شهدت السياسة الخارجية لتركيا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان تحولات عدة، حيث تخلت عن سياسة “تصفير المشكلات” التي اتبعتها من قبل في علاقاتها الخارجية، لتتحول إلى دولة داعمة للإرهاب، هدفها الأساسي تأجيج الصراعات في دول المنطقة، ووصل الأمر مؤخرًا إلى تدخلها عسكريًا بشكل مباشر في تلك الصراعات، سواء كان الصراع في سوريا أوالعراق أو في الأراضي الليبية؛ وقد انعكست سياسات أردوغان غير المتزنة على علاقات تركيا الخارجية، فأصبحت دولة معزولة تواجه الانتقادات من شركائها السابقين، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. ولا شك أن التدخل العسكري التركي في الصراعات الخارجية ساهم في إضعاف النظام السياسي التركي، وأثار التكهنات حول اقتراب نهايته؛ حيث انعكست سياسات حزب العدالة والتنمية على الأعضاء ورموز الحزب، فبرزت مؤخرًا موجة غير مسبوقة من الانشقاقات الداخلية، كما فقد الحزب الآلاف من أعضائه على مدار العام الماضي، وذلك اعتراضًا على سياساته، والتي بدورها انعكست على الوضع في تركيا على كافة الأصعدة، وقد أتى ذلك بالتزامن مع تراجع شعبية أردوغان الذي يعتبره البعض المتسبب الرئيسي في تدهور وضع تركيا على المستويين السياسي والاقتصادي.

أبرز الانشقاقات في حزب العدالة والتنمية

انتكاسات متتالية شهدها الحزب الحاكم في تركيا، فعلى وقع الأزمة الاقتصادية التي زادت حدتها جراء أزمة كوفيد-19، شهدت شعبية الرئيس التركي تراجعًا ملحوظًا، بحسب ما أظهرته أغلب استطلاعات الرأي في تركيا، حيث جاء ذلك بالتزامن مع انتقادات حادة شنّها معارضون لسياسة أردوغان، وسط اتهامات له بقمع كل صوت يخالفه الرأي، فضلًا عن ضرب النقابات، ومحاولة تكميم الأفواه عبر السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

كل ذلك، في ظل موجات متتالية من الانشقاقات داخل الحزب، كان آخرها استقالة 15 عضوًا من أعضاء الحزب بسبب معارضة عدد كبير من الأعضاء للسياسات التي يتبعها أردوغان، فضلًا عن حالة الاقتصاد التركي المتردية، فبحسب ما أعلنته المحكمة العليا في تركيا، انخفض أعضاء حزب العدالة والتنمية خلال العامين الجاري والماضي، بمقدار 788 ألفا و131 عضوًا، وأصبح عدد أعضائه 9 ملايين و931 ألفًا و103 أعضاء، بعد أن كانوا 10 ملايين و719 ألفًا و234 عضوًا.

ولعل أبرز الوجوه ضمن مجموعة المنشقين رئيس الوزراء الأسبق “أحمد داود أوغلو” الذي شكل حزبًا جديدًا تحت اسم “المستقبل”، كما أبدى استعداده للدخول في تحالف مع أحزاب المعارضة من أجل تقديم رؤية جديدة لتركيا يفتقدها الحزب الحاكم حاليًا.

انشق أيضًا عن حزب أردوغان “علي باباجان”، وزير الاقتصاد ونائب رئيس الوزراء الأسبق، الذي أطلق قبل أشهر حزب “الديمقراطية والتقدم”، وتعهد باستعادة الديمقراطية في تركيا، التي رأى أنها تراجعت في ظل حكم أردوغان، الأمر الذي اعتبره كثيرون ضربة قوية لأردوغان، باعتبار باباجان من مؤسسي الحزب. وقد أعقب استقالة باباجان عدد من الاستقالات داخل الحزب، خاصة بعد إعلانه عن نيته في تأسيس حزب جديد، كان أبرزهم، “بشير أتلاي”، أحد أقرب المقربين من الرئيس رجب طيب أردوغان قبل أن يختلف معه في الرؤى السياسية ويستبعده من دائرته المقربة، بالإضافة إلى “سعد الدين أرغين” وزير العدل السابق، و”نهاد أرقون” وزير الصناعة والتكنولوجيا السابق.

