في حلقة جديدة من حلقات مسلسل التصعيد الصيني – الأمريكي، أو ما يطلق عليه البعض “حرب باردة جديدة” تلوح في الأفق قضية أخرى لا تقل أهمية عن مسألة الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية. حيث تتأزم وتتعقد العلاقات بين القوتين العظميين على مُختلف الأصعدة الاقتصادية والسياسية. 

فالصين غير الراضية عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة سعي الأخيرة لاحتواء بكين من خلال صياغة استراتيجيات في منطقة اّسيا والباسيفك تحديدًا، من أجل الوصول إلى أهدافها ومصالحها في المنطقة، إضافة لقيام واشنطن بعقد صفقات أسلحة مع تايوان، وتعزيز وجودها العسكري في أفغانستان، إضافة لسعيها للتدخل في باكستان، كما عززت من تحالفها العميق مع اليابان. إضافة للقيود الجمركية التي فرضتها الإدارة الامريكية الحالية علي السلع والبضائع الصينية في حلقة أخرى من حلقات الصراع بين بكين وواشنطن. إضافة للاتهامات المتبادلة بين الطرفين، حيث ينظر كل منهما للآخر بأنه السبب في ظهور فيروس كورونا المُستجد، وقد أطلق عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مُسمى “فيروس الصين” في إشارة صريحة لاتهام بكين بمسؤوليتها عن تفشي هذا الوباء.

الحلقة الراهنة من حلقات التوتر والصراع بين بكين وواشنطن عنوانها “هونج كونج”، نتيجة إقرار الصين في 30 يونيو 2020 “قانون الأمن القومي” المثير للجدل، وسط مخاوف من مصادرته لهامش الحريات والديمقراطية في إقليم هونج كونج الذي ظل يتمتع بحكم شبه ذاتي منذ مغادرة البريطانيين له في عام 1997. الولايات المتحدة بدت غاضبة من هذا الأمر وهددت على لسان رئيسها دونالد ترامب بأنها سترد بقوة إذا واصلت الصين خططها لفرض القانون الجديد على هونج كونج.

أهمية هونج كونج للصين

منذ أواخر تسعينيات القرن المنصرم، وتحديدا عام 1997، شهدت مدينة هونج كونج والتي تبلغ مساحتها حوالي 428 ميلًا مربعًا، تحولًا دراماتيكيًا في وضعها القانوني، إذ تخلت بريطانيا رسميًا عن المنطقة لصالح الصين، في مقابل احتفاظ المنطقة بجانب من الاستقلالية، كنظام رأسمالي وفتح الموانئ مجانًا أمام التجارة العالمية لمدة 50 عامًا، أي حتى عام 2047م. وبناءً عليه احتفظت هونج كونج باستقلاليتها كمنطقة إدارية خاصة، تتبع جمهورية الصين فيما يتعلق بمسائل الشؤون الخارجية والدفاع. إلا أنها أضحت مركزًا ماليًا عالميًا يوازي لندن ونيويورك، وذلك بمقتضى الاتفاقات التي وقعتها المدينة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، حيث أدت هذه الاتفاقات إلى ضمان التنقل المتبادل دون تأشيرات، مع ربط العملة بالدولار الأمريكي، وحيازة رابع أكبر بورصة في العالم، إضافة إلى قوانين تسهل الأعمال التجارية والحمايات الضريبية والقانونية، ليؤدي كل ذلك إلى ازدهار المدينة ودوران عجلة التجارة، إذ يقدر عدد المقرات الرئيسية للشركات الأمريكية الموجودة في المدينة بنحو 300 شركة إلى جانب حوالي 434 مكتبًا إقليميًا لشركات أمريكية. ومن هذا المنطلق حظيت هذه المنطقة بأهمية خاصة لدى الإدارة الصينية.

يرى المعارضون أن إقدام بكين على اصدار قانون الأمن القومي الصيني مؤخرًا يضرب بهذه المسائل عرض الحائط ويٌهدد استقلال الإقليم والحريات الممنوحة لأفراده.

فما هو هذا القانون؟ وماذا يتضمن؟ وما هي دوافع الصين لإصدار هذا القانون؟ ودلالات توقيت الإصدار؟ وكيف تبدو المواقف الدولية والموقف الأمريكي إزاء هذا الأمر؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في السطور القادمة.

