مر الصعب وبقي الأصعب، هذا هو حال المصريين والسودانيين مع الإثيوبيين، في مفاوضات سد النهضة، يلعب آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي بالنار، يناور الجميع في الداخل والخارج، هدفه الأساسي هو الاستئثار بالسلطة، حتى لو تفجرت إثيوبيا في النهاية أو احترقت المنطقة برمتها.
يجري أبي أحمد للأمام، هذه الأيام، بمواجهة الأزمات الداخلية الحادة، يتعنت في مفاوضات السد، حتى يوحد الشعوب الإثيوبية حوله، تتكشف الأعراض السلطوية الاستبدادية لدى صاحب (نوبل للسلام)، مثلما فضحتها جريمة اغتيال المغني الشاب المعارض هاشالو هونديسا، جريمة غامضة قادت لموجة غضب عارم ومقتل نحو 300 شخص بصفوف الأورومو العرقية التي ينتمي إليها آبي أحمد نفسه، واعتقل جوهر محمد أبرز معارضي رئيس الوزراء، ونقل عن جوهر قوله: أنا أورومي قبل أي شيء، وإثيوبيا (فُرضت) علينا، داعيا إلى الحكم الذاتي لأقاليم إثيوبيا؛ لأن البديل هو تفكك الدولة، ودعمته حركة شباب (كيرو) الأرومية، وهي الرؤية التي كان يميل إليها وزير الدفاع ليما ميغيرسا، وهو أيضا أورومي، وكان جوهر محمد يريده هو رئيسا للوزراء، من قبل، بدلا من آبي أحمد، كما شهدت منطقة غرب أوروميا عودة نشاط أنصار الزعيم المتمرد كومسا دريبا الذي يطالب بالانفصال عن إثيوبيا، ويقود حركة مسلحة من الغابات، كل ذلك يبرهن على فشل سياسات آبي أحمد ورؤيته الوحدوية: (تعالوا نصطف معا).
تتشكل الشعوب الإثيوبية من 80 عرقية، أكبرها الأورومو والأمهرة والتيجراي، وبرغم ذلك تظل أقلية عددية في صورة تحالف ثنائي من الأمهرة أو التيجراي هو الحاكم المسيطر على بقية الطيف الإثيوبي، في صراع دائم مع بقية مكوناته العرقية، نخبة التيجراي والأمهرة تمثل (الدولة العميقة) التي تتحرك في الخفاء ضد آبي أحمد أول رئيس وزراء من الأورومو. ليس هذا فقط، فقد حذرت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير، هذا الأسبوع، من النزاع المرير علي الأراضي بين التيجراي والأمهرة، لافتة إلى أنه ربما يتطور لصراع بينهما، مؤكدة أن حكومة إقليم تيجراي تسلح نفسها مع دعوات انفصالية، وأوضح التقرير أن المواجهة بينهما ستدفع الجيش الإثيوبي للتدخل، حينها تنكشف الشقوق العرقية في الجيش نفسه، ما يهدد اللحمة الوطنية بالتمزق؛ خاصة أن المادة 39 من الدستور منحت الأمم والقوميات الإثيوبية الحق في تقرير مصيرها بنفسها، بما فيه الانفصال. هكذا تتأرجح إثيوبيا بين الدولة العميقة والدولة الهشة؛ فتهرب إلى الأمام في صورة دولة مارقة على القانون الدولي والإنساني، تنعكس تداعيات الاضطراب الداخلي، سلبا، على مُجريات أزمة سد النهضة المتفاقمة.
من ثمّ ينبغي لمصر والسودان رفض أي اتفاق جزئي أو ترحيل القضايا في دهاليز الاتحاد الافريقي (الموالس) مع أديس أبابا، فكيف نأمن تحكم دولة بهذه الهشاشة، في مصير 150 مليون مصري وسوداني، إن محاولة إثيوبيا إغراء السودان بعقد (اتفاق صوري)، مقابل تزويدها بثلاثة آلاف ميجاوات من كهرباء السد، سيكون أكبر خدعة في التاريخ، لأن السد لن يولد سوى ألفي ميجاوات(!!). إنه المكر الإثيوبي؛ يكفي أن إريتريا أعلنت السبت الماضي أن إثيوبيا لم تحترم تعهداتها بإعادة أراضيها المحتلة، بعد عامين على الاتفاق الذي كان سببا في حصول آبي أحمد على (نوبل).
على السودانيين والمصريين إدراك أن الصراع سوف يشتد، إن لم يشتعل، بسبب الصلف الإثيوبي، لذلك نحتاج للوعي والرشد بكل خطوة، وإذا كانت قوى إقليمية ودولية تقف بالخندق الإثيوبي، فإن هذا ينبغي ألا يخيف أو يغرى بالتراجع، العكس هو الصحيح؛ فالتراجع ثمنه أفدح من المواجهة؛ لأنه يجعلنا ضحايا بلا ثمن.
تفاوضت مصر، سنوات, قبلت فوق ما تحتمل؛ تفهما لمطالب الأشقاء الإثيوبيين في التنمية, هي لا ترغب بإثارة نزاع بين شعوب يربطها الدم والعقائد والتاريخ والجغرافيا. اتجهت للوساطة الأمريكية وقبلت بنتائجها حين تهربت إثيوبيا، ثم لجأت لمجلس الأمن، لإنعاش فرص الوصول لاتفاق عادل ملزم. لكن الحسابات الإثيوبية الخاطئة، تربط وادي النيل بحبال النار، ترى حقوق دولتي المصب أعرافا بائدة, وكأن الحاجة للطاقة أو بيع المياه تبرر عطش المصريين- قتلهم- لاتزال مصر تتبع الدبلوماسية. ولو أن صاحب القرار الأثيوبي فكر- للحظة- أن المصريين تعاملوا بحسن نية؛ حتى أفرغوا ما جعبتهم من أوراق السياسة، وتخيّل أصعب ردّ فعل مصري, يشتهيه مائة مليون متحفزين لتحرير نهرهم الأسير، لربما تخلى الإثيوبي عن عنجهيته، قبل أن تُغلق نافذة الفرص!.

“نقلا عن صحيفة الأهرام”

Scroll Up