كونكِ امرأة في تركيا معناه ألا تحظي بالعدالة الكافية أو أبسط مبادئ المساواة، ولا تتمتعي مطلقًا بالأمان، فقد تظاهرت نساء يوم الأحد 26 يوليو 2020 في مدن تركية تأكيدًا لتمسكهن بمعاهدة إسطنبول التي تهدف لتأمين حماية أفضل للمرأة من العنف، في حين دعا مسؤولون في الحزب الحاكم الى انسحاب البلاد منها.

ما هي اتفاقية إسطنبول؟

اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي أو ما يعرف بـ “اتفاقية إسطنبول” هي اتفاقية مناهضة للعنف ضد المرأة، أبرمها المجلس الأوروبي وفتح باب التوقيع عليها في 11 مايو 2011 بإسطنبول، تركيا.

تضم الاتفاقية 81 مادة وتنقسم إلى 12 فصل و تهدف إلى منع العنف، وحماية الضحايا، و”وضع حد لإفلات مرتكبي الجرائم من العقاب”. ففي مارس 2012 صدقت تركيا علي الاتفاقية, وبحلول يونيو 2017، وقعت 45 دولة اخري، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، وتبعتهم 27 دولة من عام 2013 حتى عام 2017، وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في أغسطس 2014.

مبادئ الاتفاقية

تعتبر اتفاقية إسطنبول أول أداة ملزمة قانونًا “تطبق إطارًا ونهجًا قانونيًا شاملًا لمكافحة العنف ضد المرأة”، وتركز على منع العنف المنزلي، وحماية الضحايا، ومحاكمة المجرمين المتهمين.

وتصف الاتفاقية العنف ضد المرأة، بأنه انتهاك لحقوق الإنسان وشكل من التمييز، وعلى الدول أن توجه العناية اللازمة لحماية الضحايا، ومحاكمة الجناة. كما وضعت المعاهدة مجموعة من الجرائم التي تتسم بكونها عنف ضد المرأة. وعلى الدول التي صدّقت على الاتفاقية تجريم عدة جرائم منها: العنف النفسي، والترصد، والعنف الجسدي، والعنف الجنسي بما فيه الاغتصاب والذي يشمل صراحة جميع الأفعال الجنسية التي تتم مع شخص ما بغير رضاه، والزواج القسري، وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث، والإجهاض الإجباري، والتعقيم القسري.

وتنص الاتفاقية على أن التحرش الجنسي لا بد وأن يخضع “لعقوبات جنائية أو قانونية”, كما تضم الاتفاقية مادة تتناول الجرائم التي ترتكب باسم “جرائم الشرف”.

مؤشرات العنف ضد النساء في تركيا

على الرغم من توقيع تركيا على اتفاقية إسطنبول، إلا أن ظاهرة العنف المنزلي والاعتداءات الجنسية وما يسمى “جرائم الشرف” والاتجار بالبشر منتشرة على نطاق واسع وتؤثر على حياة نساء كثيرات. فحسب إحصائيات الأمم المتحدة هناك ما يقرب من 38% من النساء في تركيا قد تعرضن إلى العنف الجسدي أو الجنسي في المنزل، هذا بالإضافة إلى زيادة معدل زواج القاصرات والذي تفاقم على مدار العشر سنوات الماضية حيث قدر بـ 482,908 حالة زواج أطفال وفقًا لتقرير حكومي عام 2018, ناهيك عن ازدياد عدد حالات الانتحار بين النساء كنتيجة لكونهن عالقات في منازل غير سعيدة مع رجال، وربما أطفال، لم يرغبن فيهم.

هذا بجانب ارتفاع معدل قتل النساء، فقد سجلت تركيا، واحدًا من أعلى معدلات قتل النساء في المنطقة حيث وقعت أكثر من 1400 امرأة ضحية للقتل في الفترة ما بين 2010 و2016.

في حين سجلت منظمة ” سنوقف اغتيالات النساء” أكثر من 440 نساء قتلن على أيدي الرجال في تركيا عام 2018 , وتزايدت تلك الاعداد إلى 474 حالة قتل ضد النساء في عام 2019. وبحلول عام 2020, ازداد قلق النساء في تركيا بشأن العدد المتزايد للقتلى من النساء. حيث يشار إلى أن 146 امرأة قتلن بأيدي الرجال خلال الفصل الأول فقط من العام الجاري  في تركيا.

