عرض – شادي محسن

ندّدت تركيا بالكتاب الذي عكف على تأليفه مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون، والذي تناول ضمن بعض صفحاته التعامل بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان ونظيره دونالد ترامب، إذ وصفته أنقرة بأنه “مضلل وأحادي الجانب ومخادع”. كما قال مدير الاتصالات في الرئاسة التركية “فخر الدين ألتون” في مجموعة من التغريدات بالإنجليزية: “الكتاب يتضمن تقديمات مضللة وأحادية ومتلاعبة عن محادثات رئيسنا أردوغان” مع ترامب. وأضاف: “من الواضح أن الأوصاف الخاطئة والأكاذيب مدفوعة باعتبارات سياسية داخلية بالإضافة إلى مكاسب شخصية”.

وهو ما دفع المرصد المصري إلى عرض فصول الكتاب الصادر في يونيو 2020، تحت عنوان “الغرفة التي شهدت الأحداث”، والذي يرسم صورة بأن الإدارة الأمريكية تحت رئاسة ترامب مالت إلى تقديم خدمات شخصية إلى رؤساء بعينهم، وبالتالي تربط ترامب تفاعلات خاصة مع الرئيس التركي رجب أردوغان، تحكمها أشكال ملحوظة من الترتيب والتنسيق المتبادل. مما دفع الكاتب “جون بولتون” بالقول إن “ترامب يحرص على تحقيق طلبات أردوغان وخدمته”.

وتحدث بولتون في الفصل السابع الذي يحمل اسم “ترامب يريد الخروج من سوريا وأفغانستان لكنه لا يعرف المخرج” عن العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة خلال فترة وجوده في المنصب، وكيفية تعامل ترامب مع الطلبات المتكررة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول بنك خلق التركي والمقاتلين الأكراد في سوريا.

“بنك خلق” وعمق الاحتيال التركي

يذكر مستشار الأمن القومي الأمريكي أن النظام التركي وقف كثيرًا أمام قضية اتهام الولايات المتحدة للبنك التركي “بنك خلق” بالتحايل على العقوبات الأمريكية على إيران. ويعود ذلك لأمرين: الأول أن البنك محسوب على الدولة ويديره نظام أردوغان، والثاني هو أن الاتهام الأمريكي طال أسرة أردوغان ذاتها بسبب تقارير تذكر أن صهر الرئيس التركي ووزير المالية في حكومته سهّل معاملات تجارية خاصة مع إيران.

وقتها شعر أردوغان بالتهديد، وأن ما يجري هو جزء من مؤامرة تحاك ضده، وهو ما دفعه إلى اتهام المعارض التركي البارز المقيم بالولايات المتحدة “فتح الله جولن” بالوقوف وراء هذه الاتهامات.

لذا يقول الكاتب إن الاتصالات توالت من الرئيس التركي مباشرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وطلب الأول المساعدة من الجانب الأمريكي من أجل حل القضية. ويضيف “إنه خلال اجتماع بين أردوغان وترامب على هامش قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين في 1 ديسمبر 2018، وعد الرئيس الأمريكي بمحاولة مساعدة نظيره التركي في حل المسألة”. على إثرها قدّم أردوغان مذكرة من مكتب المحاماة تمثل البنك التركي، ولم يقم ترامب سوى أنه قلب الورقة وأعلن أنه يعتقد أن البنك التركي بريئا تماما من انتهاك العقوبات الأمريكية على إيران”.

ويوضح بولتون أن ترامب استغل القضية من أجل الهجوم على ما أسماهم المحسوبين على إدارة أوباما وهم المدعين العموميين الذين يتولون التحقيق في القضية، وقال ترامب حينها: “يمكن حل مشكلة القضية التركية باستبدال المدعين العموميين المحسوبين على أوباما بمدعين يرتبطون بنا”. واستكمل ترامب حديثه: “لا أريد أن يحدث أي شيء سيء لأردوغان، وانه سيعمل بجد في هذه القضية”. ويصف الكاتب الأمر بالتصرفات الاعتباطية التي حرص ترامب على إظهارها على غرار سياسات أردوغان الذي قال إن الديموقراطية هي مثل القطار الذي تتحرك به وتنزل منه في المحطة التي تريدها.

يؤكد بولتون في هذا السياق، أن أمر إسقاط قضية بنك خلق التركي غير مرجح الآن، خاصة بعد أن أغرق المدعون العموميون الأمريكيين القضية بالتحقيقات في كشف ملابسات التحايل الذي أجراه البنك على العقوبات الأمريكية ضد إيران.

الملف السوري

يذكر الكاتب أن أردوغان استغل الطبيعة الخاصة للعلاقات بينه وبين ترامب في الملف السوري، إذ اشتكى أردوغان من القوات الكردية في سوريا.

