ربما كانت مشاركة وزير الداخلية والأمن الوطني المالطي بايرون كاميليري، في الاجتماع الذي انعقد منتصف الشهر الجاري، في مقر وزارة الدفاع التركية، وضم كلًا من وزير الدفاع التركي خلوصي آكار، ووزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا، مثيرة للتعجب والتساؤل في هذا التوقيت الحرج من الأزمة الليبية، فمالطا التي ربطتها مع ليبيا خلال العقود الماضية صلات اقتصادية واجتماعية قوية انكفأ دورها في الأزمة الليبية بشكل كبير منذ عام 2016، بشكل جعل البعض يرى أن مالطا باتت خارج مجموعة اللاعبين الإقليميين المنخرطين في الملف الليبي، لكن جاءت مشاركة وزير الداخلية المالطي، لتعيد فاليتا مرة أخرى إلى دائرة الأزمة الليبية، ربما في شكل جديد، تكون فيه لاعبًا بديلًا أو خفيًا.

مالطا قبيل 2011 الوجهة السياحية المفضلة لليبيين

كانت مالطا في مرحلة ما قبل عام 2011، تتمتع بعلاقات اقتصادية ممتازة مع ليبيا، فحسب الأرقام المنشورة من جانب مجلس الأعمال المالطي الليبي، بلغت الصادرات الليبية إلى مالطا عام 2010، نحو 34 مليون يورو، في حين استوردت ليبيا من مالطا ما قيمته 85 مليون يورو خلال نفس العام. السياحة في مالطا اعتمدت بشكل أساسي خلال تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الجديدة على زيارات الليبيين إليها، حيث كانت فاليتا هي الوجهة المفضلة للشباب الليبي، نظرًا لقرب الجزيرة من الأراضي الليبية.

وكانت مناطق عديدة داخلها، مثل ميناء (مارساكسلوك)، ومنطقة (سليمة)، منبع جذب لهؤلاء الشباب الذين كانوا ينفقون أسبوعيًا ما بين 2000 إلى 3000 دولار، سواء داخل المناطق السياحية، أو في الفنادق، أو في المحال التي تبيع الهدايا والملابس، وبهذا شكل الليبيون قطاعًا أساسيًا، من قطاعات الدخل المالطي، الذي يعتمد بشكل كبير على السياحة.

عقب سقوط نظام القذافي عام 2011 تقلص بشكل كبير معدل تدفق الليبيين إلى مالطا بغرض السياحة، لكن بسبب ظروف ليبيا الأمنية والمعيشية أصبحت مالطا وجهة أساسية لليبيين الراغبين في العلاج والاستشفاء، أو الراغبين في الدراسة بالجامعات المالطية، ناهيك عن استقرار بعض الليبيين على الأراضي المالطية، وممارستهم لأنشطة تجارية وصناعية متنوعة.

إرهاصات سقوط نظام القذافي فرضت على فاليتا أن تتعامل مع الواقع الجديد في طرابلس من زاويتين، الأولى تقوم فيها بالاستفادة القصوى من كل الفرص الاقتصادية المتاحة، بما في ذلك الفرص (غير الشرعية)، والثانية تحاول فيها الحد من التداعيات السلبية للوضع الليبي الحالي على اقتصادها وحدودها، وعلى رأسها ملف الهجرة غير الشرعية، الذي تفاقم خلال السنوات الأخيرة، وكانت له آثار سلبية على الداخل المالطي.

ملف تهريب النفط … مالطا تستفيد وليبيا تخسر

عقب الفوضى التي ضربت الأراضي الليبية، في أعقاب ثورة فبراير 2011 تكثفت بشكل غير مسبوق عمليات تهريب النفط الليبي باتجاه مالطا ومنها إلى دول أخرى مثل إيطاليا، وقد اتضح مدى استفادة فاليتا من هذا الوضع، بعد صدور تقارير من الأمم المتحدة حول ملف تهريب النفط من ليبيا، وكذلك عدة تحقيقات من جانب الصحافة المالطية حول ضلوع بعض الشخصيات العامة في هذا الملف.

