شاعت مقولة “من لا يملك أعطى من لا يستحق” وهي في الحقيقة تعبير عن سيادة قانون الغاب وتغليب منطق القوة والبلطجة في العلاقات بين الدول، وكانت أشهر واقعة أعطي فيها من لا يملك من لا يستحق هي واقعة وعد بلفور وزير الخارجية البريطاني والذي تعهد فيه بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين في عام 1917، وبعد قرن وعامين فعل الرئيس الأمريكي نفس الفعلة باعترافه بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل. ويبدو أنه كما سلم أو استسلم العالم لذلك المنطق وبما يخلقه من أوضاع قد تكتسب اعترافا هنا أو هناك، فإن هناك من يطور المقولة الأن لتصبح “من لا يملك يمنع من يستحق”، فإذا كان من لا يملك يمكن أن يعطي فلا مانع من أن يمنع أيضا! معركة سد أثيوبيا الذي أطلق عليه زورا وبهتانا سد النهضة مثالا واضحا لتطوير المقولة. فأثيوبيا وبصرف النظر عن حاجتها للكهرباء بل وحتى للمياه لا تملك نهر النيل بحكم الجغرافيا والتاريخ والقانون الدولي، ولكنها تعبث بالعلاقة الأبدية بين مصر والنيل وتتصور أن من حقها وبإمكانها أن تمنع تدفق حصة مصر التاريخية والقانونية إلى الشعب المصري.

لقد أوهم قادة إثيوبيا الشعب الإثيوبي أن بإمكانه أن ينعم بالكهرباء والتنمية المزعومة على حساب حياة المصريين. الحق في الحياة في أول حقوق الإنسان طبقا لكل المواثيق الدولية والدفاع عنه تهون دونه كل التضحيات. ومع ذلك فإن مصر بكل طواعية وترحيب أعلنت وأكدت مئات المرات أنها ليست ضد أن ينعم الأثيوبيين بالكهرباء والتنمية وأن النهر يمكن بل يجب أن يكون مصدرا للتعاون لا سببا للخلاف، بينما الخطاب الأثيوبي لا يعبأ سوى بحق الأثيوبيين في كهرباء وفيرة يعتقد القادة الأثيوبيين أنها كافية لإحداث تنمية اقتصادية ربما تتغير معها أحوال الشعب الأثيوبي. ومنذ غافل الأثيوبيين الجميع بالبدء في سد كبير على النيل أطلقوا عليه أسماء كثيرة من السد الكبير وسد الألفية إلى أن استقروا على الاسم الذي يخدم المصلحة السياسية وهو سد النهضة وكأن نهضة أثيوبيا كانت متوقفة على بناء ذلك السد، منذ تلك اللحظة لا تعرف أثيوبيا سبيلا لإنهاء مشروعها سوى المماطلة والتسويف والتهرب حتى مما تتفق عليه أو تلتزم به في الاجتماعات رفيعة المستوى التي تتجمع الرؤساء أو يحضرها رعاة مثلما حدث في الولايات المتحدة ويحدث حاليا إزاء دور الاتحاد الأفريقي في تسهيل وضمان استمرار عملية التفاوض بين الأطراف الثلاثة مصر والسودان وأثيوبيا.

