حملة الاعتقالات التي بدأها آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي ضد المعارضة الإثيوبية كانت سبب تخوف المعارضة من تأجيل الانتخابات وتمديد حكم المؤسسات الحاكمة الحالية لمدة تتراوح من 9 إلى 12 شهرًا، ولذا دعا العديد من القوى المعارضة إلى تعيين حكومة انتقالية، مهددة بتفاقم الاحتجاجات في أكتوبر المقبل إذا لم تسلم حكومة آبي أحمد حكم البلاد لحكومة انتقالية لانتهاء فترة ولاية الحكومة الحالية، وذلك كما هدد ائتلاف الأورومو بأن تأجيل الانتخابات قد تتبعه احتجاجات مسلحة، ولكن لم ينتظر آبي أحمد حتى اشتعال المظاهرات في أكتوبر، بل اشتعلت المظاهرات بين قومية الأورومو والتي لم تهدأ منذ أكتوبر 2019 عقب محاولة اعتقال جوهر محمد الحليف الأسبق لآبي أحمد، وذلك على خلفية اغتيال رمز نضال الثورة المطرب “هاشالو هونديسا” 29 يونيو الماضي، وخروج الألاف في الميادين للاحتجاج الذي أودى بحياة المئات من أبناء قومية الأورومو  التي تُعد القومية الأكبر في إثيوبيا و ينحدر منها آبي أحمد.

استخدمت الحكومة سلاحين لمواجهة تلك الاحتجاجات، أولهما المواجهة المسلحة للمدنيين، وثانيهما حملة الاعتقالات التي انتهت بخبر نشره القنصل العام السابق لسفارة إثيوبيا في الولايات المتحدة “بيرهانميسكل أبيبي سيجني”  عن اعتقال “ليما ميجيرسا”، وزير الدفاع المنتمي إلى قومية الأورومو وأحد كبار زعمائها السياسيين والمقربين من أبي أحمد قبل اعتراضه على تدشين “الحزب الموحد”، وهو ما كذبته بعض الصحف فيما بعد، ليكون ثالث القادة الأوروميين الذين يتم اعتقالهم، وذلك بعدما أفادت الشرطة الاتحادية الإثيوبية ومفوضية شرطة أوروميا في بيان مشترك أنها اعتقلت جوهر محمد وبيكيلي جيربا، الأمين العام لحزب مؤتمر أورومو الاتحادي المعارض، وأربعة وثلاثين فردًا آخرين، في محاولة جديدة للانتقال من مجرد تقييد المعارضة إلى اتخاذ اجراءات عقابية لكل من يقف أمام طموح آبي أحمد.

ليما ميجريسيا السياسي الأبرز  بين أخبار الاستقالة والاعتقالات

جاء تداول أخبار بين اعتقال ليما ميجرسيا، وزير الدفاع الشخصية السياسية الأبرز في إقليم الأورومو، ونفى موقع “دويتش فيليه” خبر تقديم وزير الدفاع الإثيوبي استقالته من منصبه تضامنًا مع الاحتجاجات، ليعيد إلينا كيف نشأ الخلاف العلني له لأول مرة مع توجهات آبي أحمد الحليف الأول له سابقًا عقب تدشين حزب الازدهار الموحد في ديسمبر الماضي، ورفضه الأمر، ليشير إلى الانقسام الواضح بين القوات المسلحة الإثيوبية والحزب الحاكم، الذي أوجد ذريعة لتواجد الجيش الإثيوبي منذ ديسمبر 2018، في غرب وجنوب أوروميا لمكافحة النشاط المسلح لجيش تحرير أورومو في إقليم الأورومو عقب توقيع اتفاقية للسلام مع جبهة تحرير الأورومو تقضي بعودة مقاتليها من منفاهم في إريتريا مقابل نزع السلاح الذي عجزت الدولة عن نزعه في إطار سياسة آبي التي أسماها الاصلاحية، وأعقب ذلك تزايد أعمال العنف في إقليم الأوروميا والمدن المجاورة وعلى رأسهم الأمهرة، الأمر الذي استدعى تدخل القوات المسلحة في بعض المواقع. 