ففي مارس الماضي، كشفت صحيفة (مالطا اليوم)، عن تفاصيل وافية حول سير التحقيقات في القضية المعروفة باسم (النفط القذر)، والتي فجرها عام 2017، مكتب المدعى العام في إقليم (كاتانيا) في جزيرة صقلية الإيطالية، وتورطت فيها مجموعة كبيرة من الأسماء والكيانات في إيطاليا ومالطا، في عمليات تهريب النفط الليبي إلى أوروبا، منها أفراد تابعين لأقوى عائلات المافيا الإيطالية في شرقي جزيرة صقلية، وهي عائلة (إركولانو)، بجانب لاعب كرة القدم السابق المالطي الجنسية دارين ديبونو  والإيطالي الجنسية أورازيو روميو، بجانب المهرب الليبي الجنسية فهمي سليم بن خليفة، ومجموعة من الشركات والبنوك، من بينها شركة (كولمار) السويسرية، وبنك (بي أن أف) المالطي، وشركتي (شال) و(أوشن بلو) المالطيتين، بجانب شركات أخرى مسجلة في جزر (فيرجن) البريطانية في البحر الكاريبي.

وقائع هذه القضية، أشار إلى مقدماتها تقرير للأمم المتحدة صدر عام 2015، تناول عمليات تهريب النفط الليبي في اتجاه مالطا، وقد تشابكت في هذه القضية أنشطة المافيا الإيطالية مع أدوار بعض الشخصيات المالطية والليبية، وفيها تم تهريب كميات هائلة من وقود الديزل، من ليبيا، مرورًا بمالطا وإيطاليا، ووصولًا إلى دول أوروبية مثل إسبانيا، وقد تم إحصاء تهريب كميات تقدر ب 82 مليون لتر من الديزل الليبي، خلال الفترة ما بين يونيو 2015 ويونيو 2016، وهي كميات تقدر قيمتها بنحو 30 مليون يورو.

وقد أشار الخبير الاقتصادي الإيطالي، جيانكارلو إليا فالوري، إلى أن مسارات تهريب النفط في اتجاه أوروبا تبدأ من مصفاة الزاوية وميناء زوارة الليبيين، حيث كانت السفن المالطية، تبحر جنوبًا حتى تصل إلى بعد 60 ميلًا بحريًا من السواحل الليبية، ومن ثم تقوم بإغلاق أجهزة التعقب، وتقوم باستقبال وقود الديزل والمشتقات النفطية من سفن صيد مالطية وليبية، وتنقلها إلى الموانئ المالطية الصغيرة، وذلك بتغطية سياسية وأمنية من مافيا جزيرة صقلية، وبعض المؤسسات الحكومية المالطية.

الدور الحكومي المالطي في تسهيل وتغطية عمليات التهريب هذه، كشفت عنه صحيفة (مالطا اليوم)، في تحقيق تم نشره في مارس الماضي، أفادت فيه أن إحدى الشركات المتورطة في هذا الملف، وهي شركة (كولمار) السويسرية، قامت بتأجير عدة خزانات للنفط في الأراضي المالطية من شركة (أيني ميد) الحكومية بموجب أوراق مزورة زودها بها المهرب الليبي فهمي سليم بن خليفة. حسب التحقيق، تولى عدد من مسؤولي الجمارك المالطية، تمرير شحنات النفط الليبي إلى داخل البلاد، تحت ستار أنها قادمة من المملكة العربية السعودية، مما مكن شركة (كولمار) من تصدير هذه الشحنات إلى أوروبا عن طريق مزجها مع شحنات نفطية شرعية.

وقد كشفت التحقيقات التي أجرتها السلطات الإيطالية أن أفرادًا في وزارة الخارجية المالطية، ساهموا في تزويد الأفراد المتورطين في هذا الملف بوثائق مزورة تؤكد أن منشأ شحنات النفط، هو المملكة العربية السعودية.

هذا الملف، كان قد تناوله، عدد كبير من الصحفيين الاستقصائيين، اغتالت المافيا بعضهم، مثل الصحفية (دافني غاليزيا)، التي سلطت الضوء قبل اغتيالها في أكتوبر 2017، على أوجه استفادة بعض السياسيين والتجار المالطيين، من الأوضاع الجارية حاليًا على الأراضي الليبية، وهذا يشمل تدفقات مالية كبيرة من طرابلس، في اتجاه مالطا، واستخدام عوائد تهريب النفط، في تمويل الميليشيات الليبية. كما فجرت هذه الصحفية أيضًا، فضيحة أسمتها (فضيحة الجرحى)، والتي فيها كشفت النقاب عن عمليات تمت على مدار سنوات، تم فيها الحصول على ملايين من الدولارات من الحكومة الليبية عن طريق وسطاء مالطيين، لقاء خدمات طبية (وهمية) قدمتها المستشفيات المالطية للجرحى الليبيين من جراء المعارك.

