كتب: د. محمد مجاهد الزيات – د. دلال محمود

إن الانفجار الذي شهده لبنان منذ عدة أيام كارثة إنسانية بكافة المعايير، ولاقى تعاطف ودعم العالم كله، وسارعت العديد من الدول لتقديم الدعم والمساعدة للشعب اللبناني الشقيق. وسط حالة الزخم الدولية وردود الأفعال الدولية المساندة، حرصت تركيا على استثمار هذه الانفجارات لتحقيق أهدافها المؤجلة في لبنان، والأمر قد يبدو مبالغًا فيه بعض الشيء، لكن المتابع للتحركات التركية في المنطقة يدرك محاولاتها للتمدد في لبنان خلال الشهور الثلاثة الماضية، إذ يسعى أردوغان إلى امتلاك أكبر عدد ممكن ومتاح أو غير متاح من أوراق اللعبة الإقليمية وكل الملفات طمعًا فى ثروات ونفوذ وسيطرة تحقق له أهدافه التوسعية واستعادة دور ومكانة أجداده العثمانيين، أو بأن يكون طرفًا أصيلًا على كل موائد التفاوض والتحالفات وإعادة ترتيب الأوراق، خاصة وأنه يدعي أنه يمثل المحور السني “المعتدل” فى مقابل المحور الإيراني “الشرير”، وأنه حريص على إعاقة التمدد الروسي فى دول المنطقة خدمةً للمصالح  الغربية في الوقت الذى تنسق فيه مع موسكو فى عدد من الملفات الأمنية وتوزيع النفوذ والثروات وفى الكواليس وخلف الأبواب المغلقة يقدم نفسه بأنه قادر على السيطرة على كل الجماعات والمليشيات المسلحة التى تنضوي تحت راية “الجماعات الجهادية” وإذا استدعى الأمر يلوح بها علانية كما يفعل مع مصر وليبيا فضلا عن تهديداته المتكررة لأوروبا مستغلًا ملف اللاجئين.

