الصحفي الفرنسي برنار هنري ليفي، اسم ارتبط في أذهان المصريين بسنوات الربيع العربي وظهوره المكثف مع قيادات الإخوان وميدان التحرير، ولكن سيرة هذا الرجل كانت أكبر من مجرد تلك الواجهة الصحفية التي يعمل بها، وإن كان ظهوره الأخير في الشرق الأوسط يعود إلى عام 2017 حينما ظهر برفقة مسرور برزاني يوم استفتاء على انفصال إقليم كردستان العراق، ليعيد إلى الاذهان ظهوره المتكرر في مصر وليبيا وسوريا إبان الربيع العربي.

وفى حوار مطول مع شبكة CNN الأمريكية في سبتمبر 2017 قال ليفي عن حضوره في المشهد الكردي “كردستان ستكون ثاني ديمقراطية بالمنطقة”، وأضاف “وضع الأكراد اليوم يذكرني بطريقة ما بإسرائيل عام 1948، سبعة ملايين شخص يحاصرهم 160 مليون شخص من الأعداء، من إمبراطوريات كبرى، من دول مارقة. إيران، على حد علمي ما زالت دولة غير ديمقراطية، وتركيا أردوغان تصبح أقل وأقل ديمقراطية”.

تصريحات ليفي عن الديمقراطية الثانية وربطها بإسرائيل أعادت إلى الأذهان تصريحاته السابقة عن ديموقراطية الجيش الإسرائيلي وذلك خلال زيارته لتل ابيب في مايو 2010 حينما صرح بأن “جيش الدفاع الإسرائيلي أكثر جيش ديموقراطي في العالم.. لم أر في حياتي جيشًا ديموقراطيًا كهذا يطرح على نفسه هذا الكم من الأسئلة الأخلاقية، فثمة شيء حيوي بشكل غير اعتيادي في الديموقراطية الإسرائيلية”، مضيفًا أن “إسرائيل هي معجزة من الحرية والديموقراطية ورفض الجهل الفاشي”، وأن الصهيونية “هي الحركة العظيمة الوحيدة في القرن العشرين التي نجحت ولم تتحول إلى كاريكاتير بفضل الشعب اليهودي الذي بنى إسرائيل قادمًا من ظلام النازية والشيوعية والشعوب العربية الشمولية”.

وفى 21 يوليو 2014 كتب الصحفي الفرنسي من أصول مصرية يهودية آلان جريش رئيس التحرير المساعد لصحيفة لو موند ديبلوماتيك عن ليفي قائلًا “مع كلّ عدوان إسرائيلي جديد على قطاع غزّة، نحن على موعد مع مقال لبرنار هنري ليفي ليسوق فيه مجموعةً جديدةً من الأكاذيب. فهذا الرجل دخل غزة إبان الاجتياح عام 2008 على متن دبابة إسرائيلية”. ورغم أن سمعة ليفي باتت مشوهةً وكتبه بالكاد تباع، لا تزال وسائل الإعلام تفتح له أبوابها وتخصص له الصفحات.

ولكن من هو هذا الصحفي الفرنسي الذي دأبت الصحف بل وبعض الحكومات العربية على وصفه بعميل المخابرات الأجنبية الذي يقود ثلة من الإرهابيين تحت مسمي الثورات خلال الربيع العربي؟

داعية التدخل الأجنبي في الشرق الأوسط

ولد برنار هنري ليفي Bernard-Henri Lévy في 5 يوليو 1948 بالجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي لأسرة جزائرية يهودية، فهو من أصول جزائرية/ والفرنسية مجرد جنسية مكتسبة، وانتقلت أسرته إلى باريس بعد مولده بأقل من عام.

ودرس الفلسفة ثم أصبح أستاذًا جامعيًا في تدريس علم المعرفة، وحتى اليوم يُعدُّ من أهم الأكاديميين الفرنسيين في مجال الفلسفة، وعُدّ في سبعينات القرن العشرين من أبرز رموز موجة الحركة الفلسفية الجديدة التي قام بها شباب شيوعي عبر نقد اليسار الفرنسي والفكر الاشتراكي على ضوء ما أسموه الموقف الاشتراكي الهزيل حيال انتفاضة مايو 1968 الفرنسية.