أقر البرلمان الصيني في 30 يونيو 2020 تشريعًا للأمن القومي في هونج كونج ما يُمهد الساحة أمام تغييرات في المُستعمرة البريطانية السابقة، تبدوا هي الأكبر منذ عودتها للحكم الصيني قبل قُرابة 23 عامًا. يأتي هذا بعد مرور عام على مظاهرات ضخمة شهدها إقليم “هونج كونج” ضد سُلطة الحكومة المركزية في عام 2019. وباعتماد هذا القانون تكون بكين قد تجاوزت سُلطات المجلس التشريعي في هونج كونج، الأمر الذي يُثير مخاوف المُعارضة في المدينة من تراجع غير مسبوق في الحريات. 

ماذا يتضمن قانون الأمن القومي الصيني المثير للجدل؟

يتضمن هذا القانون عددًا من البنود منها: 

  • قمع الأنشطة الانفصالية والإرهاب والتخريب والتآمر مع قوى أجنبية وخارجية.
  • وفقًا لهذا القانون سيتعامل مكتب جديد في هونج كونج مع قضايا الأمن القومي بالإضافة إلى أنه سيكون له أيضًا أنشطة أخرى مثل الإشراف على التعليم حول الأمن القومي في مدارس هونج كونج. الأمر الذي دفع السلطات المحلية في الإقليم لتنقيح وإزالة أيَ كتاب مدرسي يُمكن أن ينتهك مضمونه قانون الأمن القومي أو يتضمن انتقادات للحزب الشيوعي الصيني.
  • كما سيتعين على المدينة وفقًا للقانون، إنشاء لجنة الأمن القومي الخاصة بها لتطبيق القوانين مع مُستشار تُعينه بكين.
  • كما سيسمح القانون للرئيس التنفيذي في هونج كونج بسلطة تعيين “القُضاة” للنظر في قضايا الأمن القومي. وهي الخطوة التي أثارت مخاوف عِدة بشأن استقلالية القضاء. 
  • كما سيكون لبكين وفقًا للقانون سُلطة تفسير القانون. وإذا كان القانون يتعارض مع أي قانون في هونج كونج فإن الأولوية ستكون لقانون بكين.
https://aawsat.com/sites/default/files/diagrams3/afp_1uc6iq.jpg

كيف سيغير هذا القانون هونج كونج؟

يخشى معارضو القانون أن يُستخدم هذا الأمر لقمع أي مُعارضة وإنهاء الوضع شبه الذاتي الذي تحظي به المدينة وتقويض الحريات التي يتمتع بها سُكانها.

في السياق ذاته عبَر المدافعون عن الديمقراطية في المدينة عن استيائهم، وتعتبر المُعارضة المٌطالبة بالديمقراطية في هونج كونج ودول غربية عِدة بينها الولايات المُتحدة الأمريكية إلى جانب مجموعة السبع والاتحاد الأوربي أن هذا القانون يُشكل هجومًا على الحكم الذاتي والحريات التي تُميز هونج كونج عن بقية الصين، وساعدت في تحديد طابع المدينة.

كما يُقدر الناس في هونج كونج الحريات المدنية مثل (حرية التعبير وحرية الحق في الاحتجاج والقضاء المُستقل والقوي). لذلك يرى النُقاد أن هذا القانون يُشكل تهديدًا كبيرًا لهوية الإقليم، ويحذرون من أن ذلك سيقوض الاستقلالية القضائية للمدينة وبدمر الحريات الفريدة للمدينة التي لا تُرى في الصين على حد قولهم.

دوافع الصين لإصدار هذا القانون

تؤكد بكين أن القانون يُعد ردًا على احتجاجات مُطالبة بالديمقراطية خرجت في هونج كونج عام 2019، كانت ترفض أي سيطرة فيما يتعلق بُمحاكمة متهمين في هونج كونج ونقلهم إلى الصين. وتحول بعضها إلى العنف. وهذا القانون يقضي بمعاقبة ما يصفها بالأنشطة “الانفصالية” و”الإرهاب” و”التخريب” و”التآمر مع قوى خارجية وأجنبية”. 

وهذا يعكس توتر العلاقات بين الصين والإقليم، ويبدو أن بكين قد ضاقت ذرعًا بهذه الإضرابات ومن ثم لجأت لاعتماد هذا القانون لتقنين وضع الحقوق والحريات في هونج كونج. تُدافع الصين بأن هذا القانون ضروري لُمعالجة الإضرابات وعدم الاستقرار في المدينة، كما ترفض الانتقادات باعتبارها تدخلًا في الشؤون الداخلية.

