بعد جدال دام لسنوات، وتصريحات متضاربة من قبل النظام التركي، أصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم أمس قرارًا بتحويل متحف آيا صوفيا في مدينة إسطنبول إلى مسجد، واصفًا ذلك في خطابه إلى الأتراك بالأمس بأنه “من بين أكثر الصفحات المشرقة فخرا في التاريخ التركي”.

تقلبات تاريخية

أُنشئ مبنى آيا صوفيا في عام 537 م ككاتدرائية من قبل الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول، وظل لمدة 916 عامًا من أهم المراكز والمعالم المسيحية في العالم، ورمزًا للإمبراطورية البيزنطية. وبعد الفتح العثماني للقسطنطينية عام 1453م حوّل السلطان العثماني محمد الفاتح هذه الكاتدرائية إلى مسجد حمل نفس الاسم الذي يعني “حكمة الله” أو “الحكمة الإلهية” باللغة اليونانية.

وظل مسجد آيا صوفيا على هذا الوضع لنحو 481 عامًا، حتى قام مصطفى كمال أتاتورك أول رئيس للجمهورية التركية بإصدار قرار عام 1934م يقضي بتحويل آيا صوفيا إلى متحف بهدف “إهدائه إلى الإنسانية”. واستمر كذلك حتى صدور قرار الرئيس التركي بالأمس بإلغاء قرار أتاتورك، وتحويل المتحف إلى مسجد مرة أخرى.

قرار أردوغان جاء بعد أن أصدر مجلس الدولة (أعلى محكمة إدارية في البلاد) بالأمس حكمًا ببطلان الوضع الذي كان عليه آيا صوفيا، وتحويله إلى متحف، وذلك نتيجة قضية رفعتها عدة منظمات شككت في قانونية قرار الرئيس التركي الراحل مصطفى كمال أتاتورك عام 1934 بتحويل مسجد آيا صوفيا إلى متحف، قائلة إن المبنى كان ملكية شخصية للسلطان العثماني محمد الفاتح، ولا يجوز إصدار قرار بتغيير وضعه من قبل أتاتورك.  وأعلنت المحكمة أنها “قررت إبطال قرار مجلس الوزراء موضوع هذا الطلب”. وأوضحت المحكمة أن آيا صوفيا مسجّلة مسجدًا في سندات الملكية التي تحمل اسم مؤسسة محمد الفاتح، وأن هذا التصنيف غير قابل للتعديل.

وهي الحجة نفسها التي اعتمد عليها أردوغان في خطابه بالأمس قائلًا “عندما فتح محمد الفاتح إسطنبول، حصل أيضًا على لقب الإمبراطور الروماني وبالتالي حصل على جميع الأملاك المسجلة للأسرة البيزنطية. ووفقا لهذا القانون، فإن آيا صوفيا هي ملك للفاتح وتم تسجيل سند ملكيتها للوقف الذي أنشأه بنفسه، وفي عهد الجمهورية، تم إصدار نسخة رسمية من سند الملكية هذا بعد أن تم إعداده بخطابات جديدة وتم تسجيل وضعه القانوني بالأحرف الجديدة”.

وزعم الرئيس التركي أن محمد الفاتح قال في وصيته “إن من يحاول تعديل أو تغيير صرحي ومؤسستي آيا صوفيا التي حولت إلى مسجد أو يحاول بالفسق والفساد أو بأي دسيسة أن يخرج مسجد آيا صوفيا من حكم الوقف، أو يغير من أصله أو يعترض على فروعه أو من يرسم طريقا لهؤلاء الذين يفعلون ذلك أو يساعدهم، أو من يحاول بشكل غير قانوني تغيير هويته أو إخراجه من صفته كمسجد أو أن يتولى عليه أحد من خلال أوراق مزيفة، أو حتى يضيفه إلى دفتره الباطل أو إلى عمله بالكذب، قد ارتكب أكبر الأشياء حرامًا وقد وقع كل الذنب على عاتقيه”.

وذلك رغم الشكوك التي أثارها بعض المؤرخين حول حقيقة شراء السلطان العثماني محمد الفاتح لكاتدرائية آيا صوفيا بعد فتح القسطنطينية، مشيرة إلى أنه لم يشترها حقًا سواءً بماله الخاص أو بمال الدولة، مرجحة أن قراره بتحويل الكاتدرائية إلى مسجد جاء لما تمثله آيا صوفيا من رمز كبير للإمبراطورية البيزنطية، وما يمثله قرار تحويلها من انتصار سياسي.