كيف تستثمر تركيا الكارثة الإنسانية؟

  • إن الأزمة التي يعايشها لبنان منذ العام الماضي والتي أثارت احتجاجات شعبية واسعة فرضت حالة من التشرذم على الساحة اللبنانية، وعمقت من أزمة المجتمع اللبناني واستدعت مشاهد الخلافات الطائفية في بعض مراحلها، ومثل هذه الظروف تلائم السياسة التركية التي تنشط في الدول العربية المأزومة التي تعاني من مشكلات داخلية لتتدخل لمناصرة بعض الفئات إما على أسس قومية (الأصول التركمانية) أو على أسس دينية (تيارات الإسلام السياسي خاصة السُنية)، وبحسب ما تعكس آراء المحللين السياسيين والإعلاميين والمشهد على الأرض، يأتي لبنان على رأس قائمة المطامع التركية، حيث تحظى تركيا بولاء كبير من التيار السني في لبنان، والذي انتفض مؤخرًا لمجرد أن أحد الإعلاميين سب الرئيس التركي رجب اردوغان، حيث خرجت مظاهرات منددة تطالب بمحاكمته؛ وللمفارقة فإن كلًا من الفئتين متواجد في لبنان.  
  • تطمح تركيا لتعزيز نفوذها في سوريا من خلال توسيع نفوذها اللبناني وتحديدًا في منطقة الشمال –اعتمادًا على الارتباط الشديد بين الدولتين- وذلك عبر العديد من النشاطات في مجالات مختلفة كالكهرباء، والتجارة البحرية، وسعيًا لتوسيع أفق التجارة، وربط مرفأ طرابلس بمرفأ مرسين، خصوصاً بعد استثمار الروس في خزانات النفط، ووجود إيران بقوة على الساحة اللبنانية، وفي ظل غياب عربي لافت. إذًا تطمح أنقرة لتعزيز نفوذها عبر هذا الحضور والمساعدات، فهي أيضًا شريكة الروسي والإيراني في محادثات أستانا، لرسم السياسات حول سوريا، ومن يكون شريكًا في سوريا، يبحث تلقائيًا ما يوازيه كحصة في لبنان.
  • تعمل تركيا أيضًا على إيجاد منافذ لها على منطقة شرق المتوسط، لفرض مصالحها ولتأمين فرصتها في التنقيب التي تعارضها دول المنطقة المذكورة. وكما تستفيد من اعترافها بقبرص التركية وتطالب بحقوق لها في هذه الاكتشافات، وتتفق مع حكومة الوفاق الليبية على ترسيم الحدود البحرية بين الدولتين، ترى في لبنان موطئ قدم ممكن لها في شرق المتوسط، ولذا كان هذا جزءًا أساسيًا من مباحثات أوغلو في بيروت، الذي قدّم عرضًا ببناء خط مشترك تركي لبناني لتصدير النفط والغاز إلى أوروبا، في محاولة لبناء خط متوسطي بديل للخط الآخر (إيست ميد)، تعبيرًا عن رغبة تركيا لأن تكون لبنان شريكًا لها للدخول إلى اتفاقيات استخراج النفط. وقد أعلن كبار المسؤولين الأتراك عن ترتيبهم لعقد اتفاقيات تعيين حدود بحرية مع كل من لبنان وسوريا، وإذا نجحت في عمل اتفاقية مع لبنان فسوف تملك تأثيرًا واضحًا على السياسة الروسية التي تستهدف الهيمنة على ملف الغاز السوري.
  • وفقًا لجهات لبنانية رسمية فإن أنقرة تستفيد من حالة الفراغ السياسي في لبنان وتحاول أن تُثبت حضورها على أمل أن تتمدد سياسيًا في المدى المتوسط أو البعيد، لتحويل لبنان إلى ساحة تدفع باتجاه تمدد النفوذ التركي إلى الساحة اللبنانية التي تغرق في أزمات اقتصادية وسياسية، مع تراجع الدعم العربي لمواجهة هذه الأزمات، مما يقدم تركيا كفاعل مؤثر في مستقبل لبنان، وعلى سبيل المثال قدمت تركيا دعمًا إلى الجيش اللبناني على المستوى الرسمي، إذ سلّمته ذخيرة تركية حية من عيارات مختلفة، “هبة من السلطات التركية”!. وقد عبر وزير الخارجية اللبناني السابق جبران باسيل عن دور تركيا في لبنان خلال لقاء مع برنامج “عشرين-30” على قناة LBC اللبنانية، يوم 27 يوليو 2020 قائلًا: “تهمنا العلاقة مع تركيا لكن هناك تمددًا تركيًا سياسيًا وماليًا وأمنياً، وأنبه أن هناك قادة أجهزة حاليين على علم بذلك ويسهلونه… نحن نريد مساعدات للبنان في محنته وليس لافتعال فتن”.
  • تعتبر تركيا لبنان إحدى ساحات التنافس على النفوذ الإقليمي فحزب الله يتيح نفوذًا واسعًا لإيران في لبنان، وهناك نفوذ خليجي (سعودي وإماراتي) من خلال العلاقة بعدد من الرموز السياسية في لبنان، وأبرزهم رئيس الوزراء السابق سعد الحريري. وتدير الحملات الإعلامية للترويج بأن المخاوف من توسع وجودها في لبنان ينذر بتمددها السياسي لاحقًا، هذه المخاوف من المحاور المنافسة لها إقليميًا، ولذلك تنفي أي ادعاء بأنها تتدخل في العمل السياسي أو أنها تدعم طرفًا محددًا في هذا الفراغ السياسي.

وعلى الرغم من أن التدخل التركي لا يزال قاصرًا على تقديم المساعدات الغذائية والطبية ولم يأخذ حتى الساعة أي طابع سياسي، فإن الأجهزة الأمنية اللبنانية تراقب هذا التدخل للتأكد من أنه لا يتقاطع أمنيًا وسياسيًا مع التدخل التركي في سوريا والعراق وليبيا وبلدان أخرى في القارة الأفريقية، بما يعكس الحذر من سياسات تركيا وعدم الاطمئنان إلى نواياها.