دلالات توقيت إصدار هذا القانون

ربما تحاول بكين استغلال ظروف جائحة فيروس كورونا المُستجد، وانشغال العالم بهذه الجائحة في محاولة للسيطرة ومنع تفاقم أي مظاهرات وخروج الأمر عن السيطرة خاصة مع عودة الاحتجاجات.

الأمر الآخر أن الصين تُسابق على منع أي تدخلات خارجية خاصة التدخلات الأمريكية، حيث تتهم الصين الولايات المتحدة الأمريكية بدعم المُتظاهرين في هونج كونج، واحتمال أن تفرض واشنطن أيضًا عقوبات اقتصادية على الصين فيما يتعلق بهونج كونج، ولذلك تريد الصين استباق كل هذه الأحداث بفرض واقع جديد بمنع التظاهرات.

سبب آخر، وهو خشية الصين من أن ترك – هونج كونج – يؤدي لتطور الأوضاع بشكل يصعب السيطرة عليه، ويكون مصير هونج كونج هو ذات مصير تايوان ومناطق أخرى في الصين سعت وتسعى للاستقلال. وبالتالي هي محاولة للسيطرة من جانب بكين على الأوضاع ومنع تفاقمها بما يؤدي إلى الخروج عن السيطرة.

إذن من خلال إصدار هذا القانون تسعى بكين لحماية نفسها من أي شكل من أشكال “الانفصال”، والحماية ضد الإرهاب، وهذا سيكون من خلال تواجد أمني صيني قوي في الإقليم، وحماية الإقليم من أي التدخل الأجنبي على حد قولها. 

هل يُهدد القانون الصيني الجديد مركز هونج كونج المالي العالمي؟

كان إقليم هونج كونج سابقًا نموذجًا للنجاح المرتبط بأفكار الاقتصاد الحر والعولمة. لكن وبعد إصدار قانون الأمن القومي يتوقع البعض أن تخسر هونج كونج مركزها المالي في اّسيا لصالح مقاطعات أخري مثل شنغهاي، أو بلدان أخرى في اّسيا مثل سنغافورة.

فعلى مدى العقدين الماضيين ومع صعود الصين لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، قامت هونج كونج بتنمية دورها وبمهارة لتحتل منطقة الوسط، حيث أصبحت أهم مركز مالي دولي بعد نيويورك ولندن. كما أصبحت بنوكها مركزًا رئيسًا لإقراض الحكومة الصينية لتمويل مشروعها التاريخي الضخم المعروف باسم “الحزام والطريق”، وبات أباطرة التكنولوجيا الصينيون وكبار المستثمرين يتخذون من المدينة مقرًا لهم لممارسة أنشطتهم ودعم علاقتهم بـ “العالم الحر”.

في الوقت ذاته اتخذ كبار الرأسمالين العالميين من المدينة موطئ قدم لدعم علاقاتهم بالعملاق الصيني، محتمين في ذلك بقواعد الحرية الاقتصادية، وبنظام قضائي مستقل وهيئات تنظيمية تشترك مع نظيراتها الغربية في مجموعة القيم والقواعد المنظمة للأعمال، أكثر من ارتباطها بنظرائها في الصين أو حتى المناطق الأكثر انفتاحا في الصين مثل شنغهاي.

ومع إصدار بكين لقانون الأمن القومي الصيني، يبدو بكل تأكيد أن المركز المالي العالمي الذي ظلت تتمتع به هونج كونج سيتأثر بشكل كبير، حيث لن تتمتع المدينة بمعاملة مٌميزة كما كانت في السابق وهو ما سيُشكل ضربة قاصمة للمدينة ووضعها المالي.

أبرز ردود الأفعال حول قانون الأمن القومي الجديد في هونج كونج

تعليقًا على هذا القانون، أعلنت الرئيس التنفيذي لهونج كونج السيدة “Carrie Lam”، تأييدها لهذا القانون، مؤكدة على عدم تأثيره على حرية المواطنين، إضافة لرفض المخاوف حول الاستقرار المحلي.

بينما أكدت وزارة الخارجية الصينية في هونج كونج أن “النظام القانوني المحلي لن يتغير وسيظل القضاء مُستقلًا”.