وينقلنا هذا إلى السياسات الهيكلية التي اتخذها آبي تجاه المؤسسة العسكرية؛ فقد وافق مجلس النواب الإثيوبي في وقت سابق على مشروع قانون لإصلاح وإعادة هيكلة الجيش لإعادة تخفيض عدد القيادات المركزية للجيش في البلاد من خلال تقليص عدد القيادات الإقليمية من 6 قيادات إلى 4.

ويعد منصب وزير الدفاع منصبًا سياسيًا أكثر من كونه عسكريًا في إثيوبيا، وتولى “ليما ميجرسيا” حقيبة الدفاع في أبريل 2019 خلفًا لعائشة محمد موسى التي عادت لمنصبها كوزيرة لتنمية المدن والبناء، وشاركت في أعمال بناء سد النهضة، مما يفسر غياب تصريحات وزير الدفاع التي على شاكلة التصريحات النارية التي يطلقها نائب رئيس أركان الجيش الإثيوبي حول العمليات العسكرية من أجل السد، وكذلك زيارة رئيس الأركان آدم محمد المعين من قبل آبي عقب عملية الانقلاب الفاشلة، لأعمال البناء في صور سابقة، ليضعنا أمام صورة مفادها أن محاولات آبي أحمد إلصاق التهم في وجود أيادي مصرية لنزع السلام من الإقليم ما هي إلا حجج واهية، بل يقتصر الأمر على طموح آبي أحمد في اقتلاع جذور المعارضة الأكبر في البلاد، والسيطرة على مفاصل الحكم في المؤسسات الإثيوبية، وذلك باعتبار أن “ميجرسيا” كان يشغل منصب حاكم إقليم أوروميا، ويعد من أقوى الشخصيات المؤثرة في إقليم أوروميا، وشغل منصب رئيس برلمان الإقليم، قبل أن يصبح رئيسًا للإقليم في أكتوبر 2016.

وجاءت هذه الأخبار سواء ثبتت صحتها أم لم تثبت لتضعنا أمام حقيقة مفادها سيطرة آبي أحمد على كافة المؤسسات من خلال إبعاد المعارضة أيًا كان شكلها عن الحكم، ومحاولة تقويض كافة المؤسسات لتطيع فقط أوامره.

اغتيال المطرب هونديسا ذريعة اعتقالات آبي أحمد

https://ichef.bbci.co.uk/news/270/cpsprodpb/6282/production/_113181252__113179954_tv062223316.jpg

لم يكن “ليما” الأول، بل أعلنت الشرطة الاتحادية الإثيوبية، ومفوضية شرطة أوروميا اعتقال جوهر محمد وبيكيلي جيربا، الأمين العام لحزب مؤتمر أورومو الاتحادي المعارض، وأربعة وثلاثين فردا آخرين، وذلك بحجة المواجهة المسلحة لقوات الأمن وعدم التخلي عن سلاحهم وفي أخبار أخرى بأنهم حاولوا الاستيلاء على جثمان المطرب الشهير هاشالو هونديسا، وأخرى كانت لدعواته التحريضية على صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي. 

ويعد جوهر محمد أول مؤيد لآبي أحمد قبل أن يصبح المعارض الأبرز، وتسببه في احتجاجات أكتوبر عقب الإعلان عن محاولة اغتياله، وترشيح نفسه أمامه في الانتخابات المقرر إجراؤها. ولم تكن تلك المحاولات هي الأولى، بل كانت ضمن سلسلة اعتقالات شنها آبي أحمد ضد قادة قومية الاورومو تمثلت في تقرير منظمة العفو في يناير 2020 الذي أكد على اعتقال 75 على الأقل من أنصار جبهة تحرير أورومو (OLF)، في الوقت الذي كثفت فيه السلطات الإثيوبية حملة القمع ضد الآراء السياسية المعارضة قبل الانتخابات العامة. وقال ديبروز موتشينا ، مدير منظمة العفو الدولية لشرق وجنوب أفريقيا “إن هذه الاعتقالات الشاملة قد تقوض الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات قبل انتخابات 2020 “.

