أعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية (29 يوليو 2020) تسجيل 8 حالات وفاة بفيروس كورونا لترتفع حصيلة الوفيات في إسرائيل إلى 490 حالة، وتسجيل 1,856 إصابة جديدة وبهذا ترتفع حصيلة الإصابات إلى 66,805 إصابة.

يتزامن مع أرقام جائحة كورونا في إسرائيل، مشهد سياسي مضطرب انعكس في والمظاهرات الآخذة في التزايد في تل أبيب (ميدان رابين الميدان الرئيسي في المدينة)، والقدس ثم امتدت إلى 170 تقاطعا حول إسرائيل حسب صحيفة هآرتس، والتي وصفها رئيس الكنيست “ياريف ليفين” بالمهددة للأمن في إسرائيل “وأن هدفها هو التحريض الوحشي”. يدفع المتظاهرين الإسرائيليين عدة عوامل منها رفضهم لسياسات الحكومة الإسرائيلية تجاه إدارتها لأزمة كورونا. 

لماذا يتظاهر الإسرائيليون؟

حضر ما لا يقل عن ستة آلاف متظاهر إسرائيلي في القدس وحدها، تحرك أربعة آلاف منهم في مسيرة وصلت إلى مقر إقامة رئيس الوزراء، يدفعهم مجموعة من العوامل المتعددة التي قادت إلى تحريكهم ضد حكومة نتانياهو، يمكن أبرز أهمها فيما يلي:

(أولا) الدفاع عن الديمقراطية: يرى قطاع من المجتمع الإسرائيلي أن توقيع نتانياهو زعيم حزب الليكود وبيني جانتس زعيم أزرق أبيض اتفاقا ائتلافيا بتشكيل حكومة هو تجاوز لحدود الديموقراطية في إسرائيل. ويعود ذلك لسببين: 1- هو أن الاتفاق يمنح نتانياهو فرصة النجاة لأنه التفافا سياسيا على قضايا الفساد التي تورط فيها والتي بموجبها من المقدر أن تودعه السجن. 2- أن الاتفاق يعد معرقلا لأداء المؤسسات في إسرائيل على رأسها محكمة العدل العليا التي لا ترغب في شلّ الحياة السياسية في إسرائيل ومن ثم تستمر في تحييد قراراتها بعدم مشروعية تكليف نتانياهو بتشكيل الحكومة.

ظهر هذا القطاع في بروز دور حركة “الأعلام السوداء” في مارس 2020 التي أصبحت شرارة التظاهر في إسرائيل. ابتدأت الحركة بمشاركة 2000 متظاهر أمام مقر رئاسة الوزراء رافعين لافتات “وزير الجرائم والفساد” في إشارة إلى نتانياهو وقضايا الفساد التي تلاحقه.

C:\Users\DELL\Desktop\efefa3ba-4659-492e-a334-3783339c54ce.jpg

تظهر أحد اللافتات المستشار القانوني للحكومة “أفيخاي مندلبلت” الذي رفض تقديم مذكرة اتهام ضد نتانياهو

המחאה בירושלים // צילום: אורן בן חקון

(ثانيا) التداعيات الاقتصادية: هبطت إسرائيل إلى أعماق أزمة اقتصادية غير مسبوقة. إذ أفادت دائرة الإحصاء المركزية في إسرائيل يوليو 2020 بأن الاقتصاد الإسرائيلي انكمش بـ 6.9% في الربع الأول من 2020، متوقعا أن يصل إلى 8% في النصف الأول من العام. ومعدل بطالة في إسرائيل هو الأعلى بين البلدان المتقدمة إذ تقول البيانات الرسمية في مايو 2020 أن عدد العاطلين عن العمل يصل إلى 866 ألف ما يوازي 21.2%، فيما جاء في نشرة البنك المركزي الإسرائيلي أن عدد العاطلين 972 ألف (بتاريخ 16 إبريل). ولكن تشير المؤسسات الحقوقية اليسارية في إسرائيل أن عدد العاطلين يصل إلى 2 مليون مواطن إسرائيلي، وتعزو ذلك إلى أن المؤسسات الحكومية مثل وزارة المالية، وجهاز التوظيف التابع للوزارة لم يعلنوا عن بيانات محدثة منذ شهر مايو. يُدلل على ذلك العناوين التي تنشرها الصحف الاقتصادية في إسرائيل والتي تسأل “كيف لنا ألا نعلم حتى الآن الأعداد الحقيقية لعدد العاطلين في إسرائيل؟”.

מיידים אבנים ומשליכים כיסאות: תיעוד המהומות בהר הבית | חדשות 13

اشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية والمتظاهرين (القدس)

(ثالثا) جائحة كورونا: تثير سياسة نتانياهو في احتواء جائحة كورونا غضب الإسرائيليين الذين يواجهون موجة ثانية من فيروس كوفيد-19 المستجد تظهر أرقامها بشكل يثير القلق إذ تتسارع الزيادات في الأرقام باطراد يوميا (1065 إصابة في 27 يوليو، بينما 1856 إصابة في اليوم التالي 28 يوليو). 

ويرى قطاع كبير من المجتمع الإسرائيلي أن إعلان نتانياهو انتصاره على جائحة كورونا كان “زائفا”، هدف منه (أي نتانياهو) إلى منح مساره السياسي دفعة قوية من أجل الانتصار السياسي على خصمه الذي يتقاسم معه الحكومة “بيني جانتس”.

