عرض – محمد هيكل 

تناول  الخبير الاستراتيجي  الروسي والمدير العام لمجلس الشؤون الدولية الروسية المعروف باسم “رياك” أندريه كورتونوف طبيعية وشكل العلاقات الروسية الأوروبية في ظل جائحة “كورونا” التي اجتاحت العالم.

وأشار كورتونوف – في مقاله الأخير  بعنوان كيف سيغير الوباء العلاقات الروسية الأوروبية على موقع مركز كارنيجي للأبحاث بفرعه بموسكو –  إلى ما كشفه وباء كورونا من نقاط ضعف في العلاقات الروسية الأوروبية ، واصفا لشكل العلاقة فيما بينهما خلال الوباء من خلال تحليل استراتيجيات الطرفين الاقتصادية والطبية خلال الجائحة ومدى تعاونهما وتداخلهما معا.

علاقة مستقرة رغم التقلبات 

وذكر كورتونوف أن العلاقة بين موسكو وبروكسيل في السنوات الأخيرة تشبه  قانون التوازن المبني على نقاط الضعف وليس نقاط القوة ، فالنموذج الاقتصادي الروسي القائم على الموارد والركود في السوق أدى لتقليل حصة روسيا من الاقتصاد العالمي بشكل مطرد وبالتالي انعكس ذلك على أهمية موسكو كشريك اقتصادي للاتحاد الأوروبي.

وأضاف أن نقطة ضعف الاتحاد الأوروبي تنبع من افتقاره للقيادة الفعلية التي عجزت الدول الأوروبية عن توفيرها لإتحادها رغما من الجهود الألمانية كذلك تراجع الأنظمة التقليدية والأحزاب السياسية التقليدية في الدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي.

وأوضح أن  افتقاد القيادة في الاتحاد الأوروبي أدى بدوره لإنقسام دول الاتحاد في رد فعلها تجاه عدد من القضايا منها قضية المهاجرين غير النظاميين ، صعود الشعبوية اليمينية ، التعامل مع موسكو فيما يخص أزمة شبه جزيرة القرم والصراع مع أكرانيا.

ويرى خبير العلاقات الخارجية الروسية كورتونوف أن الطرفين ( موسكو وبروكسل) انتظرا خلال السنوات الست الماضية حدثا كارثيا ليتسنى لطرف منهما أن يجبر الأخر على الاعتراف بخطأ في منهجه ، وإعادة التفكير في مواقفهما كما تقديم بعض التنازلات للطرف الأخر، خلال تلك السنوات.

وأشار إلى وقوع أحداث سياسية عالمية (سوداء) دون أن تعطل الطبيعة الجديدة للعلاقات الروسية الأوروبية التي ظهرت في عام 2014 والتي أثبتت استقرارها بشكل مدهش ومقبول للجانبين منذ ذلك الحين.

فرص جائحة كورونا 

وقال الخبير الاستراتيجي  الروسي أندريه كورتونوف إنه برغم من مرور العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا بعدة منعطفات حادة خلال السنوات الست الأخيرة إلا أن ذلك لم يزعزع استقرار العلاقة بين الطرفين لكن جائحة كورونا تختلف بطبيعتها وتأثيراتها غير المسبوقة عن أي أزمة عالمية سابقة.

وأضاف أن المحللين يتفقون على أن أوروبا وروسيا سيكونان من الضحايا الأساسيين لهذه الجائحة على المستوى العالمي ، فأوروبا وجدت نفسها في القلب من الوباء بعد أن عانت عدة دول منها  من تفشي الوباء بصورة مطردة مثل إيطاليا، إسبانيا وفرنسا وهو ما قد يكون سبباً في زيادة الانقسام الداخلي في الإتحاد ، بينما تبذل روسيا أقصى جهودها للتعامل مع التهديد البالغ على الصحة العامة وعلى نموذجها الاقتصادي.

واستشهد الخبير الروسي بتصريحات سابقة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أكدت فيها أن” الاتحاد الأوروبي يواجه أكبر تحدي له منذ تأسيسه” وبالرغم من عدم تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتصريح مماثل إلا أنه لم يواجه مثل هذه  الأزمة غير المسبوقة من قبل بالإضافة إلى الجبهات الأخرى التي تتواجد فيها روسيا خارجيا فبرغم من خبرته إلا أن بوتين لم يضطر من قبل وخلال العشرين عام الماضية للتعامل مع معركتين في أن واحد، إحداهما غير مسبوقة.

لا أحد يعلم متى يمكن أن تنتهي الأزمة الصحية والاقتصادية العالمية الحالية وإلى أي مدى من الممكن أن تستمر ، لكن وفقا لكورتونوف فإنه من الواضح أن كل من الإتحاد الأوروبي وروسيا سيخرجان من الأزمة أضعف مما كانا  عليه قبلها مقارنة بالفاعلين الدوليين الأخرين.