ومن بين المعتقلين كانت الناشطة البارزة “شالتو تاكيلي”، والتي أمضت أكثر من ثماني سنوات في السجن بين عامي 2008 و2016 بعد اتهامها بانتمائها إلى جبهة تحرير أورومو ، التي أدرجتها الحكومة الإثيوبية بأنها “منظمة إرهابية”، والإفراج عنها في ظل سياسة آبي الاصلاحية، وأزال البرلمان الإثيوبي جبهة تحرير أورومو وجماعات المعارضة السياسية الأخرى من حظر الجماعات الإرهابية في عام 2018. كما اعتقلت شالتو واحتجزت لفترة وجيزة في عام 2017 ، ومرة ​​أخرى في عام 2019.

مدينة إمبو مسقط رأس هونديسا من رمز الحرية إلى رمز القمع

امبو

اتسم حكم آبي أحمد بتحول كل أشكال المعارضة وخاصة من قوميته “الأورومو” التي كانت تتعلق مشاكلها الرئيسية بالقضية الاقتصادية، والتي هي في الواقع السبب المباشر للاحتجاج في عام 2015. حيث يعيش الأورومو حول أديس أبابا، وكانت أديس أبابا تمر بتحول جذري في العقود القليلة الماضية، فقد تم تهجير الكثير من أورومو بسبب “المشاريع الحكومية” والعديد منهم لم يتلقوا تعويضًا كافيًا. وتحول الأمر لأسباب سياسية نتيجة سيطرة أقلية التيجراي على مفاصل الحكم، ولم تكن هناك انتخابات مفتوحة إلى جانب أسباب تاريخية خلقت شعورًا بالظلم يعزز العوامل الاقتصادية والسياسية القائمة، فكانت احتجاجات الأورومو التي أوصلت آبي لسدة الحكم في أبريل 2018 بمثابة طوق النجاة، الذي أظهر طابعًا سياسيًا إصلاحيًا تحول لنزاعات عسكرية داخلية وحملات اعتقالات واسعة، لحد وصف البعض أنه قد تحولت مدينة أمبو الإثيوبية “مسقط رأس المطرب هونديسا” في ظل قيادة رئيس الوزراء آبي أحمد من رمز للحرية إلى رمز للقمع، حيث تحاول قوات الأمن قمع حركات المعارضة المتنامية التي تهدد رؤيته.

ويعد أغلب سكان أمبو من عرقية الأورومو، معقل جبهة تحرير أورومو ، واعترافا بدور مدينة أمبو في التغيير، قال آبي خلال زيارته لها عقب توليه منصب رئيس الوزراء: “سنبني في أمبو تمثال الحرية الخاص بنا، مدينة نيويورك الخاصة بنا”.، وسرعان ما تحول الأمر ففي تقرير لشبكة “بي بي سي” أوضح شكاوي السكان من عودة وحشية الشرطة، بعد تعرض شباب للضرب وحملات الاعتقال العشوائي خلال نشاطهم في حياتهم اليومية، وتشتبه الشرطة الإثيوبية في كل من يتخذ مظهر الزعيم المتمرد كومسا دريبا الذي يعتبرونه مصدر تهديد رئيسي لاستقرار غرب أوروميا، ولرؤية آبي أحمد، حيث يرفض كوميسا، الذي يعرف أيضا بجان مارو، منذ عام 2018 عروض السلام التي تقدم بها أبي أحمد، ويدفع باتجاه “تحرير” أوروميا من مخبئه في الغابات في الغرب، عقب انشقاقه عن الجبهة منذ قرار التحول لحزب سياسي، وتشتبه الحكومة في أن المتمردين التابعين لكومسا قد تسللوا إلى مدينة أمبو، وتحملهم مسؤولية تفجير قنبلة في تجمع انتخابي مؤيد لأبي بداية توليه الحكم.