ردود فعل دولية غاضبة

قال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس: “إنه خيار يسيء أيضًا إلى كل أولئك الذين يعترفون بالنصب كممتلكات للثقافة العالمية”. “إنه لا يؤثر على علاقات تركيا مع اليونان فحسب، بل يؤثر أيضًا على علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي واليونسكو والمجتمع العالمي ككل”. ووصفت وزيرة الثقافة اليونانية لينا ميندوني قرار أردوغان بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد بأنه “استفزاز مفتوح للعالم المتحضر”، مؤكدة في بيان أن آيا صوفيا نصب تذكاري للبشرية جمعاء بغض النظر عن الدين أو القومية التي أظهرها الرئيس أردوغان والذي يقود قراره بلاده إلى الوراء ستة قرون.

وقال وزير خارجية قبرص نيكوس كريستودوليديس عبر حسابه على موقع تويتر إن قبرص “تدين بشدة تصرفات تركيا بشأن آيا صوفيا في جهودها لتشتيت الرأي المحلي وتدعو تركيا إلى احترام التزاماتها الدولية”.

وأعربت الولايات المتحدة عن خيبة أملها إزاء القرار، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، مورجان أوتاجوس، إن الولايات المتحدة مدركة لحقيقة أن الحكومة التركية ستلتزم بإتاحة آيا صوفيا لجميع الزائرين، ونتطلع لسماع خطط أنقرة بشأن إشرافها المستمر على آيا صوفيا بما يضمن إمكانية أن يزور الجميع المكان من دون عائق. وكان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قد قال مطلع الشهر الجاري إن أي تغيير في وضع متحف آيا صوفيا سيكون من شأنه أن يقلل من قدرة آيا صوفيا على خدمة الإنسانية كجسر تشتد الحاجة إليه بين أولئك الذين لديهم ديانات وتقاليد وثقافات مختلفة”. مضيفًا “كمثال على احترام التقاليد الدينية للجمهورية التركية وللعصور المختلفة، ندعو حكومة تركيا إلى مواصلة الحفاظ على آيا صوفيا كمتحف، وضمان بقاء المكان متاحًا للجميع”.

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو” أدانت كذلك القرار التركي، وعبرت المديرة العامة لليونسكو أودري أزولاي عن أسفها الشديد للقرار، وقلقها البالغ حيال هذا الأمر، مشيرة إلى أن “آيا صوفيا تحفة معمارية وشاهد فريد على التفاعل ما بين أوروبا وآسيا على مر القرون، ويعكس وضعه كمتحف الطبيعة العالمية لتراثه، ويجعله رمزًا هامًا للحوار”.

وقال جوسيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي في بيان “إن قرار مجلس الدولة التركي بإلغاء أحد القرارات التاريخية الحديثة التي اتخذتها تركيا وقرار الرئيس أردوغان بوضع النصب التذكاري تحت إدارة رئاسة الشؤون الدينية أمر مؤسف”.

وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أنّ بلاده “تأسف لقرار مجلس الدولة التركي تعديل وضع متحف آيا صوفيا، ولمرسوم الرئيس أردوغان بوضعه تحت سلطة مديرية الشؤون الدينية”، قائلًا “هذان القراران يشكّكان في أحد أكثر الإجراءات رمزية لتركيا العصرية والعلمانية”.

وعبرت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية عن أسفها لعدم إصغاء القضاء التركي إلى “مخاوف ملايين المسيحيين”، وسماحها بتحويل كنيسة آيا صوفيا السابقة في إسطنبول إلى مسجد.

ووصف رئيس الأساقفة بالولايات المتحدة هذا القرار بأنه أسوأ مثال على الشوفينية الدينية، قائلًا “بإغلاق آيا صوفيا كنصب تذكاري أغلقت تركيا النافذة التي فتحتها أتاتورك للعالم”.