وفي أول رد فعل لها بعد اعتماد نص القانون عبّرت اليابان عن أسفها من تشريع يقوض مصداقية صيغة “دولة واحدة ونظامان”، في إشارة إلى التغير الجذري الذي يهدد نظام المستعمرة العائدة إلى سلطة يكين قبل 23 عامًا. وأعربت عن مُشاركتها المجتمع الدولي وشعب هونج كونج ما وصفته بـ “القلق العميق” بشأن التشريع.

في السياق ذاته أدان الاتحاد الأوروبي تمرير الصين قانون الأمن القومي، مٌعربًا عن قلقه، وواصفًا القانون الجديدة بمثابة انتهاك للالتزامات الدولية للصين. كما يُخاطر بشدة في تقويض القدر الكبير من الحكم الذاتي الذي تتمتع به هونج كونج، إضافة لتأثيره الضار على استقلال القضاء وسيادة القانون.

ردًا على الخطوة الصينية تعتزم دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 النظر في اتفاقات الترحيل المبرمة مع هونج كونج، وفي ترتيبات منح التأشيرات بعد فرض القانون الذي وُجّهت إليه انتقادات لفرضه قيودًا شديدة على الحريات النسبية التي يتمتع بها هذا المركز المالي الدولي.

بينما أقسى رد فعل هو ما عبًر عنه “جوزيب بوريل” وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، عندما صرَح بأن الاتحاد الأوروبي يدعم الحكم الذاتي والحريات الأساسية، وأنه سيستمر في الوقوف بجانب شعب هونج كونج، وفي رسالة للصين أوضح أن السلوكيات الأخيرة غيَرت القواعد، وهو ما سيترتب عليه مراجعة المقاربة الأوروبية مع بكين، موضحًا أن ذلك القانون سيؤثر على العلاقة بينهما بكل تأكيد.

في ذات السياق أعلنت بريطانيا عن استعدادها لتوفير “مسار للجنسية” للملايين من سكان هونج كونج في حال مضي بكين قدمًا في تطبيق القانون.

الموقف الأمريكي ردًا على القانون

Trump und Xi auf Bildschirm (picture-alliance/AP Photo/A. Young-joon)

أكدت واشنطن أنها تشعر بقلق كبير بشأن هذا القانون، ووصفته “بالكارثي” وأكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أن الولايات المتحدة الامريكية سترد بقوة إذا واصلت الصين خططها لفرض القانون الجديد.

وكانت الخارجية الأمريكية قد أعلنت قبيل إقرار التشريع أنها “لن تُصدَر” إلى هونج كونج أعتدة عسكرية حسَاسة وأنَها لم تعد تتعامل مع هذه المدينة على أنَها كيان مُنفصل عن بكين. كما ألغت وزارة الخارجية الأمريكية الوضع التجاري الخاص الذي كانت تتمتع به هونج كونج كمركز مالي عالمي.

وإذا ما لجأت الصين إلى تطبيق هذا القانون على هونج كونج، ربما تتخذ الولايات المتحدة الأمريكية سلسة من الإجراءات العقابية ضدها ويٌمكن توقع هذه الإجراءات فيما يلي:

  • فرض ضوابط على المُعاملات المصرفية الصينية.
  • تجميد أصول المسؤولين الصينين والشركات الصينية.
  • الحد من إصدار التأشيرات.

من جانبها أعلنت الصين ردًا على التصريحات الأمريكية بشأن هونج كونج أنها ستتخذ “التدابير المُضادة المٌناسبة” ضد واشنطن، واصفة المحاولات الأمريكية لعرقلة مضي الصين في اعتماد قانون الأمن القومي لهونج كونج عبر ما يُسمى بعقوبات “لن تنجح أبدًا”.

إذن يبدو أننا أمام حلقة أخرى من حلقات مسلسل التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، تُضاف لحلقات التوترات السابقة. ويبدو أن الصين عازمة على المُضي قُدمًا في مسعاها بإصدار قانون الأمن القومي حماية لمصالحها الوطنية وضمانًا لأمنها القومي غير اّبهة بعقوبات الولايات المتحدة الأمريكية أو الإدانات الأوروبية. لتُضاف مسألة “هونج كونج” لقائمة التوترات بين البلدين في حرب باردة جديدة، يبدو أن أطرافها يعرفون جيدًا كيفية إدارتها.

Scroll Up