أدوات السياسة التركية في لبنان

تعتمد تركيا على عدد من الأدوات لتنفيذ سياستها التوسعية في الدول العربية، أبرزها بالتأكيد الأداة العسكرية والتي تعتمد عليها بشكل أساسي في سوريا والعراق وليبيا بخلاف الانتشار العسكري في مناطق أخرى، لكن في لبنان فإن تركيا تعتمد على قوتها الناعمة بالأساس من خلال إنشاء المؤسسات الثقافية والخيرية والتعليمية؛ وذلك لتحقيق حلم إحياء «الإمبرواطورية العثمانية» المزعومة؛ ووجدت أنقرة في لبنان مدخلا إنسانيا وقوميا أيضا خاصة في الشمال؛ حيث تتواجد أكبر نسبة للتيارات السنية وتحديدا في مدينة طرابلس وفي الجنوب مدينة صيدا.

ويمكن إلقاء الضوء على أهم هذه الأدوات فيما يلي:

  • تمتلك تركيا العديد من الجمعيات الخيرية والمؤسسات الثقافية في لبنان؛ بهدف فرض نفوذها على المدن خاصة التي يوجد بها كتل لا بأس بها من السنة، أو تلك من ذوي الأصول التركمانية. ويرد في المصادر المختلفة نماذج لهذه المؤسسات، من أبرزها: «جماعة علمائية» تضم 800 شيخ سني ينتشرون فوق كافة الأراضي اللبنانية ويؤمنون المساجد ويديرون الجمعيات الخيرية، وبحسب مصادر المعلومات، فإن هؤلاء مسجلين رسميًا كمنظمة لبنانية، رغم أن مرتباتهم يحصلون عليها من الدوحة ويديرهم موفدون آتراك تابعون للاستخبارات وينسقون مع «ياسين أقطاي» مستشار الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» ونائبه في حزب العدالة والتنمية. وهناك أيضًا بعض الجمعيات الأهلية التركية التي تزعم عملها في الأنشطة الخيرية والتعليمية والتوعية والاجتماعية؛ منها «جمعية دورس الخيرية الاجتماعية» و«جمعيةالإخوة اللبنانية-التركية» و«الجمعية الثقافية اللبنانية-التركية» و«وكالة التنمية التركية»، وفي محاولة لاحتواء الأقلية التركمانية ذات الأصول التركية؛ دشنت أنقرة لهم بعض الجمعيات يأتي من بينها؛ «الجمعية التركمانية-اللبنانية»، و«جمعية انماء حوارة التركمانية».
  • أنشأت تركيا مراكز ثقافية لتعليم اللغة التركية، والترويج للثقافة التركية وتقديم منح دراسية مع إعطاء الطلاب تسهيلات للدراسة في المراكز الواقعة بالشمال اللبناني، فهناك المركز الثقافي التركي «معهد يونس أمره الثقافي» في بيروت؛ الذي يعمل لتحقيق المخطط التركي؛ إذ إنه يعلن دائمًا على صفحته بموقع «الفيسبوك» عن بدء قبول طلبات للراغبين في الانتساب إليه لتعلم اللغة التركية مع تقديم العديد من التسهيلات لتشجيع اللبنانيين للانضمام إليه. ويرى كثير من المراقبين أن النظام التركي يستغل الجمعيات الخيرية بهدف مسح الهوية العربية من خلال نشر الثقافة والفكر واللغة التركية، ويدللون على هذا الرأي بوجود مدارس في الشمال تم إنشاؤها بتمويل تركي تقوم بتدريس اللغة التركية، وتُقدّم منحاً لطلابها لإكمال دراستهم في تركيا، وهذا سمح لتركيا بأن يكوّن لها موطئ قدم في الشمال، خصوصًا أن هناك بلدة في عكار (الكواشرة) تقطن فيها جالية تركمانية (لبنانيون من أصل تركي مازالوا يتكلمون اللغة التركية ويتمسكون بالعادات والتقاليد التركية) كان قد خصّها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة أثناء زيارته لبنان في العام 2010″. 
  • إثارة الاحتجاجات وتزكية الصراعات الطائفية، وتجلى ذلك واضحًا في الدعم التركي لجمعية حراس المدينة التي يرأسها السفير التركي لدي لبنان «محمد شوك أبو محمود»، وقد قامت خلال المظاهرات اللبنانية بتأجيج الصراع الداخلي وإثارة الرأي العام ضد القيادة السياسية اللبنانية. وقد صرح وزير الداخلية اللبناني يوم 5 يوليو 2020 للمصادر الإعلامية: “هناك تعليمات تصل من تركيا عبر الواتس آب لبعض أطراف الحراك…. كما تم التأكد من أن بعض مثيري الاحتجاجات يحملون الجنسية التركية والسورية”. 
  • تعد الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) آلية مهمة لتنفيذ سياسة تركيا، ولذلك أوكلت إليها مهمة الإشراف على توزيع المساعدات من خلال مكاتب استحدثتها في طرابلس وعكار والبقاع وصيدا مستفيدة من وجود لبنانيين من أصول تركمانية، وقال إنها تقيم علاقة مباشرة مع ما يسمى بممثلي قبائل الترك في شمال لبنان. لكن «تيكا» لا تنشط فقط داخل البيئة السنّية، وإنما أخذت تتمدد في القطاعات الشعبية باتجاه عدد من الطوائف وفاعليات بلدية وجامعية وطبية، وإن كانت تتمتع بثقل ملحوظ في طرابلس وصولاً إلى عكار وتحديدًا بلدة الكواشرة، حيث إن سكانها من أصول تركمانية. وقد أشارت بعض المعلومات إلى “تورّط” تركي في سلسلة أحداث حصلت في شمال لبنان خلال الشهور الثلاثة الأخيرة- تزامنًا مع أزمة كوفيد-19 والأزمة الاقتصادية والسياسية اللبنانية- حيث أكدت عدة مصادر رسمية استثمار تركيا الضخم في مناطق الشمال من بوّابة المساعدات الاجتماعية التي تُقدّمها أنقرة للبنانيين، إذ إنها من خلال الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا) تستغل الفقر والجوع في مناطق عدة، لاسيما في الشمال من أجل توزيع مساعدات معيشية عبر مكاتب استحدثتها في طرابلس وعكار.
  • جماعة الإخوان تعتبر أداة فاعلة لتركيا لتتمدد في لبنان، من خلال الجماعات التي تدور في فلك الإخوان في لبنان ولديهم تواصل دائم ومستمر مع الأتراك، وأن هناك تنسيقًا تركيًا- قطريًا في هذا المجال لتقديم الدعم المادي لهذه المجموعات. وواقع الأمر فإن تركيا تقدم نفسها كحامية لتيارات الإسلام السياسي ومتبنية مشروع جماعة الإخوان في سياستها الخارجية ليس في لبنان فقط، لكن في ليبيا وتونس واليمن والأوضح في معاداة الدولة المصرية بعد ثورة يونيو 2013.