آيا صوفية ورقة سياسية في يد أردوغان

لطالما استغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قضية متحف آيا صوفيا وتحويله إلى مسجد كورقة يناور بها حسب الظروف السياسية، وهو ما خلّف تناقضًا في مواقف أردوغان ذاته إزاء هذه القضية. إذ أعلن أردوغان في أكثر من موقف ولا سيّما قبل الانتخابات، دعمه للمطالبات الداعية لإعادة متحف آيا صوفيا إلى الوضع الذي جعله عليه السلطان العثماني محمد الفاتح كمسجد، وإلغاء قرار الرئيس الراحل مصطفى كمال أتاتورك.

والرجل نفسه هو الذي وصف هذه الدعوات والمطالبات بالمؤامرة التي تهدف لإشغال الأوضاع، مشيرًا في تصريحات يوم 18 مارس 2019 إلى أن “الصلاة تُقام الآن في ساحة خاصة تابعة لآيا صوفيا، ويمكن توسيعها، هذا ليس مشكلة. لكن ماذا سيعطي ذلك؟”، مؤكدًا أن “هناك تداعيات قد تنجم عن تحويل أيا صوفيا إلى مسجد، قد تكون خطيرة. دعونا لا ننسى أن هناك الآلاف من مساجدنا في بلدان مختلفة. وهل يفكر هؤلاء الذين يطالبون بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد فيما يمكن أن يحدث لتلك المساجد”؟

الشهر ذاته، وتحديدًا اليوم السابع والعشرين، شهد تصريحًا آخر للرئيس التركي فيما يخص قضية تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، إذ قال “يمكننا أن نجعل الدخول إلى آيا صوفيا مجانيًا، بالإضافة إلى ذلك، بعد الانتخابات البلدية، ستعود إلى وضعها الأصلي، ويتم تغييرها من متحف إلى مسجد”.

التصريح الأخير جاء قبل أيام من التصويت في المعركة الانتخابية المحتدمة في انتخابات بلدية إسطنبول التي كان يتنافس فيها القيادي في حزب العدالة والتنمية الحاكم بن علي يلدرم مع أكرم إمام أوغلو عضو حزب الشعب الجمهوري المعارض، وهو ما يؤكد استغلال أردوغان لورقة آيا صوفيا سياسيًا، باحثًا عن حشد أكبر عدد من المصوتين لصالح مرشح حزبه، إلا أن محاولاته قد باءت بالفشل في هذه الانتخابات التي فاز فيها إمام أوغلو مرتين بعد أن أعيدت مرة أخرى في شهر يونيو من نفس العام.

انتصارات زائفة لتهدئة الداخل التركي

يعاني الرئيس التركي من العديد من الأزمات سواء الخارجية أو الداخلية، فخارجيًا يأتي انخراطه غير مأمون العواقب في الأزمة الليبية والخطوط الحمراء التي فرضتها مصر في الميدان الليبي كأهم ما يؤرقه، فضلًا عن علاقاته المتدهورة مع الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا واليونان وقبرص على خلفية الانتهاكات التركية المستمرة في منطقة شرق البحر المتوسط، واعتراض السفن الفرنسية واليونانية هناك.

أما داخليًا، فالاقتصاد التركي يعاني تراجعًا حادًا بعد أن ازداد الدين العام بنحو 44 مليار دولار في الفترة بين شهري يناير ومايو من العام الجاري، والتراجع الكبير في سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار لتسجل 6.8 ليرة للدولار. هذا بجانب الآثار التي خلفتها جائحة كورونا، وهو ما زاد من حالة الغضب الشعبي تجاه إدارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي سبب إخفاؤها انتشار الفيروس في البلاد في بداية الأمر إلى تفاقم أزمته وخسائره بشريًا واقتصاديًا.

وسياسيًا، إضافة إلى الغضب الشعبي الذي يهدد مستقبل النظام التركي وإمكانية استمراره في أي انتخابات مقبلة، تتسع يومًا بعد يوم دائرة الخلافات والانشقاقات داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم، منتجة حزبين جديدين ينافسان الحزب الحاكم هما حزب المستقبل الذي أسسه رئيس الوزراء السابق وأحد الأضلع الرئيسية في العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو، وحزب الديمقراطية والتقدم الذي أسسه نائب رئيس الوزراء ووزير المالية السابق علي باباجان، وهما الحزبان اللذان سيكونان مع الأحزاب المعارضة التقليدية مثل الشعب الجمهوري -الذي انتزع منه بلدية إسطنبول- تحديًا كبيرًا أمام أردوغان.