ملف الهجرة غير الشرعية … فاليتا تحاول درء المخاطر

على الرغم من انخفاض أعداد المهاجرين الذين وصلوا إلى الأراضي المالطية في الفترة بين عامي 2014 و2017، وذلك بسبب تولى إيطاليا مسؤولية معالجة أزمة الهجرة، لكن منذ انتخاب حكومة جوزيبي كونتي في روما عام 2018 تصاعدت أعداد المهاجرين الواصلين إلى فاليتا بشكل ملحوظ، وذلك بسبب إغلاق روما موانئها أمام عمليات استقبال المهاجرين وإنقاذهم، وتراجع نشاط عملية (إيريني) البحرية. وهذا أدى إلى تفاقم الأعباء المترتبة على مالطا، من جراء هذا التدفق المستمر للاجئين إليها.

تشير الأرقام الرسمية، إلى أن مالطا استقبلت 4054 مهاجرًا خلال عام 2019، لا يزال 2795 منهم على أراضيها حتى الآن، كما استقبلت في النصف الأول من العام الجاري، 1400 مهاجر، وبات المهاجرون غير الشرعيين، يمثلون واحدًا بالمائة من سكان مالطا.

وقد نشرت صحيفة (مالطا اندبندنت)، في نوفمبر 2016، بعض التفاصيل المستقاة من تقرير مسرب للاتحاد الأوروبي حول نتائج الأشهر الستة الأولى من عملية (إيريني) لمكافحة الهجرة غير الشرعية، ووفقا لهذا التقرير، يتم استيراد القوارب المطاطية التي يتم استخدامها في عمليات التهريب من الصين، ومن ثم يتم شحنها إلى مالطا وتركيا.

وقد سبق واعترضت السلطات الجمركية في مالطا حاويات تحمل زوارق من هذا النوع، قبل تصديرها إلى مدينة مصراتة الليبية، لكنها لم تصادر الحاويات، وسمحت بتصديرها في النهاية. ويضع التقرير تقديرات أولية، للمدخولات المالية التي يحصل عليها المهربون سواء في ليبيا او مالطا، تقدر بنحو 300 مليون يورو.

وبدأت مالطا، أواخر عام 2018، محاولة التوصل إلى اتفاق مع حكومة الوفاق الليبية، تسمح لحري السواحل التابع لمالطا، من اعتراض قوارب المهاجرين، بالتعاون مع حرس السواحل الليبي، وقد نشر موقع (تايمز أوف مالطا)، في نوفمبر 2018، تفاصيل حول تفاوض الجانبين حول هذا الاتفاق الذي قاده من الجانب المالطي نيفيل جافا المسؤول الحكومي المثير للجدل، الذي عمل سابقًا في وزارة الصحة المالطية، والعقيد كلينتون أونيل مدير الاستخبارات العسكرية في الجيش المالطي، والسفير المالطي في ليبيا، وشارك من الجانب الليبي، نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، أحمد معيتيق.

لم يسفر هذا الاجتماع عن نتائج واضحة، رغم ما أشيع عن التوصل خلاله لاتفاق بين الجانبين، حول التعاون في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية، لكن أثار هذا الاجتماع جدلًا كبيرًا بسبب مشاركة نيفيل جافا، الذي كان مسؤولًا في وزارة الصحة المالطية عام 2016، حين تفجرت فضيحة تلقى بعض مسؤولي الوزارة رشى من أجل إصدار تأشيرات طبية لبعض الليبيين.

تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية خلال السنوات الماضية، دفع فاليتا في أبريل الماضي، إلى مطالبة الاتحاد الأوروبي بمنحها حزمة مساعدات مالية، بقيمة مائة مليون يورو، لمساعدتها في تفادي نشوء كارثة إنسانية بين النازحين الليبيين على أراضيها، خاصة وأن مالطا أغلقت في هذا التوقيت موانئها أمام قوارب المهاجرين، بعد امتلاء كافة المعسكرات الخاصة بهم. عقب ذلك، قامت مالطا بسحب مشاركتها في عملية (إيريني) الأوروبية الخاصة بمراقبة تطبيق حظر توريد الأسلحة إلى ليبيا، بعد أربعة أيام فقط من بدء العمليات الفعلية، وذلك احتجاجًا على ما اعتبرته فاليتا إخفاقًا من جانب الاتحاد الأوروبي، في مساعدتها للتعامل مع أزمة اللاجئين على أراضيها.

