ذكرت تقارير صحفية أن الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد يسعى للتوسط بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية لإنهاء الصراع في اليمن، بعد مراسلته قادة الأطراف المتصارعة، وكذلك الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، كما أرسل مراسلات لولي العهد السعودي محمد بن سلمان وزعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي للتوسط لإنهاء الصراع اليمني، فكتب يدعوه للتدخل لوقف الحرب وأن يتولى رئاسة لجنة تضم عددًا من الشخصيات الموثوقة عالميًا والمعنية بالحرية والعدالة لإجراء محادثات مع الطرفين المتخاصمين في اليمن وذلك بهدف إنهاء الأزمة وإحلال السلام والصداقة، ثم استطرد بالحديث عن ثمار الحروب من الدمار وأن حديثه باعتباره عضوًا في المجتمع الإنساني.

مجددًا، يثير الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد الجدل بتوجيه رسالة إلى ولى العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشأن اليمن، مضمون الرسالة وتوقيتها وشخص الرئيس الإيراني السابق يطرح العديد من التساؤلات حول مضمونها ودوافعها والموقف الإيراني الرسمي، والموقف السعودي، ومدى جدية الرسالة بشكل عام.  وللإجابة على الأسئلة المطروحة ينبغي معرفة الأطر التي تحركت فيها السياسة الخارجية الإيرانية خلال ولايته، ثم كيف تعامل نجاد مع النظام الإيراني بعد انتهاء الرئاسة، ومن ثم مغزى مخاطبته ولى عهد السعودية.

أهم ملامح فترتي ولاية أحمدي نجاد

يمكن القول إن أحمدي نجاد وعلى الرغم من خطابه المتشدد ونمط العلاقات المتوتر مع الغرب إلا أن سياسته الخارجية لم تسر على ذات النمط، بل كانت تستهدف تحقيق نتائج انطلاقًا من التفاهمات والمفاوضات مع الغرب والتعاون والتقارب مع الخليج. 

  • فقد اتسم الرئيس الإيراني السابق بكونه مثيرًا للجدل خلال فترة رئاسته 2005- 2013 وحتى بعد انتهاء ولايته. فعرف بخطابه المتشدد تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، وتم خلال ولايته الكشف عن المشروع النووي الإيراني، وبدأت القضية منذ ذلك الحين تحتل اهتمام المجتمع الدولي، لكن الواضح أن تطوير البرنامج النووي لم يكن في عهده بل في عهد الرئيس “الإصلاحي المعتدل” محمد خاتمي والاعلان عن البرنامج النووي في عهد نجاد ” المتشدد“.
  • اتسمت خطابات نجاد من جهة أخرى بالحديث حول واجبات إيران الأخلاقية في تعزيز العدالة والصداقة ودعمها، وتحول إيران نحو دور مركزي في تعزيز القيم الأخلاقية. لذا منذ عام 2005 عملت يران على تقوية أواصر العلاقات مع دول أمريكا اللاتينية، بما أشار إلى توجه للتوغل داخل شبه القارة البعيدة عنها جغرافيًّا، على أساس التقارب الإيديولوجي الثوري والموالي لدول العالم الثالث بين إيران والدول التي تناوئ الولايات المتحدة، وأصبحت لقاءات الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد مع رؤساء فنزويلا ونيكارجوا مناسبات لمهاجمة الولايات المتحدة باسم النضال ضد الإمبريالية والرأسمالية.
  • لم تختلف رؤية أحمدي نجاد خلال ولايته بشأن الخليج العربي والترتيبات الأمنية عن رؤية الرؤساء السابقين أو الرئيس الحالي حسن روحاني، فقد أظهرت حكومة نجاد حرصًا على توسيع العلاقات الخليجية الإيرانية، وقدمت عددًا من المقترحات لإنشاء نظام أمني في الخليج، بما في ذلك وكالة للتعامل مع قضايا الأمن الإقليمي، ومجلس للتعاون الاقتصادي، وحثت على توسيع العلاقات الاقتصادية الثنائية وغيرها مع دول الخليج. فقد طرح نجاد في خطابه إلى قمة دول مجلس التعاون الخليجي التي عقدت في الدوحة في ديسمبر 2007 فكرة تأسيس منظمة مشتركة بين إيران والدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، وقدم سلسلة من المقترحات للاقتصاد الجماعي والتعاون الأمني، ودعا العام الماضي في حوار صحفي إلى التعاون في الخليج، معتبرًا ان الأجواء بالخليج العربي مواتية.
  • في ظل إدارة الجمهوريين التي رأسها جورج بوش الابن، شهدت الفترة التي تلت الاحتلال الأمريكي للعراق وإسقاط نظام صدام حسين تعاونًا بين الولايات المتحدة وإيران في أفغانستان والعراق، على الرغم من الخطاب العدائي المتبادل بين إدارة الجمهوريين في عهد جورج بوش الابن والرئيس الإيراني المتشدد أحمدي نجاد، حيث عملت الولايات المتحدة في البداية على التقارب مع إيران. كما عرضت الولايات المتحدة في مايو 2006 الانضمام الى المفاوضات المباشرة بشأن الملف النووي التي كانت تتم بين إيران وكلٍ من فرنسا وبريطانيا وألمانيا. وأكدت الولايات المتحدة حينها أن المفاوضات لن تتسع لتشمل ملفات أخرى بل ستقتصر على الملف النووي فقط، ورفض إجراء أي حوار حول العراق، لكن مع إصرار إيران على إجراء حوار مباشر تمت المباحثات بعد أربعة عشر شهرًا من طلب إيران. وقد غلب على تلك الفترة الجدل حول البرنامج النووي والعقوبات، مع عدم التطرق للملفات الإقليمية، وفى عام 2007 عقدت المفاوضات بين الطرفين بشأن العراق، وامتدت إلى الوضع في أفغانستان والدور الإقليمي لإيران.