وأمام هذا الوضع الصعب، يحتاج الرئيس التركي إلى قضية يسوقها إلى الداخل باعتبارها انتصارًا سياسيًا على الغرب المعادي لتركيا، ويجتذب بها قواعد شعبية كبيرة، ولا يوجد أفضل من ورقة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد التي اعتاد الرئيس التركي اللعب بها لتكون هي القضية التي تحدث ذلك التأثير، خاصة وأن الكثير من الأتراك يرحبون بهذه الخطوة.

ومن ثم يجتذب أردوغان من خلال القرار قواعد شعبية جديدة والحفاظ على القواعد الشعبية الحالية التي يمكن أن تستميلها الأحزاب الجديدة المناوئة لسياسات أردوغان وحزبه الداخلية والخارجية. مبرزًا قراره بأنه استعادة لأمجاد الأجداد العثمانيين، وأنه تعبير عن قوة تركيا، ولذلك قال أردوغان في خطابه “تشير تركيا في كل خطوة اتخذتها في السنوات الأخيرة إلى أن أنها ليست مفعولًا به بل هي فاعل مؤثر في هذا الزمان والمكان”، وأن “إحياء آيا صوفيا هو ذكرى تصميمنا على حماية أمانة شهدائنا والمحاربين القدماء البواسل بأي ثمن حتى لو كلفنا ذلك أرواحنا”.

محرر المسجد الأقصى!

قرار رجب طيب أردوغان بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد لم يستهدف به الأتراك فحسب، بل خاطب به المسلمين في كل أنحاء العالم، ولا سيّما في الدول العربية التي يسعى فيها إلى تسويق نفسه كخليفة عثماني جديد يعيد أمجاد الخلافة العثمانية ويعلي شأن المسلمين، وتسويق تركيا بأنها قوة إسلامية عظمى تجابه القوى الغربية، وتدافع عن حقوقها، وتفرض ما ترتأيه.

يسوق أردوغان هذا القرار باعتباره “إحياءً” لإرث عثماني قديم ضمن حملة العثمانية الجديدة التي يسعى لتحقيقها، ويبرر بها تدخلاته العسكرية في كل من سوريا وليبيا، ومغامراته في شرق المتوسط، يخاطب به المتلهفين لنموذج جديد من الإمبراطورية العثمانية، سواء من الأتراك أو غيرهم.

كما يسعى من خلال القرار إلى الظهور أمام المسلمين بمظهر القائد الإسلامي المظفر غير الخاضع للإملاءات الغربية الذي سيحافظ على كل المقدسات الإسلامية، وأن قراره في آيا صوفيا هو خطوة في طريق تحرير المسجد الأقصى، ولذلك عمد في خطابه إلى التأكيد على “نفس المنطق المطالب بتحويل الفاتيكان إلى متحف وعدم التعبد فيه هو نفسه المصر على بقاء آيا صوفيا كمتحف. والخطوة التالية لذلك ستكون الرغبة في تحويل الكعبة، أقدم معبد للبشرية، والمسجد الأقصى إلى متحف.. اليوم آيا صوفيا منذ أن اُنشِئت وما شهدته فهي اليوم تعيش واحده من نهضتها. نهضة وإحياء آيا صوفيا هي بشارة بأن حرية المسجد الأقصى قادمة لا محالة. إحياء آيا صوفيا، هو صوت أقدام إرادة الخروج من زمن التثبيط والخنوع للمسلمين في كل أرجاء الدنيا. إحياء آيا صوفيا، يشعل بريق الأمل ليس للمسلمين فقط بل لكل المظلومين والمضطهدين والضحايا والواقعين تحت ظلم الاحتلال في كل بقاع الأرض”.

“إحياء آيا صوفيا هو التعبير الجديد الذي نقوله لكل العالم كأمة تركية وكمسلمين وككل البشرية. إحياء آيا صوفيا هو استرجاع لكل الفتوحات في تاريخنا من بدر إلى مالازجيرت ومن نيبولو إلى جناق قلعة. إحياء آيا صوفيا. إحياء آيا صوفيا هو تحية السلام التي أطلقناها من أعماق قلوبنا لجميع المدن التي ترمز لحضارتنا من بخارى وإلى الأندلس”.

Scroll Up