اكتمال بناء السد يعني في الرؤية الأثيوبية فرض أمر واقع تتصور أنه يصعب تجاهله وتتصور أن الدخول في مفاوضات بعد اكتمال السد سيكون بالضرورة مختلفا ويحقق لها مصالح أكبر على اعتبار أن الطرفين مصر والسودان وإزاء الأمر الواقع الجديد ربما يفرطان أو يتنازلان عن بعض من حقوقهما المائية. إنها رؤية أشبه بتلك التي تتبناها إسرائيل من حيث إقدامها على بناء المستوطنات وتغيير الوقائع على الأرض بما يضع المزيد من الصعوبات أمام أي عملية للتفاوض مع الفلسطينيين في تجاوز المستوطنات القائمة والمقيمين فيها. ولكن يبدو واضحا أيضا أن الأثيوبيين نسوا أو تناسوا أن مصر يوما ما قبلت بفكرة الاستيطان لا في فلسطين ولا في سيناء من قبل الإسرائيليين ولم تقايض يوما على شبر من أراضيها. وبكل تأكيد فإن مصر لن تقبل بحال من الأحوال بالسد (المستوطنة) بهذا الشكل الذي يؤثر سلبا على شريان حياتها نهر النيل بما يهدد بتعطيش المصريين. هذه هي الرسالة الأولى التي يجب أن يدركها الشعب الأثيوبي قبل قيادته المندفعة بتهور غير مبرر لتهديد الأمن والاستقرار في منطقة أقل ما توصف به أنها على صفيح ساخن. أما الرسالة الثانية التي يجب أن يدركها الشعب الأثيوبي فهي أنه إذا كانت قياداتهم تجادل في التاريخ وتتملص من الاتفاقيات الدولية فإنها لن تستطيع الفرار من حكم الجغرافيا. فقد قالت الجغرافيا كلمتها منذ آلاف السنين وما زالت عند كلمتها. فنهر النيل يمر عبر عدة دول بما جعل منه نهرا دوليا على نحو ما هو متعارف عليه في كل بقاع الأرض. والأنهار الدولية لا يملك أي طرف مهما كانت حاجاته ومتطلباته أو حتى قوته أن يدعي ملكيته له ويتصرف فيه كيفما يشاء ضاربا عرض الحائط بمصالح وحياة شركائه في النهر. الرسالة الثالثة التي يجب أن يدركها الشعب الأثيوبي هي أن ثمة علاقة عضوية بين مصر ونهر النيل لا مثيل لها بين النهر ودول حوضه الأخرى. فنهر النيل هو شريان الحياة لمصر والجميع يعرف أن مصر هبة النيل وأن النيل نفسه وبفعل تلك العلاقة هو هبة المصريين، فالنيل لدى المصريين يعني الحياة. وإذا كان النيل بتلك الأهمية لدى المصريين يصبح من غير المنطقي تصور أن يقدم مصريا كائنا من كان وبصرف النظر عن الأوضاع التي تمر بها مصر أن يقبل أو حتى يفكر في قبول أن يقطع الحبل السري الذي يربط المصريين بالحياة. فالمصريون وعبر تاريخهم الطويل لم يقبلوا يوما بأن يمس أحد أرضهم أو يلوى ذراعهم أو يعبث بهويتهم، وكل من حاول الاقتراب من تلك المسائل وضعوه في خانة الأعداء بكل ما استوجبه ذلك من نضال وقتال. والتاريخ أيضا شاهد على أن الشعب المصري وجيشه كانوا دائما جاهزين للتعامل مع الأعداء أيا كانوا ومهما تصوروا أنهم نجحوا في مهمة الاعتداء على مصر، فدائما ما كانت كلمة النهاية هي ما يكتبها المصريون وجيشهم العظيم.

 وإذا كان المصريون قد فعلوا ذلك مع مسائل وقضايا كانت تمس الكرامة المصرية دون أن تؤثر على حياتهم وبقائهم، فإن تصرفهم اليوم مع تهديد الحياة والبقاء لا يمكن لعاقل أن يتصور أن سيكون مختلفا بل إنه حتما سيكون أشد ضراوة. ولذلك خاضت مصر وما تزال تخوض معركة شرسة تستخدم فيها أوراقها الدبلوماسية غير راغبة في أن تضطر للجوء إلى أوراق أخرى كفلها لها القانون الدولي دفاعا عن حقها بل عن وجودها ضد كل من يتوهم أن بإمكانه أن يمنع حقا مصريا أصيلا يقره التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي. باختصار وكما قال الرئيس السيسي “الأسد محدش بيأكل أكله”، وأيضا لا أحد يمكنه أن يمنع عن الأسد الماء أو حتى يعكره. والرسالة للجميع هنا هي أن الأسد (الجيش المصري) جاهز ومستعد دائما للدفاع عن حق المصريين ومقدراتهم وأمنهم القومي في كل الاتجاهات وبكل السبل، وأن جورا على الحقوق المصرية الطبيعية في النيل كانت أو في البحر المتوسط مجرد أضغاث أحلام تراود البعض مصيرها الفشل أو أن تصبح كوابيس تطاردهم.        

Scroll Up