إن سوريا كما لا يعرفها كثيرون، كانت فيما قبل الحرب، البلاد الخضراء وأرض الخير والأهل الطيب. كانت تُعد واحدة من الدول العربية القلائل التي تملك اكتفاء ذاتي فيما يتعلق بالغذاء. كانت بلادٍ آمنة تتمتع فيها النساء بالحرية والأمن على مدار الساعة. حققت معدلات لا بأس بها من التنمية وبوجه عام كانت سوريا تعيش في رخاء، لكن كل هذه الصورة البهية كانت موجودة فقط فيما قبل أحداث 2011.

المسألة في الحقيقة لا علاقة لها ببشار الأسد والنظام السوري، بقدر ما هي تحمل أبعادً أخرى، أو بمعنى أدق، أن هناك من ثاروا في سوريا لأجل العيش والحرية والعدالة الإجتماعية. بغض النظر عن حقيقة أن ما يبحثون عنه، كان في الحقيقة موجودً في سوريا آنذاك. وهنا يطرح السؤال نفسه، هل يجب أن يدفع شعبًا بأسره ثمن الديموقراطية الأمريكية؟! أو بالأحرى لماذا يجب أن يكون السبيل الى الديموقراطية الأمريكية دائمًا مفروشًا بالدماء ومعبدًا بالرصاص؟!.

وهناك أيضًا اسئلة أخرى، لا تقل أهمية عن السؤالين السابقين، لماذا ثار السوريون من الأساس؟! وهل هؤلاء من ثاروا وحملوا السلاح، هم في الحقيقة ثوار بالمعنى الحرفي للكلمة؟ أو بمعنى آخر هل هؤلاء هُم من ضجوا بالعيش في بلدٍ كانت الحياة فيها تميل بشكل أكبر إلى أن تكون بمثابة قطعة من الجنة على الأرض؟ هل يعقل أن يكون هؤلاء ضجوا من الحياة في ظل نظام الأسد إلى الحد الذي بلغ معه الأمر ضرورة حمل السلاح؟!.

هناك تقرير مثير للإنتباه، نشره موقع نورديك مونيتور بتاريخ 22 يوليو الجاري، تقريرًا سلط من خلاله الضوء بالتفصيل على عملية التجنيد المشتركة التي أشتركت فيها كلاً من تركيا والولايات المتحدة. تقوم العملية على انتقاء العناصر الشابة –السورية- التي يتم نقلها فيما بعد إلى أماكن تخضع من خلالها للتدريبات القتالية، ثم تعود بعد ذلك أدراها الى سوريا لأجل العمل بفاعلية باعتبارها معارضة مسلحة للنظام.

على الرغم من كثرة ما تم تداوله من تقارير شبيهة في هذا السياق، إلا أن من يطلع على هذا التقرير بحد ذاته. قد يفهم حقيقة ما وراء مصطلح–الثوار- السوريون، وطبيعة ما يُحركهم من دوافع. ومن يرجع بالذاكرة إلى الوراء نحو أولى لحظات اندلاع الأحداث في سوريا بالعام 2011، سوف يتذكر بوضوح أن غالبية المظاهرات الحاشدة التي كانت تنطلق في دمشق ومدن سوريا أخرى، كانت في الحقيقة مظاهرات مؤيدة. واستمر الأمر لفترة قليلة قبل أن تبدأ أحداث الشغب والتخريب –بشكل غير مُبرر- في الإندلاع، ثم أخذت الأحداث مآلاتها المعروفة للجميع فيما بعد.

ومن جانبي، أظن أن ما يميز هذا التقرير هو حجم –الألم والأسف- الذي ينتاب من يقرأه منذ الوهلة الأولى، إذ أنه يبدو جليًا كيف أن سوريا في صورتها المستقرة الآمنة قبل الحرب لم تكن مُربحة لصانعي المؤامرات وأصحاب الأطماع، ونرى بوضوح كيف عكفت تركيا والولايات المتحدة على تحويل جيل كامل من الشباب السوري إلى قتلة محترفين ثم قامت بإعادة إرسالهم مرة أخرى الى سوريا لأجل العمل –كمعارضة نشطة مسلحة- والمطالبة بتطبيق الديموقراطية التي في هذه الحالة تعني الفوضى والدماء ولا شيء آخر سوى الفوضى والدماء.

