عرض – آية عبد العزيز

شهدت السياسة الخارجية التركية تجاه الشرق الأوسط عددًا من التحولات، من حيث الخطاب السياسي وآليات الممارسة التي أصبحت أكثر ميلًا إلى استخدام القوة العسكرية التي تجلت في تدخلها العسكري في سوريا، وشمال العراق، وإبرام اتفاقية للتعاون العسكري مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، والمشاركة في لعبة توازنات القوى على الصعيد الإقليمي والدولي. بالتزامن مع ضعف التحالفات التقليدية التركية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وانهيار عملية السلام الكردية (2014-2015)، وتراجع حالة عدم الاستقرار الداخلي خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016.

ويرجع ذلك نتيجة مجموعة من المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية التي ساهمت في تشكيل رؤية النخب السياسية التركية لملامح التحرك الخارجي تجاه المنطقة. وعليه يتطرق التقرير المُعنون بـ”المنعطف الجديد في السياسة الخارجية التركية في الشرق الأوسط: انعدام الأمن الإقليمي والمحلي“، لـ “مليحة بنلي ألتونيسك” أستاذة العلاقات الدولية بجامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة. والباحثة غير المقيمة في معهد الشرق الأوسط في واشنطن. والصادر في يوليو 2020 في إطار مشروع “تعزيز بنية أمنية جديدة في الشرق الأوسط” بين معهد الشؤون الدولية، ومؤسسة الدراسات الأوروبية التقدمية. إلى عقيدة السياسة الخارجية التركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، في سياق جغرافي استراتيجي ومحلي متطور، مع توضيح آليات التحرك، وأهدافها، وتداعياتها على المنطقة.

ووفقًا للتقرير بدأت النخب السياسة التركية تنظر إلى تطورات المنطقة على أنها تمثل إلى حد كبير تهديدًا جديدًا للأمن القومي التركي وتطلعاتها الإقليمية. كما عانت تركيا من عدم الاستقرار على طول حدودها مع سوريا والعراق، بما في ذلك الهجمات الإرهابية الواسعة النطاق وتدفقات اللاجئين الضخمة. لذا فقد أصبحت تركيا متورطة بشكل مباشر، بما في ذلك عسكريًا، في الحروب الأهلية المستمرة في سوريا وليبيا.

وعليه تعد العقيدة الجديدة للسياسة الخارجية لحزب “العدالة والتنمية” هي نتاج التفاعلات القائمة في كل من الجوار الجيوستراتيجي لتركيا والتحولات الموازية على المستوى المحلي. كما يعكس الطريقة التي قرأت بها النخبة السياسية في حزب العدالة والتنمية وفهمت بها هذه البيئة الجديدة، التي عكست بدورها ميولها الأيديولوجية وكذلك تحولها.

وأفاد التقرير أن تطورات الثورات العربية وما شهدته من تحولات ساهم في تبني أنقرة عددًا من الأفكار تتجلى في وضع تصورات متزايدة حول التهديدات، علاوة على أمننة القضايا والانخراط في الاستقطاب الجيوسياسي للمنطقة، والدخول في منافسة إقليمية محصلتها صفر، علاوة على زيادة استخدام القوة العسكرية، مع اتخاذ قرارات أحادية الجانب، والتردد في الاعتماد على التحالفات التقليدية، وتحقيق التوازن بين القوى الكبرى مقابل السعي إلى الاستقلال الذاتي.

منافسة إقليمية محصلتها صفر

كشف التقرير أن رعاية تركيا لجماعة الإخوان في المنطقة، وسعيها إلى دور مهيمن إقليمي أدى إلى تدهور العلاقات التركية مع المحور الذي يشمل السعودية والإمارات ومصر؛ إذ كانت المنافسة بين تركيا وهذا المحور تدور في أجزاء مختلفة من المنطقة، ولكن بشكل خاص في الحروب الأهلية في ليبيا وسوريا. فيما يتعلق بالتعاون التركي القطري في الخليج، فقد سعى الجانبان في خلق موطئ قدم لهم في منطقة القرن الأفريقي من خلال تبني سياسة المساعدات الاقتصادية والدعم السياسي. وفيما يتعلق بموقف تركيا من التوجهات الإيرانية فقد كان محدودًا حفاظًا على علاقاتهما القائمة، ومصالحهما المُشتركة. 

ولكن هذه المرحلة من التوافق لم تستمر لوقت طويل، فخلال الفترة ما بعد عام 2016، ظهرت مجموعة من الخلافات بين الجانبين؛ إذ عبرت طهران عن عدم ارتياحها للعمليات العسكرية التركية في سوريا، في حين استنكرت تركيا النشاط المتزايد لإيران والميليشيات التابعة لها في دعم النظام السوري في المناطق القريبة من تركيا. وبالتوازي مع تطورات الأوضاع الراهنة في سوريا، تصاعدت التوترات مع إيران مؤخرًا حول إدلب في عام 2020.

وعلى الرغم من ذلك أصبح البلدان جزءًا من عملية “آستانا” التي بدأتها روسيا في ديسمبر 2016، وآلية القمم القيادية ذات الصلة، عملية سوتشي، التي تهدف إلى تنسيق العلاقات والتوافق بين القوى الثلاث في سوريا.

 في العراق على الرغم من وجود مصالح متباينة والتنافس على النفوذ، تمكن البلدان من تجنب المواجهة المباشرة والمفتوحة. اعتبرت تركيا انسحاب إدارة ترامب في مايو 2018 من الاتفاق النووي الإيراني، “خطوة مؤسفة” وواصلت حوارها مع إيران.

