لم تكن ثورة 30 يونيو 2013 مفاجأة فقط للقوى المارقة في الداخل (جماعة الإخوان وداعموها)، وإنما لقوى الخارج أيضا خاصة الولايات المتحدة، فعلى الرغم من أن تراجع شرعية النظام الإخواني كانت واضحة، إلا إن المفاجأة شكلت ارتباكا في الموقف الأمريكي الذي لم يتخيل أن الحلفاء الجدد ستتم إطاحتهم إثر ثورة شعبية بعد عام واحد من الحكم. وسيطرت حالة من التخبط والتردد تقاطعت وتشابكت فيها العلاقات سلباً وإيجاباً ما بين تهديدات بالعقوبات وقطع المعونة ووقف المناورات العسكرية. ولكن صمود دولة 30 يونيو أمام تلك التهديدات، كان له بالغ الأثر في تزحزح موقف الإدارة الأمريكية تدريجيا، وتأييدها للوضع الجديد في مصر، وإعلان دعم الولايات المتحدة للطموحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشعب المصري واحترام حقوقه.

لا يمكن فصل الاستراتيجية الأمريكية تجاه مصر خلال الفترة من 25 يناير 2011 وحتى ثورة 30 يونيو، عن الرؤية التي تبنتها إدارة أوباما تجاه الشرق الأوسط، والتي استندت أولاً على التحالف مع تيار الإسلام السياسي مثل حزب “العدالة والتنمية” في تركيا، وجماعة الإخوان المسلمين بمصر. وكانت الإدارة الأمريكية مدفوعة في هذا التحالف بتصور أن الإسلاميين يمكن أن يساهموا في التحول الديمقراطي، وتحسين الظروف المعيشية بدول المنطقة. وعكفت إدارة أوباما إلى تنفيذ استراتيجيتها في مصر من خلال:

  • المنظمات والجمعيات الإسلامية الموجودة بالولايات المتحدة والمرتبطة بالجماعة، وشباب الجماعة من أبناء الجيل الثاني والثالث، الذين هاجرو في الخمسينات والستينات إلى الولايات المتحدة.
  • قيام السفارة الأمريكية والمسئولين الأمريكيين بعقد اجتماعات مع قيادات الجماعة وحزب “الحرية والعدالة” وحزب النور فيما بعد، وعقد اجتماعات ومقابلات مع الباحثين المهتمين بدراسة الحركات الإسلامية في مصر.
  • تحرك الجماعة الإرهابية لبناء علاقات قوية، من خلال التواصل المستمر مع الدوائر الفكرية الأمريكية (وسائل الإعلام، ومراكز البحوث) لطرح رؤية الإخوان من تطورات الوضع في مصر، وذلك عبر استقبال الزائرين من باحثي الشرق الأوسط بمقر الجماعة ومنحهم فرصة للتواصل مع قيادتها، وعبر تقارير مراسلي الصحف الأمريكية بالقاهرة، والتي كانت تعتمد على تعليقات الإخوان كجزء رئيسي.

ومع تولي الإخوان حكم مصر، رحبت الولايات المتحدة رسمياُ بنتائج الانتخابات الرئاسية التي أسفرت عن فوز محمد مرسي. وذكر البيت الأبيض أن واشنطن تتوقع من مرسي أن يعمل على ضمان الاستقرار وألا ينجرف نحو إلى المغالاة، وأن ينفتح على كل الأطراف في سبيل تشكيل حكومة جديدة. وسعت الإدارة الأمريكية في مسار تعزيز العلاقات مع مصر وبدا ذلك في زيارات كبار المسئولين الأمريكيين والوفود التجارية والاقتصادية فضلاً عن بدء الإدارة الأمريكية في تنفيذ وعودها بدعم الاقتصاد المصري.

وتوطدت العلاقة بين الولايات المتحدة والإخوان، على خلفية التصورات التي سيطرت على إدارة أوباما والتي سمحت بالحديث عن وجو “تفاهم مشترك” مع نظام الإخوان، تغض واشنطن بموجبها الطرف عن ممارسات النظام في مواجهة المعارضة، في مقابل تعاونه معها في تأمين إسرائيل وضبط سلوك حماس.