في السياق ذاته، استقالت أيضاً “أمينة جوكطاش” رئيسة أمانة المرأة في فرع حزب العدالة والتنمية في مقاطعة كيزيل تبه، كما استقال 14 من الأعضاء من أمانة المرأة، معلنين انضمامهم إلى حزب “المستقبل” برئاسة رئيس الوزراء الأسبق أحمد داوود أوغلو. وتوالت الاستقالات من صفوف حزب أردوغان خلال العام الماضي.

استقال أيضاً نائب رئيس الدعاية والإعلام في حزب العدالة والتنمية، إمره جميل آيفالي، وذلك بعد اعترافه في بث مباشر خلال برنامج تلفزيوني بأن الرئيس أردوغان دبر في العقد الأول من حكمه مؤامرة للإيقاع بين أفراد حركة الخدمة وأنصار التيار العلماني الكمالي في الجيش وضرب بعضهم ببعض، كما اتهم حزب العدالة والتنمية بالتعاون مع منظمة فتح الله جولن الذي يتهمه غردوغان بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت عام 2016.

يُذكر أن حزب العدالة والتنمية الحاكم فقد نحو 16 ألفًا من أعضائه منذ الانتخابات المحلية في نهاية مارس 2019، إلى جانب 129 ألفًا و808 عضو ما بين الأول من يوليو 2019 حتى 9 فبراير 2020، بحسب ما أفادت صحيفة “الشرق الأوسط”.

وخلال شهر يونيو، كشفت مؤسسة ميتروبول في استطلاع رأي تم إجراؤه عن تراجع أصوات العدالة والتنمية للشهر الخامس على التوالي، مقابل صعود أصوات أحزاب المعارضة التقليدية، والأحزاب الجديدة التي أسسها منشقون عن العدالة والتنمية. كما ذكر موقع صحيفة “زمان التركية” أن نتائج استطلاع رأي توقعت تراجعًا حادًا في الأصوات التي من المحتمل أن يحصل عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم في حال عقدت انتخابات مبكرة في البلاد.

ومن المؤكد، أنه على وقع الأزمة الاقتصادية التي زادت حدتها جراء كورونا، وممارسات أردوغان وفشله في إدارة العديد من القضايا الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى خسارته في انتخابات بلدية إسطنبول التي حققت فيها المعارضة فوزًا كبيرًا، كلها أسباب أدت إلى تراجع كبير في شعبيته.

ومن اللافت للنظر، أن حزب إردوغان يحاول في الفترة الأخيرة صرف انتباه الشارع التركي عن الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، وذلك عبر إثارة بعض الموضوعات، وليس أدل على هذا من تحويله متحف “آيا صوفيا” إلى مسجد، والعمل على إصدار قانون الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يسعى من خلاله إلى تكميم الأفواه وخنق الأصوات المعارضة.

دوافع الانشقاقات

فيما يتعلق باستقالة وزير الاقتصاد السابق ونائب رئيس الوزراء، علي باباجان، فقد قام بنشر بيان حول أسباب استقالته وأعلن أن هناك سببين رئيسيين دفعاه للاستقالة من الحزب، تمثل الأول في تراجع تركيا بقيادة أردوغان وحزب العدالة والتنمية في ملفي الديمقراطية والحقوق في السنوات الثلاث الأخيرة على وجه الخصوص، أما السبب الثاني فكان إقدام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على إقالة رئيس البنك المركزي من منصبه، الخطوة التي أثارت جدلاً كبيرا في الداخل والخارج، فضلًا عن ذلك، أكد باباجان أن تعنت الرئيس تجاه المقترحات البناءة وإجبار البرلمان على رفضها كان من أحد دوافعه ليستقيل، واعتبر باباجان أن سبب دخول تركيا “النفق المظلم”، على حد وصفه يعود إلى حملات التطهير التي قادها أردوغان في البلاد.

أما عن انشقاق “أحمد داوود أوغلو”، رئيس الوزراء الأسبق، فقد جاء اعتراضًا على رغبة الرئيس التركي إردوغان في مزيد من القوة والسلطة عقب الاستفتاء الدستوري عام 2017. ومن الجدير بالذكر، أن الخلاف بين كل من أوغلو واردوغان بدأ مسبقًا في عام 2015، بسبب قضية “أكاديميو السلام”، وهي مجموعة من الأكاديميين الأكراد والأتراك، كانوا وقعوا في عام 2015 على عريضة طالبوا فيها الحكومة التركية بزعامة حزب العدالة والتنمية وأردوغان، باستئناف مفاوضات السلام مع حزب العمال الكردستاني لتسوية القضية الكردية، إلا أنه تم اعتقالهم ومعاقبتهم، ما اعتبره أوغلو تصرفًا غير مقبولًا ويتنافى مع مبادئ حرية التعبير.