الأهداف الإقليمية للتحركات التركية

مما سبق يتضح أن سياسة تركيا تجاه لبنان لها أهداف واضحة ترتبط بالسياسة الإقليمية لتركيا وتوجهاتها الاستراتيجية، لم تبدأ في تنفيذها مع ما شهده لبنان مؤخرًا من انفجارات لكنها تستثمر هذه اللحظة للإسراع بتنفيذ هذه الأهداف مع إضافة بعض الأهداف المرحلية الأخرى، والتي يمكن توضيحها فيما يلي:

  • زيادة فرص الشركات التركية في نشاطات إعادة إعمار بيروت، بما يزيد من نفوذ تركيا اقتصاديا في لبنان.
  • الترويج لمشروعاتها الخاصة (قناة اسطنبول الجديدة)، فوفقا للوزير التركي مصطفى فارناك أوضح أن السفينة التي كانت تحمل الشحنة عبرت مضيق البسفور في إسطنبول قبل 6 سنوات، ولم تتمكن تركيا من توقيف السفينة، وأنه لهذا السبب يصر الرئيس أردوغان على تنفيذ مشروع قناة إسطنبول الجديدة، لما يمثله من أهمية استراتيجية وأمنية بالنسبة لتركيا. ومشروع “قناة إسطنبول”، سيربط بحر مرمرة بالبحر الأسود في الشق الأوروبي من إسطنبول، على امتداد 45 كيلومتراً، بموازاة مضيق البوسفور.
  • تدعيم مكانة مؤسساتها القائمة في الشمال اللبناني، خاصة في القطاعات الشعبية وبين مؤسسات المجتمع المدني لتحسين صورة تركيا بما يزيد من نفوذ تركيا ثقافيا وسياسيا. 

