لم يتفاجأ كثيرون اليوم، بالانفجار الضخم الذي هز لبنان، وتحديداً مرفأ بيروت، فلبنان الآن يعيش أيامًا عصيبة، ما بين أزمة حكومية تلوح في الأفق، وأزمة اقتصادية تعصف بالليرة وبالقدرة الشرائية، وأزمات اجتماعية نتجت عن الأزمات السابق ذكرها، وكانت لها جذور سابقة، نشأت من الفسيفساء الطائفية في هذا البلد، الذي لم يكد يخرج من موجة ثورية عمت شوارعه للمطالبة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية. هذه العناصر جميعها، ترشح أرض الأرز إلى هزات أمنية، قد تتراوح بين (الفاعل المجهول)، وصولاً إلى العدو التاريخي (إسرائيل).

في تفاصيل هذا الانفجار، حدث انفجار أولي عصر اليوم، في المستودع رقم 12، في مرفأ بيروت، تبعه انفجار ضخم، أدى إلى موجة تضاغطية كبيرة، تلتها عدة انفجارات أصغر، أسفرت عن أضرار مادية في عدد من السيارات المارة قرب المرفأ، وكذلك عدد غير محدد حتى اللحظة من الضحايا، حيث تم إحصاء 11 ضحية حتى الآن داخل المرفأ، ويلاحظ هنا أن أضرار الانفجار طالت مبانٍ بعيدة عن المرفأ، مثل مطار رفيق الحريري الدولي، الذي يبعد نحو 11 كيلو متر عن المرفأ.

قوة الانفجار كانت محسوسة بشكل كبير من على مسافة 10 كيلو متر من المرفأ، وتبعتها أصوات انفجارات أصغر، عزاها البعض إلى مفرقات نارية قد تكون مخزنة داخل المستودع، و انفجرت نتيجة للحرارة، وعزاها البعض الآخر لأسلحة وذخائر ومتفجرات، كانت مخزنة في هذا المستودع، وانفجرت نتيجة لسوء التخزين.

في ردود الأفعال المحلية، صرح مدير عام الجمارك اللبنانية، بدري ضاهر، أن الانفجار وقع في مستودع يحتوي مواد كيماوية. الصليب الأحمر اللبناني، أعلن أنه دفع بنحو 30 فرقة إسعاف، إلى محيط المرفأ، ومناطق أخرى من العاصمة، للتعامل مع أعداد كبيرة من الجرحى. نقيب الأطباء اللبناني ناشد كل الأطباء للتوجه إلى طوارئ المستشفيات، خاصة وأن عمليات الإطفاء التي يتم فيها استخدام المروحيات، مازالت جارية حتى الآن.

محافظ بيروت، مروان عبود، تفقد موقع الانفجار قرب المرفأ، وكشف أن وحدة من وحدات فوج إطفاء العاصمة، وصلت إلى المكان قبيل الانفجار، بعد بلاغ بوقوع حريق في أحد المستودعات، لكن تم فقد الاتصال بهم، مؤكداً حدوث انفجارين متتالين.

الرئيس اللبناني ميشال عون، دعا المجلس الأعلى للدفاع، للانعقاد فوراً، من أجل فحص وتحديد التدابير اللازمة للتعامل مع هذه الكارثة. أما اللواء عباس أبراهيم، مدير الأمن العام اللبناني، فأكد في تصريحات صحفية، سقوط ضحايا في هذا الانفجار، وأضاف أن الانفجار ناجم عن مواد متفجرة كانت مصادرة منذ فترة، ومازال الغموض يلف ملابسات هذا الانفجار انتظارا لانتهاء التحقيقات.

كان لافتاً أن رد الفعل الدولي الأول على هذا الحدث، جاء أمريكياً، ومن اتجاهين، الأول من جانب المتحدثة باسم البنتاغون، كوماندر جيسيكا ماك نولتي، التي قالت إن الإدارة الأمريكية، تراقب تطورات الانفجار في بيروت، وأن الوقت مازال مبكراً للتعليق على هذا الحدث، والاتجاه الثاني جاء من القيادة الوسطى الأميركية، التي أصدرت بياناً قالت فيه، إنها قلقة من احتمالية وقوع خسائر بشرية كبيرة في انفجار بيروت.