ولكن مثلت ثورة 30 يونيو صدمة للولايات المتحدة، وانعكس عنصر المفاجأة والرغبة في بقاء حكم الإخوان على سلوك الولايات المتحدة تجاه الثورة المصرية، والذي تميز بتأخر الرد انتظارا لما ستسفر عنه مجريات الأمور، ومراقبة جهود السلطات المصرية لصياغة عملية ديمقراطية شاملة في الفترة الانتقالية. ولم تتخذ واشنطن موققاً واضحاً من 30 يونيو، فلم تصف ما حدث بأنه إنقلاب عسكري ولم تؤيده، لكنها أعلنت عن حزمة قرارت عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة المسلحين، شملت:

  • إلغاء مناورات “النجم الساطع” وهي مناورات عسكرية مشتركة بين البلدين. وبحلول شهر أكتوبر عام 2013، دفعت عملية مراجعة العلاقات الولايات المتحدة إلى وقف تسليم مصر صفقة أسلحة كانت تتضمن طائرات أباتشي، وصواريخ هاربون، وقطع غيار دبابات.
  • قامت الإدارة الأمريكية بتعليق 260 مليون دولار كان سيتم تحويلها مباشرة للحكومة المصرية، فضلاً عن 300 مليون دولار أخرى كضمانات قروض أمريكية، فيما ربطت الإدارة الأمريكية إعادة تقديم المساعدات والمعدات العسكرية إلى القاهرة بحدوث تقدم واضح في العملية السياسية.

في المقابل أظهر المؤسسات الأمريكية تذبذب في المواقف حيال الثورة المصرية،  حيث أصدرت لجنة الشئون الخارجية بالكونجرس بيانا، اعتبر أن الإخوان فشلوا في فهم الديمقراطية بشكل حقيقي، مطالبا الجيش والحكومة الانتقالية بالبرهنة على نيتهم للتحول الديمقراطي، وإشراك قطاع عريض من الشعب في عملية كتابة الدستور، داعيا جميع الفصائل السياسية في مصر إلى نبذ العنف. ورداً على تعليق المساعدات لمصر، أكد البنتاجون أن ليس من مصلحة الولايات المتحدة تجميد كل المساعدات العسكرية لمصر. وشدد على التزام واشنطن بعلاقات الدفاع مع مصر فهي تمثل أساس شراكتنا الاستراتيجية الأوسع نطاقاً مع مصر التي تمثل دعامة للاستقرار الإقليمي.

ثم شهدت العلاقات المصرية الأمريكية انفراجة، وحدث تحول في وجهة النظر الرسمية الأمريكية حول الأوضاع في مصر، حيث صرح وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري في أوائل أغسطس 2013، “بأن الجيش المصري استعاد الديمقراطية عندما أطاح بالرئيس الأسبق محمد مرسي في 3 يوليو 2013 بعد مظاهرات حاشدة ضد حكمه. وأكد أن ما حدث تنفيذ لإرداة الملايين من الشعب المصري وليس انقلابا عسكريا كما يراه البعض، فقد منع الجيش البلاد من الانزلاق إلى الفوضى”.

ثم جاء التعبير الأوضح عن التحول في موقف واشنطن مما حدث في مصر، بعد التطورات المتعلقة بالعلاقات المصرية الروسية، والتحالف الإقليمي مع السعودية، والإمارات والبحرين والكويت. واتخاذ السلطة السياسية الانتقالية في مصر خطوات لتنفيذ خارطة الطريق، والتزامها بمسار العملية السياسية، جعل الدوائر الأمريكية تعيد تقدير مواقفها تجاه مصر. وتأكد الانفراج في العلاقات المصرية الأمريكية في يونيو 2014، عندما أجرى الرئيس السابق باراك أوباما اتصالا هاتفيا بالرئيس السيسي لتهنئته على تنصيبه والتعبير عن التزامه بالعمل معا لتعزيز المصالح المشتركة للبلدين، وأكد التزامه بشراكة استراتيجية بين البلدين، مشددا على استمرار دعم الولايات المتحدة للطموحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشعب المصري واحترام حقوقه العالمية. ومثل هذا التغير في موقف أوباما بمثابة نجاح لصمود القاهرة أمام إجراءات الضغط التي مارستها إدارته ضد القاهرة.