ووصلت أطروحاته النقدية حيال الاشتراكية للذروة في كتابه “اليسار في أزمنة مظلمة: موقف ضد البربرية الجديدة” عام 2008، حيث وصف اليسار بعد سقوط الشيوعية بأنه فقد قيمه واستبدلها بكراهية مريضة حيال أمريكا وإسرائيل واليهود، وأن النزعة الإسلامية لم تنتج من سلوكيات الغرب مع المسلمين، بل من مشكلة متأصلة، وأن النزعة الإسلامية تهدد الغرب تمامًا كما هددتها الفاشية يومًا ما، وأن التدخل في العالم الثالث بدواعٍ إنسانية ليس مؤامرة إمبريالية بل أمر مشروع تمامًا.

رغم أن العالم يعرفه باعتباره صحفي وأكاديمي وناشط سياسي وفيلسوف إلا أن هنالك عاملًا آخر وفّر لليفي هذا التفرغ والتحرك وتمويل رحلاته بل وتمويل تحركه الآمنة في بعض مناطق الصراعات الدولية، ألا وهو أنه مليونير، حيث وصلت ثروته عام 2004 إلى 150 مليون يورو، ويملك ثماني شركات، بالإضافة إلى استثمارات ضخمة في البورصة، ما يؤهله للعب دور المليونير المغامر في مناطق الحروب الخطرة، بل واستئجار بعض الميلشيات لحمايته متى أراد.

وقد تزوج ثلاث مرات، الزوجة الأولى الفيلسوفة إيزابيل دوتريلويجن، وأنجبا الكاتبة جاستن ليفى Justine Lévy صاحبة الكتب الأعلى مبيعًا في أوروبا اليوم، والزوجة الثالثة والحالية هي الممثلة والمطربة أريل دومباسل Arielle Dombasle.

وفى عام 1997 خاض تجربة الكتابة والإخراج السينمائي، وذلك عبر فيلم Le Jour et la Nuit من بطولة آلان ديلون وزوجته، وعندما عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي الدولي السابع والأربعين في عام 1997، صنفته الأغلبية الساحقة من النقاد باعتباره أسوأ فيلم لعام 1997، وذهب بعض النقاد باعتباره أسوأ فيلم فرنسي منذ عام 1945، وكان ملاحظًا أن أكثر صحف فرنسا ليبرالية قد انتقدت ظهور زوجته عارية تمامًا بشكل غير مبرر دراميًا في أغلب مشاهدها.

سياسيًا لم يكن ظهوره الأول في ميدان التحرير خلال ثورة 25 يناير2011، ولكن محطته الأولى كانت خلال الحرب الهندية – الباكستانية عام 1971، حيث دعم عملية فصل بنجلاديش عن باكستان، وهو ما أفضت اليه الحرب، وطالب المجتمع الدولي بالتدخل لدعم بنجلاديش في الانفصال.

لاحقًا ظهر أثناء حروب البلقان بداية تسعينات القرن العشرين، وهي سلسلة من الانتفاضات الانفصالية التي ضربت جمهوريات يوغوسلافيا عقب انتهار الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي، حيث قام الصرب بمذابح جماعية حيال شعوب سلوفانيا وكرواتيا والبوسنة، وبدلًا من معالجة القضية صحفيًا باعتبارها قضية عرقيات تمت أسلمة القضية باعتبارها مذابح صربية مسيحية ضد البوسنة المسلمين، بينما هنالك مذابح صربية حيال شعوب يوغوسلافيا المسيحية التي قررت الانفصال، وكان ليفي من أبرز من روج طرح إسلامية قضية البوسنة وطالب بتدخل عسكري أجنبي لحماية البوسنة من الصرب.

تيري ميسان الصحفي الفرنسي الشهير، قال في حوار صحفي عام 2010 “في البوسنة، تم منح بن لادن جواز سفر من قبل الرئيس علي عزت بيجوفيتش، حيث عمل لديه كمستشار عسكري إلى جانب برنار هنري ليفي، الذي عمل كمستشار سياسي”.