تركيا تعيد الزخم إلى دور مالطا في ليبيا

ساهمت تركيا بشكل كبير في إعادة دور مالطا في الأزمة الليبية إلى زخمه السابق، حيث كانت فاليتا قد رعت جانبًا من المشاورات السياسية، قبيل توقيع اتفاق الصخيرات السياسي، وذلك باحتضانها اجتماعًا غير مسبوق في ديسمبر 2015 جمع بين رئيس المؤتمر الوطني العام نوري أبو سهمين، ورئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح. لكن توقف دور فاليتا خلال السنوات اللاحقة، خاصة على المستوى السياسي، إلى أن لوحظ تصاعد في علاقاتها مع أنقرة وحكومة الوفاق، فقد زارها وزير الدفاع التركي خلوصي آكار، ورئيس أركانه يشار غولر، عقب زيارته لغرب ليبيا هذا الشهر، والتقى هناك وزير الأمن القومي والداخلية، بايرون كاميليري، ورئيس الأركان جيفري كورمي. 

كما التقى في نفس الشهر، وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، مع إيفاريست بارتولو وزير خارجية مالطا، وقد كان لافتًا إشارة أوغلو إلى أن حجم التجارة بين البلدين العام الماضي بلغ 1.2 مليار دولار، وباتت تركيا تحتل المرتبة الثانية في حجم الاستثمارات الدولية بمالطا. يضاف إلى هذا كله، اللقاء السابق ذكره، في مقر وزارة الدفاع التركية، والذي جمع بين وزير الداخلية والأمن الوطني المالطي بايرون كاميليري، ووزير الدفاع التركي خلوصي آكار، ووزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا.

أنقرة كانت خلف الاتفاق الذي وقعته حكومة الوفاق مع الحكومة المالطية في يونيو الماضي، من أجل إنشاء مركزي تنسيق مشتركين لمواجهة الهجرة غير الشرعية، على أن تتم إقامة هذين المركزين بتمويل من مالطا. وينص الاتفاق، الذي تبلغ مدته ثلاث سنوات، على أن تقدم فاليتا اقتراحًا للمفوضية الأوروبية من أجل السماح بزيادة الدعم المالي المقدم إلى حكومة الوفاق الوطني في طرابلس لتمويل عمليات اعتراض المهاجرين قبالة سواحلها، وتمويل عمليات تفكيك شبكات الإتجار بالبشر، وشراء المعدات البحرية الضرورية لتنفيذ هذه العمليات. وقد زار رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج، أوائل يوليو الماضي، العاصمة المالطية فاليتا، من أجل تدشين هذا الاتفاق، والبحث في إمكانية تفعيل التعاون الاقتصادي مع مالطا، خاصة أنه توجد اتفاقية سارية للازدواج الضريبي بين البلدين.

العلاقة التركية – المالطية، ربما تضع بذور الشك في توجهات فاليتا حيال ليبيا خلال الفترة المقبلة، فصحيفة (لافينيري) الإيطالية المرتبطة بدوائر الفاتيكان نشرت في مايو الماضي خبرًا حول احتضان العاصمة المالطية لاجتماع سري بحث خطة لتقسيم الأراضي الليبية، وهذا يتقاطع مع أنباء أخرى نقلتها الصحافة المالطية حول رغبة تركية في أن يكون لها وجود بحري عسكري دائم في موانئ مالطا، وهذا لو وضعناه جنبًا إلى جنب، مع التحليقات المستمرة لطائرات الاستطلاع التركية (أي-7تي)، في النطاق الرابط بين جزيرة مالطا وغربي ليبيا، نستطيع أن نتوقع تطورات دراماتيكية مقبلة في الملف الليبي، قد تشمل توقيع اتفاقية للحدود البحرية بين طرابلس وفاليتا، وقد ينتج عنها وقوع دولة أخرى من دول الناتو، ما بين العصا والجزرة التركية.

Scroll Up