هذا الانفجار، أيا كانت طبيعته، وسواء كان انفجارا عرضياً بفعل الحرارة، لذخائر مصادرة ومواد حارقة مثل النترات والبنزين، أو تفجيراً متعمداً لهذه المواد، حدث في توقيت مفصلي بالنسبة للبنان على المستوى الداخلي، فأمس استقال وزير الخارجية اللبناني ناصيف حتي، وأصدر بياناً لافتاً عقب استقالته، حذر فيه من تحول لبنان إلى “دولة فاشلة”، وأكد أنه أتخذ هذا القرار، نتيجة تعذر أداء مهامه، خاصة وأنه كان فعلياً مهمشاً في هذه الحكومة، لصالح وزير الخارجية السابق جبران باسيل، وهذا كان واضحاً من خلال استبعاده من اللقاءات التي أجراها وزير الخارجية الفرنسي، خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان.

هذه الاستقالة تعد الاستقالة الثالثة لمسؤول لبناني خلال الشهرين الأخيرين، حيث استقال سابقاُ مدير عام المالية ومستشار وزير المالية، واشتكى هؤلاء أيضاً من غياب رؤية واضحة للإصلاح في الحكومة الحالية.

بعض الأصوات اللبنانية، بدأت في الظهور بشكل كبير اليوم، للحديث عن الإهمال والفساد في لبنان، وذلك عطفاً على كلام اللواء عباس إبراهيم، حيث أشار البعض، إلى أن وجود مواد قابلة للانفجار، داخل مرفأ بيروت، دون اتخاذ احتياطات أمنية ووقائية كافية، وفي مستودع يقع قرب صومعة الحبوب الرئيسية في لبنان، يؤشر على مستوى كبير من الإهمال، لا يجب أن يكون موجوداً، في ظل الظروف الحالية التي يعيشها لبنان، وعلى رأسها الملف الاقتصادي، والتفشي المتزايد لجائحة كورونا في معظم مناطق البلاد.

لا يمكن بأي حال من الأحوال، فصل أي توتر أمني في الداخل اللبناني، عن استحقاق بالغ الأهمية، يقترب حثيثاً الشهر الجاري، فبعد عدة أيام، وتحديداً في السابع من هذا الشهر، ستُصدر غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الخاصة بلبنان، الحكم النهائي في قضية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وذلك في جلسة علنية، سيتم فيها غيابياً، تلاوة الأحكام الخاصة بأربعة من مسئولي حزب الله، وهم سليم عياش، أسد صبرا، حسن عنيسي وحسن مرعي، وهم المهتمين الرئيسيين في هذه القضية، بجانب مصطفى بدر الدين، القيادي في حزب الله، الذي قُتل في سوريا. وعلى الرغم من عدم وجود مؤشرات واضحة على طبيعة الأحكام التي ستصدر بحق كل منهم، الا أن إدانتهم ستعنى فعلياً، تأكيد تورط حزب الله في هذا الملف، وبالتبعية سيزيد داخلياً عمق الشرخ بين قوى الرابع عشر من آذار، والثامن من آذار، وخارجياً ستزيد عزلة حكومة حسان دياب، المحسوبة من معظم الأطراف على حزب الله.

هذا الانفجار يأتي أيضاً، بعيد التصعيد الحدودي الأخير بين حزب الله وإسرائيل، وفي نفس اليوم الذي صرح فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، لمقر قيادة الجبهة الداخلية، نصاً “أصبنا مجموعة والآن أصبنا أولئك الذين أرسلوها. سنقوم بكل ما يجب أن نقوم به من أجل الدفاع عن أنفسنا. أنصح الجميع، بمن فيهم حزب الله، بأخذ ذلك بالحسبان.”. وعلى الرغم من النفي الرسمي الإسرائيلي، على لسان وزير الخارجية الإسرائيلي، لأي علاقة لإسرائيل بهذا الانفجار، إلا أن التوتر السائد حالياً بين حزب الله وتل أبيب، يعطى انفجار اليوم تأثيرًا مضاعفًا.

البعض رجح تكرار هذه الانفجارات مستقبلاً، قياساً على النموذج الإيراني، الذي تعرضت فيه الأراضي الإيرانية خلال الأسابيع الماضية، لسلسلة من الانفجارات الغامضة، كان آخرها أمس، حيث انفجار أحد خزانات مصنع لإنتاج المواد الغذائية في مدينة جناران قرب مدينة مشهد، ما أسفر عن مصرع شخص وإصابة 13 آخرين بجروح.

Scroll Up