وفى مناسبة أخرى قال ميسان عن ليفي “أغلب الفرنسيين يرون أنه يتحدث نيابة عن إسرائيل لكونه يهودي، ومن المؤيدين للمواقف الإسرائيلية، وليفي اتضحت قصته عندما تم الدفع به ضمن خمسة إعلاميين في صدارة الإعلام الفرنسي للدفاع عن السياسة الإسرائيلية، ويكفي أن ليفي ظهر بنفسه في وسائل الإعلام عقب سقوط النظام الليبي ليعلن أنه طلب من الرئيس الفرنسي ساركوزي أن يشن الحرب ضد ليبيا، لأن هذه رغبة إسرائيلية أو نيابة عنها”.

ثم ظهر في جورجيا خلال أغسطس 2008 وقابل الرئيس ميخائيل سكاشفيلي أثناء الحرب الروسية الجورجية، وقام ليفي بحشد الرأي العام الأوروبي ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باعتباره قيصر وطاغية روسي جديد يجب فرملته قبل أن تبتلع موسكو أوروبا. وفى عام 2009 شن حملة إعلامية دعمًا لانتفاضة إيران عقب الانتخابات الرئاسية، وعام 2010 نادى بتدخل عسكري في إقليم دارفور غرب السودان عبر حملة صحفية ضخمة.

وخلال عام 2007 على وقع الانتخابات الرئاسية الفرنسية عقد مع عدد من مثقفي اليسار الفرنسي ائتلافًا للضغط على مرشحي الرئاسة نيكولا ساركوزي وسيجولين رويال من أجل ضمان أن ينخرط الرئيس الفرنسي الجديد في دعم جهود حقيقية للقبض على الرئيس السوداني عمر البشير وتسليمه إلى محكمة العدل الدولية على ضوء أحداث إقليم دارفور السوداني.

وتركزت رؤى ليفي حول حتمية دعم ما أسماه “المحافظات المسيحية في الجنوب” لإتمام استفتاء حق تقرير المصير في جنوب السودان، وتزكية قائد التمرد في دارفورد عبد الواحد النور قائد جيش تحرير السودان باعتباره يقدم إسلامًا مستنيرًا مقارنة بالنظام الإسلامي في الخرطوم.

وساهم في تشكيل ائتلاف من النشطاء في الغرب أطلق عليه نشطاء دارفور الغرض منه شرح أزمة دارفور للرأي العام الغربي تحت شعار رواندا لن تتكرر، في إشارة للمذابح الإنسانية التي هزت الضمير الإنساني في الدولة الافريقية، وطالبت هذه المجموعة بأن توفر الحكومات الغربية معدات وتمويل وسلاح إضافي للقوات الأجنبية المنتشرة في دارفور لوقف ما أسماه أولى جرائم الإبادة الجماعية في القرن الحادي والعشرين حيث بدأت عام 2003. وقد استطاع زيارة دارفور عام 2007 انطلاقًا من تشاد المجاورة وزيارة معسكرات المتمردين والظفر بعدد من الحوارات الصحفية التي تقدم رؤيتهم إلى الرأي العام الغربي.

مواقف ضد أسلمة أوروبا

يعتبر ليفي من أبرز مناهضي ما اسماه أسلمة أوروبا، حيث يدعم حظر ارتداء الحجاب، ووقع بيانًا عام 2006 مع 14 مثقفًا أبرزهم الإيراني سلمان رشدي بعنوان “معًا لمواجهة الشمولية الجديدة” يرفض الاحتجاجات التي اندلعت ضد الرسوم الكاريكاتورية المنشورة في صحيفة دنماركية التي تمس الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.

وانحاز ليفى للمواقف المتشددة التي اتخذها البابا بنيدكت السادس عشر، ورأى أن البابا صديق مخلص لليهود خلال تصريحات أدلى بها في يناير 2010.

ليفي في ميدان التحرير

حينما أُعلن في تونس عن هروب الرئيس التونسي زين العابدين بن على، وبدأ الاعلام الدولي يعنون نجاح الثورة التونسية في 14 يناير 2011، ثم بدء أحداث يناير 2011 في مصر، كان ليفي مع عددٍ من المثقفين الفرنسين يشككون في مجريات الأمور في تونس ومصر، وكان ضيفًا دائمًا على قنوات التلفزة الفرنسية في الأيام الثلاث الأولي من الثورة المصرية، مشككًا في نوايا الثوار ومؤيد ضمني لاستمرار الرئيس حسني مبارك، عكس ما نراه اليوم من تأييد جارف لليفي حيال هذه الاحداث، ولم تنل يناير المصرية بتأييد ليفي إلا عقب احداث جمعة الغضب يوم 28 يناير2011، حيث سافر إلى القاهرة وظهر في ميدان التحرير وسط المتظاهرين.