أي أن التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران بدأ منذ عهد نجاد المتشدد، وهو ما يوضح أن انتماء الرئيس الإيراني للتيار المتشدد أو التيار الإصلاحي لا يشكل عائقًا او محددًا لطبيعة مسار العلاقات مع الولايات المتحدة. وبالتالي فدعوات التقارب والتفاهم لم تخرج عن نمط سياسة نجاد خلال فترتي ولايته.

تصريحات وصدامات مثيرة للجدل

منذ انتهاء فترة ولاية أحمدي نجاد الثانية والتي أحدثت تصدعًا بين صفوف تيار المتشددين، وتثير تحركاته وتصريحاته جدلًا، لاسيما وأنها باتت تمس رموز النظام الإيراني، كما أن بعض هذه التصريحات تتعلق بالداخل الإيراني والبعض الآخر يتعلق بالشأن الخارجي.

وقد سبق أن صنفه البعض بأنه راعي تيار الانحراف السياسي، صدامات نجاد وصلت إلى قمة هرم السلطة أي المرشد الإيراني، فقد عزل وزير الاستخبارات الذي أعاده المرشد مرة اخرى، كما تم توجيه اتهامات قضائية لبعض من دائرته بالاختلاس والفساد، فقام حينها بانتقاد القضاء وتوجيه رسالة لقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني. كما طلب منه آية الله خامنئي عدم الترشح لفترة ولاية ثالثة عام 2017 منعًا لشق الصفوف وإحداث فوضى، على غرار ما حدث في انتخابات 2009 التي أفضت إلى مظاهرات الحركة الخضراء، إلا انه خالف تعليمات المرشد وقدّم أوراق ترشحه التي رفضتها لجنة صيانة الدستور المعنية بالبت في أوراق المرشحين. فضلا عن تبنيه أفكارًا مثيرة لقلق المرشد الأعلى خامنئي، وهي الأفكار التي يستحضر بها أحمدي نجاد صورة عودة المهدي وحكومة الصالحين لتحدي الجمهورية الإسلامية وحكم المرشد الأعلى بشكل مباشر، فمعظم الشيعة يعتبرون عودة المهدى المنتظر دلالة رمزية للتعبير عن انتهاء المظالم في الارض، لكن نجاد يوظفها لتصوير نضاله ضد المنافسين الفاسدين من وجهة نظره والذي يعد ظهوره نهاية لولاية الفقيه التي تقوم على أن الولي الفقيه هو نائب وممثل الإمام في غبيته. 

دلالات توجيه رسالة لولى العهد السعودي

بداية جاء الرد الإيراني على رسالة نجاد من خلال المتحدث باسم بعثة إيران لدى الأمم المتحدة، علي رضا ميريوسيفي، معتبرًا الرسالة تمثل وجهة نظر أحمدي نجاد فقط كونه مواطنًا عاديًا ولا تمثل سياسة الحكومة.

أما عن الدلالات التي يحملها توجيه نجاد رسالة للسعودية، يرى البعض أن نجاد يسعى مرة أخرى للعودة للمشهد السياسي وتأهيل نفسه والدوائر المقربة منه، فقد نجح بعض المقربين منه في الوصول لمجلس الشورى الإسلامي والذى بات يسيطر عليه تيار المتشددين، ويرى البعض في الداخل الإيراني أنه يسعى للترشح في الانتخابات الرئاسية 2021 لذا ربما تكوت خطاباته وتغريداته الهدف منها أن يعود للواجهة محاولًا استقطاب قاعدته الشعبية التي قوامها المتدينين والطبقات الأكثر فقرًا، ومن ثم تعزيز أوراق اعتماده الشعبوية وصورته كرجل عادي يكافح ضد النظام القوي والفاسد.

وبالنظر إلى خطابات نجاد التي ينتقد فيها سياسات الحكومة الاقتصادية، وإرساله من قبل رسالة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ثم انتقاده الاتفاق الأخير بين الصين وإيران واعتباره يتم بعيدًا عن أعين الشعب ومطالبته الحكومة بالإعلان عن بنوده، ثم أخيًرا قيامه بتوجيه رسالة لولى العهد السعودي، كلها دلالات لرغبة نجاد في إحراج النظام الإيراني الذي يعمل على تهميشه منذ انتهاء ولايته. لذا فقيام نجاد بتوجيه رسالة لولى العهد السعودي في الوقت الذي يحتدم فيه التنافس الإيراني السعودي في المنطقة وبشكل أخص في اليمن التي ترى إيران أن التدخل فيها ورقة ضغط ضد المملكة العربية السعودية، يعد ذلك خطوة مخالفة تماما للسياسة الإيرانية ضد السعودية في اليمن. فضلا عن كون دعوته لولى العهد السعودي لتولى رئاسة لجنة لحل الأزمة باليمن تحمل دلالة بأن السعودية هي الاقدر على تولي زمام الأمور باليمن وحل الأزمة، أي أنه اعتراف منه بقيادة السعودية في الوقت الذي تفاخرت فيه إيران بكونها قادرة على التحكم في عدة عواصم عربية.

Scroll Up