من الضربات الأمنية الاستباقية وتصفية عدد من البؤر والأوكار الإرهابية، وقامت تلك الضربات على كفاءة عالية في التتبع والملاحقة وجمع المعلومات، وكان أخرها المداهمة الأمنية في 14 إبريل الماضي بحي “الأميرية” واستهدفت خلية إرهابية كانت تخطط لعدة عمليات.

وأسفرت الجهود الأمنية الضخمة التي قامت بها مصر عن خروج مصر من قائمة الدول العشر الأكثر تأثرا بالإرهاب، في التقرير الصادر عن مركز “السلام والاقتصاد” العالمي للدراسات، وحلت مصر في المرتبة الحادية عشر لعام 2018، بينما كانت التاسعة في التقرير الصادر عن عام 2017، والرابعة عام 2014.

استراتيجية  وطنية متكاملة

في منتصف عام 2017 أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي عن تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف، وسيختص المجلس بصياغة استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة كل أشكال الإرهاب والتطرف واتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذها، ويضم المجلس مسؤولين حكوميين وأمنيين وقادة دينيين وسيكون له الصلاحية الكاملة لوضع الإطار القانوني والديني والإعلامي في مكافحة الإرهاب والتطرف على الصعيد الوطني، بالإضافة إلى قتراح آليات وإجراءات أمنية وقانونية جديدة لمتابعة تنفيذ تلك الأطر.

وسيعاون المجلس لجان دائمة تضم شخصيات عامة وخبراء في جميع المجالات في تحليل ودراسة التنظيمات الإرهابية، ومتابعة ورصد نشاطها، إضافة إلى تنسيق الدعم لأسر ضحايا العمليات الإرهابية. 

وعلى المستوى التشريعي، فقد صدر خلال السنوات الماضية حزمة من التشريعات القانونية لمحاربة ومكافحة الإرهاب، وفي مقدمتها قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، وقانون تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية والإرهابيين رقم 8 لسنة 2015

وفي عام  2017 تم ادخال تعديلات على القانونيين السابقين، بصدور القانون رقم 11 لسنة 2017 بتعديل بعض احكام قانون مكافحة الإرهاب وقانون تنظيم قوائم الكيانات الارهابية والارهابيين.

وفي عام 2018 أصدر قانون رقم 22 لسنة 2018 بتنظيم إجراءات التحفظ والحصر والإدارة والتصرف فى أموال الجماعات الإرهابية والإرهابيين، وفي مارس الماضي ادخلت تعديلات على قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، بالإضافة قانوني العقوبات ومكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002.

المواجهة الفكرية أحد اوجه الاستراتيجية المصرية

تضمنت الإستراتيجية المصرية لمواجهة الإرهاب والتطرف، تكليف المؤسسات الدينية المصرية ممثلة في كل من الأزهر الشريف ودار الإفتاء بدور رئيسي في التصدي للفكر المتطرف، وذلك عبر عدد من المبادرات التي تهدف إلي تعميم ونشر الرسائل الدينية السمحة المعتدلة، وإنشاء مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة  وتفكيك البنية الفكرية التي تقوم عليها التنظيمات الإرهابية، ودحض المحتوى المتطرف الذي تروج له هذه الجماعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص.

وحظى هذا الجهد الذي تقوم به المنابر الدينية المصرية المعتدلة بتقدير كبير علي المستوى الدولي، لما تتمتع به المؤسسات الدينية المصرية من سمعة دولية مرموقة، ومصداقية كبيرة بين جموع المسلمين حول العالم.

الشباب محور اهتمام الدولة للحماية من الإرهاب

في إطار الأهتمام الذي توليه القيادة السياسية للشباب، فقد أحتل الشباب قطاعًا كبيرًا من جهود الدولة لحمايتهم من مخاطر الإرهاب كونهم القوام الأساسي لأي تنظيم إرهابي، وانطلاقا من هذا تضمنت النسخة الثامنة من المؤتمر الوطني للشباب في سبتمبر الماضي، جلسة رئيسية تحت عنوان “تقييم تجربة مكافحة الإرهاب محليا وإقليميا”، تضمنت استعراض تطور الإرهاب بالمنطقة ومناقشة عودة إرهاب تنظيم داعش، ومدى تأثير الإرهاب على مصر والتكتيكات الإرهابية الجديدة التي تواجهها. 

لشرح الرؤية المصرية في مكافحة الإرهاب التي تنطلق من موقف راسخ وثابت تتبناه الدولة المصرية بأن التنظيمات الإرهابية علي اختلافها تمثل تهديدا متساويا، وأنها تنهل أفكارها من ذات المعين الفكري الذي يحض علي العنف والقتل وترويع الآمنين.

ولم يقتصر الأمر على المؤتمر الوطني للشباب، وامتد إلى منتدى شباب العالم في نسخته الأخيرة بشرم الشيخ بحضور 3 الاف شاب وفتاة من جميع أنحاء العالم، فقد تم تنظيم ورشة عمل على هامش المؤتمر ضمت العديد من شباب مصر والعالم بهدف الوصول إلى رؤية شبابية للتعامل مع التحديات وعلى رأسها الإرهاب.

كما خصصت جلسة تحت عنوان “التحديات الراهنة للأمن والسلم الدوليين” وعرض خلالها فيلمًا تسجيليًا حول التحديات الراهنة للأمن والسلم والدوليبن مثل قضايا الإرهاب ، و الهجرة غير الشرعية ، والذئاب المنفردة، والكيانات الإرهابية، وتحدث الرئيس خلال الجلسة عن الإرهاب والدول الداعمة له.

Scroll Up