من حملة اعتقالات المعارضة السياسية وعسكرة النزاع لتقييد الأذرع الإعلامية

انتقل آبي من حملة الاعتقالات إلى “عسكرة النزاع” والذي ظهر في ضحايا الاحتجاجات الحالية من خلال مواجهة قوات الأمن للمعارضة الإثيوبية، فاتهم تقرير منظمة العفو الدولية في مايو 2020 قوات الأمن الإثيوبية بإعدام 39 شخصًا من أنصار المعارضة واعتقال آلاف آخرين بتهمة الانتماء لمجموعة مسلحة في منطقة أوروميا. وأرجعت المنظمة السبب في ذلك إلى “الحصانة من العقاب وانعدام المساءلة عن هذه الانتهاكات”. 

وفي محاولة لإسكات الأذرع الإعلامية العرقية والمعارضة في ظل غياب صوت الأقليات والقوميات في الإعلام الرسمي والتعبير  وفق توجهات الحكومة الحالية، استخدم أبي أحمد سياسة عقابية لكل من يعترض على حكمه، تمثلت في حملة إغلاق واسعة قادها بدايةً من خطابه الشهير أمام البرلمان الإثيوبي في أكتوبر 2019، من خلال تخوين الإعلام والحديث عن تمويل الإعلام في حملة تضليل إعلامية يقودها بنفسه، وظهرت جليًا عقب مقتل “هونديسا”  في إغلاق شبكة الإعلام الأورومية OROMO Media Network، التي كان يقودها “جوهر محمد”، إلى جانب وقف كل من “قناة صوت تيجراي”، وقناة “يأني”، في ظل محاولاته لإسكات المعارضة، وتقويض الآراء التي تخالف طموحاته. 

ويمثل إقليم التيجراي المعارض الأبرز الآن بعد الأورومو في ظل رفض الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي التي كانت مسيطرة على المناصب العليا في البلاد الانضمام لحزب أبي الموحد، والانسحاب من الائتلاف الحاكم واعتبار الامر غير دستوري، وأعقبه رفض قرار تأجيل الانتخابات والإعلان عن الاستمرار في خوض الانتخابات في الإقليم، وحملات التشويه التي تقودها حكومة آبي في الإعلام الرسمي الإثيوبي والتحريض للوقوف ضد الجبهة، عقب فشل دعوة مجلس الأديان الإثيوبي بإيعاز من حكومة آبي بمبادرة لتخفيف حدة التوتر بين “حزب الازدهار الإثيوبي وجبهة التحرير الشعبية”، وهو ما رفضته جبهة تحرير تيجراي، موضحة رغبتها في ضرورة أن يكون الحديث علنيًا، والتحدث مع كافة الأطراف الحزبية والسياسية لضمان تحقيق الديمقراطية واجراء انتخابات نزيهة.

اثيوبيا

ويتضح مما سبق أن آبي أحمد استغل حادثة اغتيال المطرب “هاشالو  هونديسا” لتعميق سياساته القمعية في تقويض المعارضة، والقضاء على كل من يقف أمام طموحه، بل إعطاء رسالة لمعارضيه أن عقاب من يعترض لن يكون سوى مزيد من الاعتقالات، وهو ما قد يتسبب في تزايد النزاعات المسلحة، وقد يدخل جبهات جديدة على خط الأزمة في حال استمرار حملات رئيس الوزراء الإثيوبي ومحاولاته لإلهاء الداخل عن المشاكل الحقيقية والتخوف من بدء العملية التنموية التي وعد بها أنصاره عند بداية حكمه ولم يحقق منها غير النزاعات الخارجية وتحقيق رسائل سلام هشة يغلفها نزاعات حدودية داخلية وخارج الإقليم. وتكمن سياسة آبي “الموحدة” فقط في وحدة مؤسسات تخضع لسيطرة مؤيديه، والزج بكل معارضيه وراء قضبان المعتقلات، وهو ما سيقابله غضب شعبي يقوم على العرقية الفيدرالية الإثيوبية.

Scroll Up