ومر الوقت، ورأينا كيف انقسم الشعب السوري، إما إلى لاجئون، أو منخرطون في صناعة الإرهاب الديموقراطي، أو قابعون في سوريا في ظل مخاوف كبرى من الموت والقصف، وفي الوقت الراهن يمكن أن نُضيف الى هذه القائمة الجوع أيضًا. خاصة بعد تردي الأوضاع المعيشية على المستوى المحلي –بفعل الحرب- وارتفاع معدلات البطالة وارتفاع الأسعار، بالاضافة الى ظروف قهرية أخرى كثيرة يأتي على رأسها انقطاع الكهرباء لساعات ممتدة في كل يوم. وفي نهاية المطاف، من ناحية السوريون يبدو أنه وبعد الحرب التي –لم تنتهي بعد- لم ينجح أحد ولم يربح أحد، سوى الأتراك ومن يقف ورائهم.

وإذا سُأِلت عن أسباب الحرب، أنظر إلى أرباحها. تركيا حصلت على الوقود اللازم للحرب وزجت بهم في منتصف نيران المدافع، وحصلت كذلك على أطماعها في أراضي الشمال السوري. والولايات المتحدة تسيطر في الوقت الحالي على أكثر ما لطالما كان يشغل بالها عبر ساحة المنطقة العربية برمتها وهو النفط السوري. وروسيا وطدت من حجم نفوذها وتدخلاتها في الأراضي السورية. والآن يجب أن نسأل أنفسنا، هل بالفعل ثار السوريون؟ أو بالأحرى هل هؤلاء بالفعل هبوا لأجل الديموقراطية؟!.

إن الحرب التي أفرزت شعبًا ثلثه ميت، وثلثه مُجند، والثلث الأخير جائع وخائف. يستحيل أن تكون تحركت لأجل أسبابً عادلة أو منصفة. والسوريون وحدهم كانوا هُم وقود الحرب وهُم في الوقت نفسه ضحاياها. والآن، هناك سؤال أخير يطرح نفسه. ماذا عن مستقبل أطفال المخيمات؟!

من يزور المخيمات السورية يرى بوضوح تزايد أعداد الأطفال الذين ولدوا في مرحلة ما بعد الحرب، وفي الوقت الذي ينشغل فيه الجميع بالركض وراء مكتسباتهم، نرى بوضوح أن المستقبل الوحيد الذي قد ينتظر هؤلاء سوف يكون بالتأكيد عبارة عن استكمال مسيرتهم في صناعة الحرب، التي يمثلون فيها دور الوقود اللازم لأجل تحقيق الأطماع التركية الأمريكية في البلاد. وإلى متى سوف تستمر هذه العجلة؟! لا أحد في الحقيقة يعلم.

كل ما نعرفه الآن. وكل ما نأسى عليه الآن.، هو أن المنطقة العربية في نسختها الصادرة بعد أحداث –الدمار العربي 2011- لم تعد جل مشكلاتها تتلخص فقط في القضية الفلسطينية فحسب، ولكن صار هناك أيضًا قضية يمنية وقضية سورية وأخرى ليبية. ومن هذا المنطلق، يمكن أن نفهم كيف صغرت قضية فلسطين. وهكذا أيضًا نفهم كيف اعتادت أنظار قراء الصحف من العرب على ترديد وسماع أرقام ضحايا القتلى من العرب في كل يوم، ولم يعد غريبًا أو ملُفتًا أمر شهداء فلسطين.

وختامًا، تذكر أنه إذا كنت ترغب في التشويش على أمرًا أو التقليل من شأنه، اخلق منه نسخً أخرى كثيرة، وحقق من ورائها أرباح تجارية وأرباح استعمارية، وبالإضافة الى ذلك سوف يضمن لك هذا الأمر أن ينسى الناس بشأن هدفك الحقيقي.

Scroll Up