C:\Users\user\Downloads\05.jpg

د.ساري حنفي الأستاذ المشارك في الجامعة الأمريكية في بيروت، رصد ليفى على شاشات التلفزة الفرنسية في مقال بعنوان “ثورتا الياسمين والميدان: قراءة سوسيولوجية” عبر جريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ الثلاثاء 15 فبراير 2011، حيث كتب قائلًا” كان مذهلًا موقف بعض المثقفين الفرنسيين القريبين من السلطة وخاصة ألكسندر ألدر وبرنار هنري – ليفي وآلان فنكلكروت ودورهم في تخويف الرأي العام الفرنسي من الثورتين في تونس ومصر”.

بل أن ليفي أبدى تخوفًا من صعود تنظيم الإخوان المسلمين أكثر من مرة، حتى عقب وصوله إلى القاهرة، في مقال بعنوانQuestions About the Egyptian Revolution عبر موقع هافجنتون بوست بتاريخ 15 فبراير 2011، أبدي إعجابه بالحراك الشعبي وتحدث عن فلول نظام مبارك ودولة/ثورة 23 يوليو 1952 المصرية باعتبارها خطر على مسار الثورة، بعد أن كان في ساعات الثورة الــ 72 الأولى يدلي بآراء عكس ذلك عبر الشاشات الفرنسية.

وكتب “الحقيقة أن كل هذا حدث لأول مرة في التاريخ العربي الحديث دون شعار مناهض لأمريكا أو مناهض للغرب دون أن يحرق علم إسرائيل دون أن يرفع الشعارات البالية عن الصهيونية”.

ثم شرح تخوفًا من الإسلاميين، وتحديدًا الإخوان المسلمين، بالقول إن مشروعهم حيال المجتمع غير معروف، هل اتخذوا مسافة عن حركة حماس الفلسطينية؟، هل تخلوا عن حل تطبيق الشريعة الإسلامية، وماذا عن علاقتهم بأفكار سيد قطب؟

ليفي والثورة الليبية

من حسن طالع ليفى أنه صديق شخصي منذ عام 1983 للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي تزامن عصره مع بدء الربيع العربي، ما سهل عملية تواصل ليفى مع الإليزيه في السنوات الأولى للاضطرابات في مصر وسوريا وليبيا.. صحيح ليفى عارض ترشحه للرئاسة وأيد المرشحة الاشتراكية سيجولين رويال، إلا أن قوة العلاقة بينهم أدت إلى استمرارها، هكذا سافر ليفي إلى شرق ليبيا في أولى ساعات الاضطرابات التي تحولت لاحقًا إلى حرب أهلية سحلت وقتلت معمر القذافي في صحراء ليبيا.

عُرف عن ليفى وساركوزي أن الضلع الثالث في الصداقة هو الفيلسوف جان – بول إنثوفن  Jean-Paul Enthove، والأخير كان على علاقة مع المطربة وعارضة الأزياء الإيطالية كارلا بروني، ولاحقًا ارتبطت بعلاقة مع ابنه الفيلسوف رافاييل إنثوفن الذى ترك زوجته – جاستن ابنة برنار هنري ليفي – من أجلها، علمًا بأن المجتمع الفرنسي تعرف على كارلا بروني عقب اعتراف والدتها بانها خانت زوجها الموسيقار الشهير وان كارلا المسجلة باسمه هي في واقع الأمر ابنة مواطن برازيلي ارتبطت به في علاقة آثمة دون علم زوجها لفترة، ولاحقًا ارتمت كارلا في أحضان نيكولا ساركوزي بعد أن اصبح رئيسًا لفرنسا، حيث قام بتطليق سيسيليا أتياس ( عارضة الأزياء الفرنسية السابقة وابنه مهاجر روماني مولدوفي يهودي) بعد أن هربت لفترة مع عشيقها عام 2005 ثم عادت إلى ساركوزي على أمل ان تداوي الأيام خطيئة الخيانة والزنا ولكن الطلاق أصبح أمرًا واقعًا. 