واستكمل التقرير أن تركيا شاركت بشكل عام في منافسة مع القوى الإقليمية في المنطقة. إلا إنها طورت علاقاتها مع قطر بشكل أوثق؛ حيث دعم البلدان جماعة الإخوان في المنطقة، وقامت أنقرة بتأسيس قاعدة عسكرية في قطر في 2015، وتوسعت العلاقات بعد المقاطعة العربية في 2017، بما في ذلك “الزيارات الرسمية، والتعاون العسكري، الأمر الذي ساهم في خلق معضلة أمنية خلال هذه الفترة بين أنقرة والقوى الإقليمية في المنطقة نتيجة تحركاتها.  

زيادة استخدام القوة العسكرية

منذ عام 2016، بدأت أنقرة بشكل متزايد في استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافها التوسعية في سوريا لتأمين حدودها وتطويق القوى الكردية المُتمركزة في الشمال السوري، علاوة على خلق موطئ قدم لها في سوريا للسيطرة على موجات الهجرة غير الشرعية لتوظيفها لخدمة مصالحها. كما انخرطت في ليبيا، كجزء من منافستها مع القوى الإقليمية، علاوة على دعمها لحكومة الوفاق الوطني بالتوازي مع ظهور استكشافات الطاقة في شرق المتوسط، من خلال إبرام مذكرة تفاهم بشأن ترسيم الحدود، وتبعها اتفاق أمني منح “إمكانية نشر الجيش التركي لعناصر تابعين له في ليبيا”.

ووفقًا للتقرير ساهم التدخل التركي في تغير ميزان القوى في ليبيا، وعليه بدأت تركيا في التنقيب عن الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، بما في ذلك في المياه المتنازع عليها قبالة ساحل قبرص، مما زاد من احتمال التصعيد العسكري نتيجة الاستفزازات التركية في شرق المتوسط. 

بالتوازي مع هذا النشاط العسكري، ازداد استثمار تركيا في قطاع الدفاع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تم دعم صناعة الدفاع التركية من قبل الحكومة التركية بتطوير أبحاث الابتكار والتكنولوجيا، كجزء من جهودها لتحقيق الاستقلال الذاتي في قطاع الصناعات العسكرية، علاوة على ذلك وفقًا لرئاسة الصناعات الدفاعية، التي أصبحت مباشرة تحت مكتب الرئيس التركي، بدأت أنقرة في تصدير حوالي ثلث إنتاجها.

عقيدة السياسة الخارجية الجديدة لتركيا

أوضح التقرير أن النخبة السياسة التركية في حزب “العدالة والتنمية”، ترى أن التحولات في هيكل النظام العالمي والإقليمي مكّنت تركيا من الحصول على بعض الفرص، إلا إنها فرضت عليها بعض القيود، وذلك في سياق اختفاء النظام العالمي القديم وتشكيل نظام جديد، إذ لا يمكن لتركيا الاعتماد فقط على تحالفاتها التقليدية لتحقيق مصلحتها الوطنية، ويجب عليها تبني نهج جديد في توجهاتها الخارجية حفاظًا على مصالحها الوطنية.

وهو ما برهن عليه “إبراهيم قالن” أحد كبار مستشاري “أردوغان” والمتحدث الرسمي باسم الرئاسة التركية، قائلًا: “إن العالم أكبر من الولايات المتحدة وأوروبا. وبالتالي، محاولة البقاء فقط في وسط أوروبا هو مفهوم يجب أن نتجنبه”. فيما جادل “برهان الدين دوران” وهو أكاديمي يرأس مركز الأبحاث الموالي للحكومة “سيتا” وعضو في مجلس الأمن والسياسة الخارجية للرئاسة، “بأنه على الرغم من أن تركيا أيدت مؤخرًا روسيا في العديد من القضايا، إلا أن هذا لا يمنع تركيا من انتقاد روسيا بشأن سوريا، أو إدلب على وجه التحديد. 

وتجلى في انتقاد السياسة الروسية في سوريا بصفة عامة وإدلب بشكل خاص من قبل بعض المُقربين من الحكومة التركية؛ حيث لا يزال انعدام الثقة المتبادل. وهو نفس النهج المتكرر في التعاطي مع الولايات المتحدة بشأن أزمات المنطقة. وعليه أصبح التوازن بين الولايات المتحدة وروسيا، وتجزئة الأزمات لتحقيق أكبر قدرة من الاستفادة أحد أهم جوانب السياسة الخارجية التركية تجاه الشرق الأوسط وشرق المتوسط. 

ووفقًا لهذا الرأي، لا يمكن لتركيا الاعتماد على المؤسسات الدولية أو كتلة واحدة من الدول أو حتى حلفائها التقليديين. بالإضافة إلى ذلك توضح النخب السياسة في الحزب أن تركيا أصبحت الآن أكثر استقلالية مع تطبيق عقيدة جديدة للسياسة الخارجية القائمة على التحالفات المُتغيرة. 

وفيما يتعلق بتوجهها نحو الشرق الأوسط، اختتم التقرير بالتأكيد أن سياسة تركيا الجديدة تعكس درجة من الاستمرارية من حيث النظرة العالمية لحكومة حزب “العدالة والتنمية”، ولكنها تتضمن تغييرات في كيفية تنفيذ ذلك في سياق جيوسياسي متغير في الجوار التركي. كما أنها تتبنى خطابًا سياسيًا يُدعّم رؤيتها بإنها محاطة بأعداء وحلفاء تقليديين غير موثوقين، وممزوجًا بالادعاء بأن هناك حملة دولية تستهدف “أردوغان”. لذا يتعين على تركيا تبني استراتيجيات قوية للتعامل مع التهدديدات المُتنامية.

Scroll Up