هذا بالإضافة الي تصريح وزارة الداخلية التركية بأن حوادث العنف ضد المرأة قد ارتفعت بنسبة 50 % من 145 ألفًا في عام 2015، إلى نحو 220 ألفًا في عام 2018.

صمت الحكومة التركية “موافقة ضمنية علي ما يحدث للنساء”

لا تُبدي الحكومة التركية أيّ اهتمام بقضية العنف ضدّ النساء، إذ اعتادت بالشراكة مع القضاء التكتم طويلًا على المشكلة التي ساهمت في تفاقمها، وفي حين عبّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن تعاطفه مع الضحايا، اعتبر نشطاء حقوق المرأة أن مثل هذه التصريحات غير ذات مصداقية، خاصة وأن الحكومة التركية قد اتخذت مؤخرًا موقفًا ضد اتفاقية إسطنبول، وقانون منع العنف ضد المرأة وحماية الأسرة.

بجانب تصريحات أردوغان المتتالية بأن النساء غير متساويات مع الرجال واوجب النساء بإنجاب ثلاثة أطفال على الأقل، باعتبار ان المرأة التي ترفض الأمومة هي “ناقصة غير مكتملة“، وفي عام 2015، جاءت تركيا في المرتبة (130) في المساواة بين الجنسين، وذلك ضمن مجموعة من 145 بلدًا.

وهي نتيجة لا غرابة فيها. فخلال العام السابق علي تلك النتيجة في قمة إسطنبول عام 2014، سجّل أردوغان اعتراضه علي المساواة بين الجنسين، وصرح بأن الاختلافات البيولوجية تعني أن النساء والرجال لا يستطيعون أداء نفس الوظائف، مضيفًا أن العمل اليدوي غير مناسب لـ “الطبيعة الحساسة للمرأة”.

وأخيرًا في اليوم العالمي للمرأة عام 2018، ألقى الرئيس التركي باللوم على وسائل الإعلام في ارتفاع حالات العنف المنزلي ضد المرأة، وبدلًا عن اتخاذه إجراءات صارمة تعزز من حقوق المرأة، طالب الصحفيين بعدم الإبلاغ عن تلك الحوادث وإبرازها في الرأي العام.

موقف القوي الدينية بالداخل جراء اتفاقية إسطنبول

لا تتوقف المشكلة على تصريحات أردوغان فقط، فعدم تطبيق الاتفاقية على أرض الواقع وازدياد حالات العنف ضد النساء يعود أيضًا إلى أن القوى الدينية الصارمة ترى في الاتفاقية خطرًا على التقاليد والعادات التركية، فقد تم مهاجمة الاتفاقية بشكل متكرر علنًا. حيث وصفت ممثلة المرأة في حزب السعادة الإسلامي المحافظ، “إبرو أسيلتورك”، الاتفاقية في مقال صحفي بأنها “قنبلة تهدد كيان الأسرة”.

حملات إلكترونية منددة بانسحاب تركيا من الاتفاقية

بعد تفريق العديد من المظاهرات النسائية بالقوة من قِبل أفراد الشرطة أدي ذلك الي اشتعال الرأي العام عبر الإنترنت وتدشين الحملات الإلكترونية التي أشارت إلى أن قضية العنف ضد المرأة في تركيا ارتفعت حدتها خلال الفترة الجارية، علاوة على توجيه المجموعات المدافعة عن حقوق النساء بوضع الحكومة والعدالة تحت ضغوط متزايدة. ملقية عليهم اللوم بأن العنف ضد النساء لا يلقى ما يكفي من التنديد والاستجابة.ختامًا، عبّر تقرير أصدرته لجنة المرأة في جمعية حقوق الإنسان التركية أن “أحد الأسباب التي تجعل مثل هذا العدد الكبير من النساء يقع ضحايا للعنف هو التراخي، بل ومنع المؤسسات المعنية من إنفاذ القوانين السارية”. وما زالت هناك ثغرات قانونية وقوانين محافظة تجعل الكثير من النساء عرضة للعنف. ومع استمرار سياسة أردوغان ورؤيته الناقصة للمرأة وعدم تطبيق الحكومة القوانين الرادعة ستظل تلك الظاهرة في التزايد، ويظل مسلسل العنف ضد النساء متواصلًا في تركيا.

Scroll Up