في عام ١٩٥٩ أصدر رئيس الجمهورية العربية المتحدة قراره رقم ١٩١١ الذي ينص علي أن تفتح كلية الاقتصاد والعلوم السياسية أبوابها في العام الجامعي ١٩٦٠-١٩٦١. وفي يوم ١يوليو ١٩٦٠ نشرت جريدة الأهرام خبراً بعنوان “مولود جديد في جامعة القاهرة “، جاء فيه أن كلية الحقوق التي عادة ما تكون هادئة في العطلة الصيفية تحولت إلي خلية نحل ، فمن خلف الأبواب المغلقة راح ٣٢ أستاذاً يعقدون اجتماعات متواصلة استعداداً لبدء الدراسة بالكلية الجديدة . وتضمن الخبر عدة تصريحات للدكتور زكي شافعي -وهو أول عميد للكلية والاقتصادي المصري المرموق الذي لعب دورًا اقتصادياً رائداً في مصر علي صعيد الفكر والعمل -وكان مما صرح به أن الكلية نشأت لضمان التمثيل المشرف للدولة في الخارج سواء كان ذلك في السفارات أم في وكالات الأنباء والمكاتب الصحفية ، وكان لديه طموح في أن تكون الدراسة في الكلية بشكل مختلف يقوم علي توجيه الطلاب كل أسبوعين لأهم المراجع واعتمادهم علي أنفسهم في استقاء المعلومات منها ، علماً بأنه كان يتحدث عن مرحلة البكالوريوس وليس عن مرحلة الدراسات العليا .
لم يكن للكلية الناشئة مقر خاص بها ، ولذلك استضافتها كلية الحقوق في الملحق الخاص بها وكانت غرفة عميد الكلية هي نفسها غرفة الأساتذة مما خلق علاقة حميمة بين الجميع ، واستمر هذا الوضع حتي عام ١٩٦٩ عندما أصبح للكلية مبني مستقل .وذكر خبر في جريدة الأهرام بتاريخ ١٩ أكتوبر ١٩٦٩ أن تكلفة المبني الجديد الذي نفذته شركة الشمال للمقاولات بلغت ١٢٠ ألف جنيه ، وأن مساحته امتدت علي ١٦٠٠ متر وتم تجهيزه بعوازل للصوت .
ولقد بدأت الدراسة باستقبال طلاب الثانوية العامة الراغبين في الالتحاق بالكلية ، كما التحق بالسنة الثانية الطلاب الناجحون في السنة الأولي بتقدير جيد علي الأقل في كليتّي الحقوق والتجارة ، وهذا يفسر أن أول دفعة تخرجت من الكلية عام ١٩٦٣ بينما ظهرت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية إلي الوجود في عام ١٩٦٠ . ولم يزد عدد الطلاب المقبولين عن ١٥٠ طالب ، وكان المكوّن العربي يمثل عنصراً أساسياً من مجموع الطلاب وبعض هؤلاء العرب وصلوا إلي أرفع مراكز صنع القرار في بلدانهم . أما قيمة المصروفات الدراسية فلقد بلغت ١٥ جنيهاً تُقسّط علي دفعتين ، مع ثلاثة جنيهات ونصف رسوم إضافية وكانت هذه تدفع فوراً . وفي عام ١٩٦٢ وتشجيعاً للتفوق قدم البنك المركزي المصري منحة قيمتها ٢٠٠٠جنيه لشراء سندات حكومية يخصص ريعها السنوي لمنح جوائز للطلاب المتفوقين .
نشأت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في فترة كانت تموج بالتطورات السياسية الكبري وفي خضم مد قومي عربي كانت مصر ركيزته الأساسية ، ومن اللحظة الأولي صارت الكلية في قلب الحياة السياسية. شاركت الكلية في كل الأطر السياسية لهذه المرحلة كالاتحاد الاشتراكي والتنظيم الطليعي وقامت بدور تأسيسي في منظمة الشباب وصولاً إلي لجنتها المركزية التي هي أعلي هيئة فيها ، وانخرط طلاب الكلية في الدبلوماسية الشعبية فشارك عدد منهم في وفد سافر إلي تركيا لتهدئة التوتر في العلاقة مع مصر بسبب اختلاف التوجهات الأيديولوچية للدولتين .