واتساقًا مع هذا التوجه لاستثمار الحدث، سارع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتقديم تعازيه للبنان بضحايا الانفجار، مؤكدًا أن تركيا ستقف بجانب الشعب اللبناني، لتبدأ المساعدات التركية الموجهة، ومن أبرزها:

  • إرسال مستشفى ميداني ومساعدات طبية إلى بيروت، ومعه فريق إنقاذ طبي مكونا من 21 شخصا، ووحدتي استجابة للطوارئ، و3 خيام لإيواء الأفراد، وأدوية وإمدادات طبية.
  • إرسال فريق للبحث والإنقاذ تابعة لهيئة الكوارث والطوارئ (آفاد)، مكون من 10 أفراد ومعدات وسيارة إنقاذ. 
  • إرسال جمعية الهلال الأحمر التركي فريقًا إغاثيًا إلى بيروت لإغاثة ومساعدة سكان المنطقة المنكوبة، للعمل بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني.
  • الإعلان عن تجهيز نحو 400 طن من القمح وإرسالهم إلى لبنان عبر الوكالة التركية للتعاون والتنسيق “تيكا”، وذلك على الرغم من البيان الصادر عن إدارة مرفأ طرابلس شمالي لبنان، لطمأنة المواطنين، والإعلان عن عدم وجود أزمة قمح في البلاد، وأن الميناء خال تماما من المواد الخطرة. وأكد أن سفينة محملة بـ5500 طن من القمح تصل يوم 6 أغسطس إلى الميناء قادمة من أوكرانيا، وأن 3 سفن أخرى ستتبعها في الأيام المقبلة.
  • جهزت جمعية “حجر الصدقة” التركية، مطعمًا مؤقتًا في بيروت، لتجهيز الأطعمة والمأكولات، وإرسالها إلى اللبنانيين الذين فقدوا منازلهم بسبب الانفجار.
  • جمعية الإغاثة التركية (İHH) تعمل على إزالة مخلفات الانفجار عن طرقات العاصمة اللبنانية وتنظيفها، ما لفت المواطنين اللبنانيين الذين عبروا عن شكرهم لتركيا وشعبها.

الخلاصة، إن لبنان يمثل هدفًا لاستراتيجية الانتشار التركي منذ وصول أردوغان وحزب العدالة والتنمية للحكم، وقد تزايد حجم الاهتمام التركي بعد أحداث سوريا والدور التركي- القطري لدعم الفصائل العسكرية السورية لإسقاط النظام في دمشق، وكانت منطقة الشمال اللبناني معبراً للمجموعات المتطرفة الأجنبية إلى سوريا وكانت نقطة ارتكاز وإمداد بالأسلحة برعاية من المخابرات التركية.

وتسعى تركيا من خلال امتلاك تأثير داخل لبنان إلى الحصول على أوراق مساومة مع فرنسا- التي يمثل لبنان بالنسبة لها أهمية كبيرة، وهو ما يدفعها للعمل على تغيير المعادلة السياسية وتوازن القوى داخل لبنان – خاصة مع وجود العديد من الملفات التي تشهد خلافات وتباينات بينهما، خاصة الملف الليبي والملف الكردي.

إن التغلغل التركي في لبنان يساهم في دعم الانتشار التركي في الدائرة العربية والإقليمية، وتراهن تركيا على أن ذلك سوف يحظى في النهاية بموافقة غربية وأمريكية إسرائيلية على اعتبار أنه يحاصر الدور الإيراني وهو هدف بالنسبة لهم. كما أن نجاح تركيا في تثبيت حضورها ونفوذها في لبنان سوف يضيف إلى رصيدها من عناصر قوة في أية ترتيبات للملف السوري بصفة عامة، وتفتح مجالات تعاون مع إسرائيل، خاصة إذا ما استطاعت تركيا استغلال لبنان لتحقيق طموحاتها في غاز شرق المتوسط. 

ومثل هذا التغلغل التركي في المنطقة العربية، يفرض على الدول العربية أن يكون لها دورًا أكثر فاعلية للحفاظ على لبنان ودعمه لتجاوز المحنة التي بدأت في لبنان، كخطوة لمواجهة الانتشار التركي في الدول العربية الأخرى.

Scroll Up