ودعا الخبير الروسي إلى أن يكون هذا بحسب وصفه (الواقع المحزن ) سبباً كافياً للطرفين لاتخاذ مسارات تصحيحية فيما يخص شراكتهما وعلاقتهما معاً برغم من إشارته لعدم وجود أي مؤشرات راهنة لتغيرات كبيرة في العلاقة التي تقوم على توازن نقاط الضعف  بين موسكو وبروكسل فيما بعد انتهاء الجائحة.

ورأى أن بروكسل ليست جاهزة بعد لتقديم أي استراتيجية جديد للتعامل مع موسكو ، بدوره الكرملين ليس لديه جديد يقدمه للاتحاد الأوروبي،فلم تكن هناك أي أختراقات جذرية أو حتى تطورات إيجابية في تنفيذ اتفاقية منيسك بشأن إنهاء الصراع شرق أوكرانيا.

وفقا للكاتب فإن الاتحاد الأوروبي وبرغم من أزمة فيروس كورونا الحالية يتردد بشأن تخفيف العقوبات على موسكو ، على الرغم من الانقسام الداخلي في الاتحاد فيما يتعلق بروسيا وهو ما يمكن استشفافه من تواصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام بالرغم من التوجه الأوروبي، بالإضافة لذلك فإن حرب معلومات شرسة تتفاقم بين الغرب وروسيا.

ولفت الخبير الروسي إلى أنه في المجال العسكري والاستراتيجي لم يبذل الطرفان أي جهود مشتركة لامتصاص صدمة الانسحاب الأمريكي من اتفاقية الأسلحة النووية متوسطة المدى، كما أن حلف الناتو غير قادر على التوصل لإجماع داخلي حول الدخول في حوار جوهري مع المسؤولين العسكريين الروس حتى مع تزايد فرص تمديد معاهدة ( ستارت) الجديدة بشكل متزايد.

ويرى المحلل الروسي أنه مع مطلع هذا العام كان هناك أمل  أن يجرى حول حوار حقيقي حول أمن الإتحاد الأوروبي في موسكو بالتزامن مع احتفال ال75 بيوم النصر في الحرب العالمية،لكن كل هذه الآمال تبخرت بعد تأجيل عقد الحدث  بسبب كورونا.

ويقول الخبير الروسي إنه بالإضافة لما سبق فإن مشكلات اقتصادية تلوح في الأفق بين الطرفين ، مع استمرار إنهيار أسعار النفط التي تشكل جوهر الصادرات الروسية لأوروبا في حين أن انخفاض الدخل الحقيقي وانخفاض قيمة الروبل أثر على الصادرات الأوروبية للاتحاد الأوروبي.

يصر بعض القادة الأوروبيين مثل ماكرون على أن أوروبا بحاجة إلى الدعوة لإعادة التفكير في شائكة موسكو الناشئة مع بكين حيث يبدو أن الأزمة الحالية قاربت بين الروس والصينيين في مجالات الطاقة والصحة والإقتصاد بالإضافة إلى ذلك فإن التقارير تفيد بأن إدارة ترامب تهدد بموجة ثانية من العقوبات الأمريكية ضد خط أنابيب غاز ( نورد إستريم 2) المثير للجدل، وهي الخطوة التي من شأنها أن تعمق الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي كما بين واشنطن وبرلين.

مستقبل العالم والقطبية الثنائية الجديدة  

يجيب كورتونوف في نهاية مقاله على سؤال ” هل سنحت فرصة أمام موسكو وبروكسل لتعميق التعاون بينهما في وقت الوباء؟” 

ويرى أن الفرصة قد سنحت برغم من محدودية القدرات لدى الطرفين في مواجهة الوباء والخطر المجهول ، حيث كان من الممكن أن تقوم موسكو بالتعاون مع باقي دول الإتحاد مثلما تعاونت مع إيطاليا لكن حالت قناعة الأوروبيين بنموذج التعاون الروسي ومدى فاعليته دون حدوث الأمر.

وأشار الخبير الروسي إلى أن الأجندة التقليدية لدى الطرفين تتضمن موضوعات متنوعة مثل الحفاظ على الحوار الأوروبي الأسيوي ، تعزيز منظمة الأمن في أوروبا ، تطوير تكنولوجيا الجيل الخامس ، محاولة الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني والتعاون في القضايا البيئية.

وذكر أنه يبدو من غير المرجح إعادة ضبط العلاقات الثنائية بين الطرفين بشكل أساسي في هذا الإطار أنه وبرغم مما سبق إلا أنه لا ينبغي على الطرفين تجاهل هذه الفرص الضئيلة نسبيا حيث يتوقع الخبراء أن جائحة كورونا ستسرع بشكل حاد من إعادة الهيكلة المستمرة للعلاقات الدولية، مما قد يؤدي في النهاية إلى قطبية ثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين ، وهو ما لن ترغب به موسكو أو بروكسل حيث سيحد ذلك من حريتهما في  المناورة على المسرح العالمي.

وخلص إلى أنه ينبغي على الطرفين (موسكو وبروكسل) التفكير جيداً في مستقبل العلاقات بينهما وتطورها والتي من الممكن أن تكون الألية  الوحيدة التي ستمنع القطبية الثنائية غير المرغوب فيها من قبل الطرفين.

Scroll Up