وفي هذا السياق، يوضح جون بولتون أن ترامب أخذ قرار سحبه للقوات الأمريكية من أراضي سوريا وتركها للقوات التركية، متجاهلًا التحذيرات الفرنسية وتحذيرات كبار المسؤولين في حلف الناتو وتحذيرات الإدارة الأمريكية ذاتها ممثلة في وزير خارجيتها “مايك بومبيو” وجون بولتون. واستكمل بولتون في كتابه: “طلب ترامب من أردوغان أن يتسلم مهمة مواجهة داعش في سوريا مقابل أن يعلن البيت الأبيض انتصاره الحرب على داعش في سوريا”. وجاءت التحذيرات الفرنسية حول أهمية عدم التخلي عن القوات الكردية التي تواجه داعش في سوريا، خاصة وأن تركيا لا يجمعها مع الأكراد أي علاقات ودية وبالتالي هناك احتمال أن تتعاون تركيا مع داعش في مواجهة الأكراد، وهو ما اتسق مع تقدير وزير الخارجية مايك بومبيو.

ويشير الكتاب إلى أن أردوغان رغب في طمأنة ترامب إزاء علاقته مع الأكراد، إذ اضطر أردوغان بالقول إنه يحب الأكراد ولكن يظل حزب العمال الكردستاني وقوات قسد الديموقراطية لا تمثلان الأكراد ويتسببان في التلاعب بمصائرهم.

ولكن في موضع آخر، نقل بولتون عن ترامب قوله إن أردوغان لا يهتم بشأن داعش. وأن قرار سحب القوات الأمريكية من شمالي سوريا جاء بعد تنامي أخبار تفيد باستعداد الأتراك بالهجوم على سوريا مدة أشهر عديدة لذا قرر ترامب الانسحاب قبل الهجوم التركي الوشيك على سوريا. لذا طلب ترامب من بولتون أن تحافظ الولايات المتحدة على قدرتها ضرب داعش حتى بعد إتمام الانسحاب الأمريكي.

ونقل بولتون تقديرات المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا “جيمس جيفري” الذي قال الأخير إن الولايات المتحدة لم تكن ترى التحرك العسكري التركي في سوريا غزوا، بل سيطرة على الأرض من أجل حماية أمن تركيا من الهجمات الكردية التي تزعمها، لذا لم نفتح قناة اتصال مع تركيا من أجل حماية أرواح الأكراد من الأتراك. يعزز تلك الرواية حديث ترامب مع بولتون وقوله: “الأتراك والأكراد يتقاتلون منذ سنوات، الولايات المتحدة لن تتشارك في هذه الحرب نحن مهمتنا القضاء على داعش فقط”.

كيف تم إطلاق سراح أندرو برونسون؟

ويقول بولتون إن ترامب قال لأردوغان إنه صديقه الحميم وكل ما يطلبه منه هو إطلاق سراح رجل الدين المسيحي أندرو برونسون، لكن يبدو أنه مع رفض أردوغان الاستجابة لرجاء ترامب شعر الأخير أخيراً بالانزعاج من الرئيس التركي. وقال لأردوغان خلال المكالمة: “إن مسيحيي الولايات يشعرون بالغضب من استمرار سجن برونسون وقد وصلوا لمرحلة الجنون”، فرد عليه أردوغان أن مسلمي تركيا أيضا وصلوا لمرحلة الجنون بسبب الموقف الأمريكي فقاطعه ترامب قائلاً: انهم كذلك في كل أرجاء العالم وهم أحرار بذلك. وخرجت المكالمة عن السيطرة وقال ترامب في أعقابها إن عقوبات كبيرة ستفرض على تركيا ما لم يعد القس إلى الولايات المتحدة.

ويوضح بولتون أن أردوغان كان منزعج هو الآخر من موقف الإدارة الأمريكية إزاء تسليم المعارض “فتح الله جولن” إلى تركيا. وفي هذا السياق، أخبر وفد تركي للإدارة الأمريكية أن على واشنطن عدم القلق فليس في تركيا أحكام بالإعدام.

وبعد فرض عقوبات على وزيري العدل والداخلية التركيين بعد استشارة ترامب، عبر الأخير لبولتون عن عدم ارتياحه لهذه العقوبات لأن فيها إهانة لتركيا حسب رأيه وكان يفضل زيادة التعرفة الجمركية على الواردات الأمريكية من الحديد والألمنيوم من تركيا وهو ما جرى وتم الإعلان عنه لاحقاً عبر تغريدة لترامب.

ويقول بولتون إن كل الجهود الدبلوماسية فشلت في إطلاق سراح برانسون وفي نهاية المطاف كان ما يؤمن به ترامب في محله حول كيفية التعامل مع أردوغان، وهي أن الضغوط الاقتصادية والسياسية فقط كفيلة بإطلاق سراح برونسون وبات ترامب اخيراً لا يمانع في اللجوء إلى هذا الخيار وتحول أردوغان فورًا إلى عدو لدى ترامب بدلا من أقرب صديق على الصعيد الدولي.

وبعدها بأسابيع قليلة أطلق سراح برونسون واستقبله ترامب في البيت وعقد مؤتمرًا صحفيًا أدى خلاله القس الصلاة من أجل ترامب.


Scroll Up