وفي 19 أكتوبر 2007، نشرت مقابلة مع سيسيليا ساركوزي على الصفحة الأولى من صحيفة “الجمهورية الشعبية ” الفرنسية، حيث اعترفت بأنها هربت مع حبيبها، ريتشارد أتياس، في عام 2005 وأنه على الرغم من أنها عادت في نهاية المطاف إلى ساركوزي، لم يتمكنوا من إصلاح زواجهم، وقالت: “ما حدث لي حدث لملايين من الناس: يوم واحد لم يعد لديك مكان في العلاقة الزوجية، لم تعد العلاقة الزوجية الشيء الأساسي في حياتك، لم يعد يعمل؛ لم يعد يعمل”.

نيويورك تايمز اعتبرت في ابريل 2011 أن برنار ليفي يعد السبب الرئيسي في اعتراف باريس السريع بالثورة والمعارضة بل والضغط على أمريكا في المضمار ذاته، وأن ليفي كان ضابط اتصال بين المتمردين او الثوار من جهة والرئيس الفرنسي من جهة اخري وذلك وفقًا لتقرير منشور بعنوان:

Steven Erlanger, “By His Own Reckoning, One Man Made Libya a French Cause”, The New York Times, 1 April 2011.

الجارديان البريطانية في مقال بعنوان Libya: Bernard-Henri Lévy dismisses criticism for leading France to conflict في 27 مارس 2011 وصفته بوزير الخارجية الثاني (B) ، وقالت إن اتصاله القوى مع ساركوزي وتحركاته في ليبيا أغضبت وزير الخارجية آلان جوبيه، مشيرة إلى أن ليفي يعقد اجتماعات دورية مع الثوار الليبيين، وأنه مهندس الاتصال بين الثورة الليبية والحكومة الفرنسية؛ حيث تلقى ساركوزي قبل سفر ليفي إلى ليبيا اتصالًا من الأخير حول مدى استعداده لقيام ليفي بالتواصل بين الطرفين، وحظى ليفي قبل سفره إلى ليبيا بموافقة ساركوزي على هذا الاتصال، وأن هذا الاتصال اثمر عن قرار الأمم المتحدة حول ليبيا والغطاء الجوي الذى وفره حلف الناتو للثوار.

في مقابلة تلفزيونية لقناة العربية معه في يناير 2012 برنامج (نقطة نظام). أشار إلى أن قطر هي التي وفرت السلاح للمقاتلين في بنغازي ومصراته، وقوات برية أجنبية على الأراضي الليبية أثناء المعارك، وقال: كان هناك بعض الخبراء الفرنسيين لمساعدة الطائرات في تحديد الأهداف لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين، وكان هناك جنود شجعان للغاية من الإمارات وقطر وفرنسا وبريطانيا يوجهون الغارات الجوية، مسترسلًا أما من كانوا يوجهون المقاتلين الليبيين فلم يكونوا فرنسيين بل قطريين وإماراتيين.

ومثلما قدم ليفي رؤى متناقضة حيال الأشهر والأيام الاولي من الربيع العربي، قدم أيضًا رؤى متناقضة حيال الإسلاميين، هو يتساءل عقب خلع مبارك عن تنظيم الاخوان المسلمين ثم ينحاز إلى رؤية الاخوان لأحداث منطقة رابعة العدوية بوصفها مذبحة في مقال بعنوان “الجريمة الحمقاء للقوات المسلحة المصرية”
The Criminal Folly of the Egyptian Armed Forces بجريدة دايلى بيست يوم 20 اغسطس 2013 عن موقعة فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة.

وحينما حل ضيفًا على مهرجان كان السينمائي عام 2012 لعرض الفيلم الوثائق قسم طبرق The Oath of Tobruk من تأليفه واخراجه، حدثه مراسل فرنسا 24 عن القلق الذي أثاره صعود الإسلاميين إلى الواجهة في ليبيا وتأكيد رئيس المجلس الانتقالي مصطفي عبد الجليل في خطاب أكتوبر 2011 على اعتماد الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع في البلاد. وقال ليفي إن “ما أحارب من أجله بجانبهم هو الوصول إلى التصالح بين العالم الإسلامي وبين الديمقراطية. الإسلام والديمقراطية يمكن أن يجتمعا دون أن يتخلى كل منهما عن رسالته ليست الديمقراطية على الطريقة الأمريكية وإنما على الطريقة الإسلامية مع احترام حرية التحرك والتعبير والمساواة بين الرجل والمرأة وما إلى ذلك”.