تراجع شعبية أردوغان

في ظل السياسات الفاشلة التي ينتهجها الرئيس التركي رجب أردوغان الذي يتفرد بالحكم، وهيمنة حزبه “العدالة والتنمية” على الحياة السياسية في تركيا التي تشهد أوضاعًا اقتصادية متردية وانهيارًا غير مسبوق للعملة المحلية، تزداد أعداد المعارضين في الداخل التركي، نتيجة ممارساته القمعية التي كشفت عن ديكتاتوريته ونهجه الاستبدادي الذي يمارسه بحق شعبه وبحق خصومه ومعارضيه.

وقد جاءت التصدعات التي يشهدها حزب العدالة والتنمية مؤخرًا لتؤكد حجم المعارضة لسياسات أردوغان في الداخل، وتحميله المسؤولية لكافة الأزمات التي تمر بها تركيا سواء في الداخل أو في الخارج. وقد جاءت نتائج استطلاعات الرأي لتؤيد ذلك، حيث أظهرت نتائج الاستطلاع الذي أجراه موقع Spectator Index الإحصائي وشارك فيه أكثر من 600 ألف شخص أظهر تراجع شعبية أردوغان في الداخل والخارج، وأكدوا بالأغلبية على عدم الثقة في نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

جدير بالذكر أن انهيار شعبية أردوغان ظهرت جلياً في انتخابات البلدية عام 2019 مع خسارة حزب العدالة والتنمية بلديات إسطنبول وأنقرة وإزمير، بعد أن سيطر الحزب الحاكم على إسطنبول لأكثر من ربع قرن. فضلًا عن ذلك، فهناك العديد من مؤشرات التي تنم عن اقتراب نهاية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعد فشله الذريع في تجاوز انتقادات المعارضين لسياساته القمعية التي جعلت بلاده تحت أنظار العالم، وكان آخرها تأثير الخسائر الاقتصادية التي تكبدها الاقتصاد التركي في جائحة كوفيد-19.

وخلال الوباء كان أردوغان يعتمد في استراتيجيته على تعزيز حملات القمع والاعتماد بالقوانين القائمة التي تسمح للحكومة بالتحقيق مع شخص ما لإثارة الذعر والخوف، حيث تم اعتقال أكثر من 500 شخص بموجب هذه الأحكام منذ بدء أزمة كوفيد-19.  ورغم أنه من المقرر إجراء الانتخابات العامة في تركيا سنة 2023، إلا أن هناك تقديرات بإمكانية إجراء انتخابات مبكرة، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد، والتقييد والتضييق المستمر على الحريات، وتراجع شعبية حزب الرئيس رجب طيب أردوغان الحاكم على حساب أحزاب المعارضة.

السيناريوهات المستقبلية لحزب العدالة والتنمية

بالنظر للمشهد السياسي في تركيا في ظل إصرار اردوغان على الاستمرار في سياسته القمعية في الداخل، والتوسعية في الخارج، يمكن التنبؤ بسيناريوهين لمستقبل حزب العدالة والتنمية بعد موجة الانشقاقات التي يشهدها الحزب، تتمثل في التالي:

  1. من الممكن أن يلجأ أردوغان لاستخدام ورقة التعديلات الوزارية لوقف تراجع شعبية حزبه، خاصة بعد الإعلان عن أن العدالة والتنمية يعتزم تعديل القوانين المتعلقة بالحد الأدنى لتمثيل الأحزاب في البرلمان والمقدر بـ10%، وتخفيضها، في دلالة واضحة على إدراك الحزب انخفاض شعبيته بشكل كبير، وهو ما قد يضع قيودًا على أحزاب المعارضة وإمكانية تمثيلها في البرلمان القادم.
  2. استمرار المزيد من الانقسامات والانشقاقات داخل الحزب، ما قد يفضي إلى انهياره، وذلك حال استمرت سياسة القمع التي ينتهجها أردوغان بالتزامن مع استمرار الأزمة الاقتصادية، وهو ما قد يترتب عليه إجراء انتخابات مبكرة من المتوقع أن تُحدث تغييرات جذرية في المشهد السياسي التركي، وأهم تلك التغييرات غياب حزب العدالة والتنمية عن ذلك المشهد.
Scroll Up