ومثلت الجمعيات الطلابية منابر لأبرز التيارات السياسية فنشأت جمعية للفكر الاشتراكي وأخري للوعي القومي ، وعلي الرغم من سخونة المناقشات السياسية التي كانت تدور بين الطلاب ، إلا أنها كانت تنتهي نهايات غير متوقعة كأن يقول أحدهم “لديّ قشطة وعسل جئت بهما من البلد تعالوا نأكل ” ! .
من جهة أخري كان دور مجلات الحائط يتجاوز عملية التثقيف السياسي إلي التعبئة من وراء قضايا شتي كقضية المساواة مثلاً فإذا بحملة تحشد للمطالبة بحق المرأة في أن تكون سفيرة . ومن أصل خمسة أفراد مثلوا مصر في مؤتمر الشباب العالمي الأول الذي نظمته الأمم المتحدة بمقرها في نيويورك شاركت الكلية بثلاثة طلاب .وعندما اشتعلت الحركة الطلابية وتمحورت حول إصلاح النظام السياسي نهاية الستينيات وتحرير سيناء مطلع السبعينيات قدمت الكلية أبرز قيادات الحركة الطلابية علي مستوي الجمهورية ، ومثّل مدرج الدكتور زكي شافعي المحل المختار للحركة . كذلك ساهمت الكلية في المجهود الحربي فنظمت في ٣٠ أكتوبر ١٩٦٩ حفلاً كبيراً خصصت عائده لصالح ضحايا العدوان ، وأحيت الحفل المطربة نجاة الصغيرة مع المطرب عبد اللطيف التلباني . يضاف لما سبق أنه كان للكلية نشاط رياضي وفني نافست به علي المركز الأول علي مستوي الجامعة ، وكان شعراء كبار أمثال صلاح عبد الصبور يقصدون الكلية لتقييم شعر الطلاب المصريين والعرب ، وكان يشارك في ندواتها الثقافية رموز أمثال الدكتور لويس عوض .
هذه هي الكلية التي ولدت كبيرة قبل ستين عاماً ، الكلية التي منحت للمنظمات الدولية والإقليمية ولمختلف مجالات العمل السياسي والاقتصادي والإعلامي والثقافي والبحثي شخصيات وازنة من خريجيها . وما بين دكتور زكي شافعي أول عميد للكلية ودكتور محمود السعيد العميد الحالي زادت أقسام الكلية من ثلاثة إلي خمسة ونشأت شعب باللغات الأجنبية ، كما تضاعف عدد أعضاء هيئة التدريس عدة مرات ووصل عدد الطلاب المقبولين في العام الحالي إلي قرابة ٨٠٠ طالب . من جهة أخري توسع مبني الكلية أفقيا بمزيد من المدرجات ورأسياً بطابق ثالث . وشهدت السنوات الأخيرة تطويراً كبيراً للعملية التعليمية بإنشاء برامج جديدة ودرجات علمية مشتركة وشهادات مزدوجة مع كبريات الجامعات الأوروبية ، وحصلت مجلة الكلية باللغة الإنجليزية علي الاعتماد الدولي . وفِي إطار خدمة المجتمع نشأت أول حاضنة أعمال في الجامعات الحكومية المصرية ، وتم توقيع العديد من بروتوكولات التعاون مع شركاء محليين ودوليين في مجالات التدريب وتبادل الخبرات ، أما النشاط الطلابي فحدث ولا حرج . إنها الكلية التي تعيش داخل خريجيها وتشدهم إليها مهما ابتعدوا فكل عام وهي بألف خير وكل شمعة وهي تضيئ سماء الوطن الحبيب .

نقلا عن صحيفة الأهرام

Scroll Up