هكذا انحاز ليفي إلى الرؤية التي يعتنقها الكثير من مثقفي الغرب باعتبار الإخوان المسلمين وبعض التنظيمات الإسلامية الأخرى يمثلون ما أسموه بالإسلام السياسي الوسطي مقارنة بتنظيم الدولة الإسلامية!

وفى هذا الفيلم يقر ليفى بأنه زار إسرائيل عام 2011 بالفعل ونقل رسالة من ثوار ليبيا أن الثوار على استعداد للاعتراف بإسرائيل في محاولة لكسب أصدقاء مؤثرين على الساحة الأمريكية بحسب وصف ليفي.

إذن لم يكتف ليفى بالتحمس للثورات، أو الدعوة لتدخل عسكري حيالها، ولكنه لعب دور وسيط بين الثوار على الأرض والحكومات الغربية، تمامًا كما فعل لورانس العرب، وأيضًا كان اتصاله بين ثوار ليبيا وإسرائيل شديد الشبه بالاتصال الذي أقامه لورانس العرب بين أحد رموز الثورة العربية الكبرى ألا وهو ملك سوريا الهاشمي فيصل الأول – وملك العراق الهاشمي فيما بعد – مع حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية وأول رئيس لإسرائيل لاحقًا، حيث عُقد اجتماع برعاية لورانس في العقبة عام 1919. يمكن اعتبار أن برنار ليفى هو نسخة الربيع العربي من لورانس العرب.

وإلى جانب دوره الهام في ليبيا، يعد ليفي من أوائل من طالبوا بالتدخل الأجنبي العسكري لحماية ما أسماها بالثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، وذلك في مايو 2011، ويعتبر من أهم منظمي مؤتمرات المعارضة السورية في باريس.

الموقف من داعش

واستمرارًا لحالة الدعوة للتدخل العسكري الأجنبي، طالب بتدخل عسكري أمريكي حازم على طريقة بوش الابن في أفغانستان والعراق وليس الاكتفاء بضربات جوية وذلك ضد داعش في سوريا والعراق وذلك في حوار له مع سي ان ان في نوفمبر 2015 على ضوء وقوع هجمات دموية في باريس على يد مهاجرين من دول الربيع العربي، قال نصًا “إما نقاتل داعش بسوريا والعراق أو تغرق باريس ونيويورك بالدماء”. وأضاف “إذا لم نقم بإرسال قوات إلى الأرض لخوض المعركة هناك دماء على الأرض في باريس ونيويورك. طالما بقيت قوة أولئك الأشرار فسيكون هناك دماء على الأرض، وهذا ما حصل بالأمس في باريس وما حصل قبل 14 عاما في نيويورك.”

ما بعد الربيع العربي

في فبراير 2014 ظهر وخطب في ميدان الثورة في أوكرانيا خلال الثورة البرتقالية الثانية.. عشية الحرب الاهلية الأوكرانية وانقسام أوكرانيا حتى اليوم. ولعل ظهوره في مؤتمر كان السينمائي عام 2016 يوضح لماذا ذهب إلى الاستفتاء الكردي لاحقًا، حيث شارك ليفى في المهرجان بفيلم وثائقي من تأليفه وإخراجه وإنتاجه بعنوان “البشمرجة” يتناول دفاع الكرد عن سوريا والعراق أمام داعش، وطرح قضية أن الإسلام المستنير الذي بحث عنه من البوسنة وجده اليوم في أرض كردستان حيث يعيش الأكراد السنة والشيعة والكلدان والآشوريين والمتحدثين بالآرامية واليهود جنبًا إلى جنب في حرية تمامة لممارسة العقيدة، وانه حقق حلم البوسنة في أربيل.

المقدمة الاعلانية للفيلم:

وعلى ما يبدو أن دور رجال الأعمال المستشرق سوف يلازمه حتى وفاته، ما ينبئ بظهور جديد في بؤرة توتر جديدة حول العالم.

Scroll Up