להבות במרכז תל אביב // צילום: דוברות המשטרה

لماذا تفاقمت أزمة كورونا في إسرائيل؟

يرى “نير زيلبر” الباحث في معهد واشنطن أن أهم عوامل “فشل حكومة نتانياهو في إدارة أزمة كورونا” هو التبكير بفتح المدارس، وقاعات المناسبات، ودور العبادة أمام المجتمع دون “وعي مجتمعي” بضرورة الالتزام بالإجراءات الاحترازية، وبالتالي وصل الفيروس إلى جميع أنحاء إسرائيل. 

ولكن يبدو أن هناك عوامل أعمق تأثيرا تضاف إلى “انتهاء الحظر” دفعت الرواية الإسرائيلية بالانتصار على جائحة كورونا للانهيار وعدم إثبات جدواها. يمكن إبراز أهم هذه العوامل فيما يلي:

(أولا) فوضى التعايش: وقعت حكومة نتانياهو (لاعتبارات مسيسة) تحت الضغط المجتمعي الإسرائيلي بتطبيع الحياة مع الفيروس دون إيجاد خطة منظمة لعملية التطبيع والتعايش. وبالتالي أمرت الحكومة بفتح جميع المؤسسات دفعة واحدة منها المدارس بكافة مراحلها، والمحال التجارية الكبرى والصغرى، ودور العبادة بجميع أحجامها، وسوق العمل (من أجل الاستفاقة من الصدمات الاقتصادية).

(ثانيا) عدم السيطرة على بؤر العدوى: ذكر اللواء احتياط “جيورا آيلاند” عضو مجلس مكافحة كورونا الاحتياطي الذي أقامه زعيم حزب يمينا المعارض “نفتالي بينيت” قال: “إن إسرائيل فقدت بوصلتها في تحديد من المريض ومن مصدر العدوى”. ويعزو ذلك إلى عوامل تنظيمية بين معامل الاختبار المتنقلة في إسرائيل ووزارة الصحة الإسرائيلية لتحديد التركزات البؤرية. 

(ثالثا) فوضى إدارة أزمة كورونا: وهو العامل الأهم في سؤال لماذا تفاقمت الأزمة في إسرائيل. إذ لا تزال إسرائيل تقبع في مربع “من يدير الأزمة؟” على الرغم من أن جميع دول العالم قد تجاوزت هذا السؤال، إلا أن هناك صراعات سياسية بين نتانياهو وخصوم سياسية في مواقع سياسية أخرى تحول دون تجاوز هذا المربع والانتقال إلى الاستجابة التنفيذية. 

ففي الآونة الأخيرة، يطالب الجيش الإسرائيلي استلام ملف إدارة أزمة كورونا بعد إعداد خطط يدّعي “بيني جانتس” وزير الدفاع الإسرائيلي نجاحها. ولكن يبدو أن نتانياهو يرفض منح خصمه بيني جانتس الفرصة للنجاح في الملف وبالتالي رفع أرصدته السياسية. يستدل على ذلك أن المسؤول عن إدارة الأزمة هم ثلاثة فقط يتقدمهم نتانياهو بالإضافة إلى “بار سيمان طوف” و”سيدتسكي” اللذات تقدما باستقالتهما مؤخرا اعتراضا على سياسة نتانياهو في الأزمة. لذلك استكمل “جيورا آيلاند” قوله “وبمجرد أن بدأ رئيس الوزراء نتنياهو العمل وحده بشكل مستقل عن أي حكومة، فقدت إسرائيل السيطرة على الأزمة”.

لذلك يبدو أن إسرائيل تحتاج إلى هيئة تنفيذية محترفة، تقع فوق الوزارات الحكومية لترى الصورة بشكل كامل وتكلف بالمهام.

الخلاصة

يمكن ختاما  تأكيد مجموعة من النقاط  المهمة وهي:

  1. لم تتجاوز إسرائيل بعد مسألة “من يدير ملف أزمة كورونا”، وهو ما يجعلها عرضة للتخبط التنظيمي والمعلوماتي وبالتالي تزايد احتمالات تعرضها إلى موجات حادة من فيروس كوفيد-19.
  2. لا يقتصر فشل إسرائيل في ملف كورونا على مسألة الإدارة، بل يتجاوز الأمر تداعيات سترهق الاقتصاد والسوق الإسرائيلية.
  3. من المرجح أن تزداد أعداد المحتجين في إسرائيل بسبب تزايد الشعور بـ “عدم الثقة” تجاه سياسات الحكومة والإدراك بأن جميع قرارات الحكومة هي “مسيسة” ولا تصب في صالح المجتمع بشكل مباشر ونزيه. خاصة وأن الحكومة تلجأ إلى استخدام العنف في مواجهة المتظاهرين وإطلاق التصريحات السياسية المعادية ضدهم.
  4. تأكل التظاهرات في إسرائيل من الرصيد السياسي لنتانياهو وحزبه الحاكم ويظهر ذلك في تضاؤل عدد المقاعد حسب استطلاعات الرأي العام (33 مقعدا حسب صحيفة إسرائيل اليوم القريبة من نتانياهو بتاريخ 22 يوليو) فيما كان يحتل 41 مقعدا في مارس 2020.
  5. تآكل القاعدة السياسية لنتانياهو وتفاقم الأزمات الداخلية ربما يثير أسئلة من نوع: هل يعيد نتانياهو فتح ملف ضم أراضي من الضفة الغربية؟، أو تصعيد أمني مع أحد وكلاء طهران في الإقليم.
Scroll Up