ترامب ونقلة جديدة في علاقة واشنطن بالقاهرة

شهدت العلاقات المصرية الأمريكية طفرة كبيرة في عهد الرئيس دونالد ترامب، خاصة بعد أن تسببت سياسات إدارة الرئيس السابق أوباما، في إيجاد نوع من التباعد، ولكنها لم تصل إلى مرحلة القطيعة، لأنها علاقات استراتيجية متواصلة ومستمرة. وتبنت مصر توجها جديدا في السياسة الخارجية المصرية، من خلال نظرة استراتيجية للولايات المتحدة تقوم على المصالح المتبادلة والمشتركة، والتأكيد على التزام مصر بشراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وحرصها على تنميتها وتعزيزها.

ظهر الاختلاف في توجه الإدارة الأمريكية الجديدة، عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب قبل توليه الحكم، انحيازه الكامل للرئيس السيسي، وأكد أنه كان على صواب عندما انحازت المؤسسة العسكرية إلى الشعب الذي ثار ضد جماعة الإخوان الإرهابية، وإنه فى حال تولى منصب الرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، فإنه سيعمل على زيادة الدعم العسكرى للجيش المصرى الذي يحارب الإرهاب فى شمال سيناء، مؤكداً أن ما فعله أوباما بمحاولة خفض المعونة، أو قطع المساعدات العسكرية كان خطأً فادحاً.

وعلى هذا، عملت الحكومة المصرية والإدارة الأمريكية على استعادة حيوية العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التراجع، والتدريبات العسكرية المشتركة، ومبيعات الأسلحة الأمريكية. كما اتفقت الرؤية المصرية والأمريكية في مكافحة الإرهاب، وتعهد الرئيس ترامب بمحو “الإرهاب المتطرف” من على وجه الأرض. كما تعهد السيسي “بمحاربة الإرهاب والتطرف والقضاء عليهما”. وذلك على عكس إدارة أوباما التي دعمت الإرهاب في مصر بعد تصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية. حيث خرجت إدارة أوباما معلنة في بيانين منفصلين رفض تصنيف الإخوان جماعة إرهابية والتعبير عن قلقها إزاء هذا القرار، معتقدة أن الحكومة المصرية تذهب إلى مدى بعيد جدا في حملتها الحالية ضد الإخوان ومؤيديهم.

وعلى الرغم من أن الخطوة لم تكتمل حتى الآن، فقد تحركت إدارة ترامب نحو تصنيف جماعة الإخوان في قائمة الإرهاب، وحتى لو لم يدخل ها الأمر حيز التنفيذ الفعلي، لكن مجرد طرحه والتفكير فيه يعد نقله كبيرة في رؤية البيت الأبيض لتنظيم الإخوان، وهى رؤية اختلفت تماما مع رؤية أوباما وهيلاري. وفى يناير 2018 أعلنت الخارجية الأمريكية عن إدراج حركتى حسم ولواء الثورة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية فى الولايات المتحدة الأمريكية، عبر بيان  أعلنه وزير الخارجية الأمريكى آنذاك ريكس تليرسون وتضمن البيان مجموعة من المعلومات التى ذكرها المسئول الأمريكى، من أبرزها :

  1. الحركتان مسئولتان عن تنفيذ عدة عمليات إرهابية في مصر، ومرتبطتان بجماعة الإخوان.
  2. هذه الخطوة “تستهدف جماعات وقيادات إرهابية رئيسية”.
  3. هذه الحركات تهدد استقرار الشرق الأوسط وتُضعف عملية السلام وتهاجم حلفاءنا.
  4.  هذه الخطوة تهدف إلى قطع الموارد التي يحتاجونها للتخطيط ولتنفيذ المزيد من الهجمات الإرهابية.

على مدار السنوات السبع الماضية، استطاعت مصر اقناع الولايات المتحدة بصدق توجهاتها السياسة تجاه العديد من القضايا، خاصة قضية الإرهاب، والصراع الدائر في عدد من دول المنطقة. واعتراف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بالخطأ الذي وقعت فيه الإدارات الأمريكية السابقة تجاه ما حدث في مصر وفي المنطقة، حينما أكد  أن أمريكا كانت غائبة بصورة كبيرة عن المنطقة، وأن القادة الأمريكيين أخطأوا في قراءة التاريخ، والحكم على أحداث المنطقة، مما كانت له تأثيرات سلبية على حياة الملايين من الشعب المصري وشعوب المنطقة.

Scroll Up