يبدو أن انتخابات مجلس الشيوخ في مصر  التي انطلقت للمصريين في الخارج أمس الأحد وتختتم اليوم على أن تبدأ  غدا الثلاثاء للمصريين في الداخل أثارت حالة من الجدل السياسي حول عدد من الأسئلة المشروعة التي تتمحور حول ثلاث موضوعات بالأساس، هذه الأسئلة هي كالتالي:

  1. لماذا فكرة إنشاء غرفة نيابية ثانية في مصر؟
  2. لماذا الآن بالتحديد في ظل بداية تعافي مصر من جائحة فيروس كورونا؟
  3. هل يعد مجلس الشيوخ إضافة حقيقية بالفعل للوضع في مصر؟

مجلس الشيوخ.. لماذا؟

ترتكز دوافع الدولة المصرية في إنشاء غرفة نيابية ثانية بجانب مجلس النواب حول أمرين، هما: دوافع تكتيكية، وأخرى استراتيجية. أما الدوافع التكتيكية المباشرة فهي معاونة مجلس النواب في تسيير مهامه الرئيسية وأهمها “البحث” في جدوى خطط الدولة التنموية والاجتماعية في بناء الانسان المصري من خلال مراجعات ومناقشات تتم داخل مجلس الشيوخ قبل أن تخرج إلى مسارات أخرى مثل مجلس النواب ومن ثمّ إقرارها. ويكتسب مجلس الشيوخ أفضلية نسبية تتمثل في خبرة أعضائه المناقشين لحيثيات مشاريع القوانين أو الملفات المطروحة أمامهم. بخلاف أنه يُحتّم على الغرفتين الانتباه جيدا لخطوات الدولة في معالجة آثار أزمة فيروس كورونا على المستويين الاقتصادي والاجتماعي بشكل يحقق مصالح المواطن المصري. وهو ما يُرسّخ مفهوم “الحكم الرشيد” الذي يستدعي بالضرورة دور “الدولة الوطنية” خاصة في معالجة ما خلفته أزمة كورونا وهو ما قد يجيب على بعض من سؤال لماذا الآن.

أما الدوافع الاستراتيجية فيأتي أولها هو “ترميم الحياة النيابية” في مصر وهي الدولة التي تعد الأولى في الشرق الأوسط لإقامتها مجلس ذي اختصاصات نيابية وهو المجلس العالي الذي نصّب محمد علي واليا على مصر (1805) دون انتظار لقرار من الباب العالي العثماني الذي ولىّ.

كما يعني الأمر أن الدولة تستهدف من الغرفة الثانية “توسيع مجالات الحياة السياسية” في مصر من خلال خلق حالة من التفاضل والتكامل بين الغرفتين من أجل صياغة قرار سياسي رشيد يعزز مقدرات الدولة ويرفع من وضع المواطن المصري في بلده. يفسر ذلك عدم منح مجلس الشيوخ اختصاصات ذات مستويات نيابية عالية للحيلولة دون سقوط الحياة السياسية في مصر إلى نوع من التباري والتضاد خاصة في المراحل الأولى من التجربة.

كما يسمح بإثراء الحياة الحزبية في مصر وتعميق مشاركتها بمستويات متعددة في المجال السياسي المصري، إذ تشارك أربع أحزاب رئيسية من تيار المعارضة وهي “الوفد”، و”التجمع”، و”الديموقراطي الاجتماعي”، و”الإصلاح والتنمية”. بالإضافة إلى أحزاب وكيانات أخرى منها “مستقبل وطن”، و”القائمة الوطنية”، و”تنسيقية شباب الأحزاب” التي تشمل على عناصر من تيار المعارضة أيضا في مصر.

وفي أثناء سؤال الرئيس في المؤتمر الوطني السابع (يوليو 2019) إذا ما كان هناك فرصة أمام الشباب للمشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ، أجاب الرئيس أن الدولة ستترك المساحة كاملة للشباب في انتخابات البرلمان وانتخابات المحليات أما مجلس الشيوخ فهي المنصة التي ستجمع الخبراء في مجالهم. لا يعني الأمر أن المشهد القادم يخلو من الشباب تماما بل على النقيض إذ حرصت الكثير من الأحزاب والكيانات السياسية على تصدير فئة الشباب لتمثيلها سياسيا أبرز هذه الكيانات هي تنسيقية شباب الأحزاب.

ولكن يعني الأمر فعلا أن مجلس الشيوخ يعكس الصفة النوعية التي تمثلها هذه الغرفة في عملية صناعة القرار في مصر بخلاف دورها في الحياة السياسية بشكل عام. وهو ما يظهر في تصريح إيهاب الخولي أمين سر اللجنة التشريعية والدستورية في مجلس النواب أثناء حواره مع قناة بي بي سي (2020): “إن هناك مشكلات في الأثر التشريعي لبعض القوانين التي يصدرها مجلس النواب، وهي التي تتعلق بتأثير القانون على المدى البعيد، وتحتاج إلى مجلس معاون يقوم بالدراسة المتأنية لمشروعات القوانين”.

التحول في دور الغرف النيابية

تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي في يوليو 2019 يعكس التحولات الجديدة التي طرأت على دور الغرف النيابية في العالم. إذ تُحتم التطورات الجارية على الساحة العالمية والإقليمية بعد اندلاع أزمة فيروس كورونا المستجد، واشتعال الصراعات والأزمات في أكثر من جهة استدعاء ما يسمى بـ “دور الدولة الوطنية”. وهو ما ظهر على لسان الرئيس في 2017 في حديثه مع رئيس البرلمان العربي “مشعل بن فهد السلمي” قال إنه من أجل رفع قدرات الدولة العربية يجب علينا رفع القدرة المؤسسية للبرلمان الوطني وجميع المجالس النيابية.

ويؤكد أمين عام جامعة الدول العربية “أحمد أبو الغيط” (2017) أن تصاعد التهديدات استدعى دور الحكم الرشيد وبات هو الحصن الأهم، وهو ما يتطلب من البرلمانات العربية بلورة رؤية عربية شاملة.

جميع ما سبق من تصريحات تعكس إدراك الدولة المصرية؛ يدفعنا للقول إن مجلس الشيوخ ينتظره دورا نوعيا مختلفا عما يمكن تصوره من دور كلاسيكي للمجالس النيابية وهو أن يلعب دورا إقليميا بارزا خاصة في ظل التحديات المحدقة بالدولة المصرية من كل جانب وما يسمح له بلعب كهذا دور هو ثقل الخبرات الذي سيشتمل عليه أعضاء المجلس.

يدفعنا السياق للإشارة إلى ما يسمى بـ “دبلوماسية البرلمان” وهو ذلك النوع من الدور السياسي الذي يلعبه البرلمان في ملفات السياسة الخارجية للدولة مما يسمح لها بتوسيع هوامش حركتها وإمكانية عقدها تقاربات إقليمية مع دول شقيقة أو جارة وبالتالي يسمح بتذليل عقبات تشريعية أو قانونية.

ختاما، يمكن القول إن “الدوافع” التي تحرك الدولة المصرية من أجل إقامة غرفة نيابية ثانية (مجلس الشيوخ) ليست تكتيكية فحسب أي لا تختزلها الدولة في فكرة معاونة البرلمان في الدراسة المتأنية لمشروعات القوانين وخطط الدولة رغم عدم بساطة هذا الدور. ولكن تتجاوز الأمر بسحبها إلى أدوار جديدة تحقق “إضافة” لتحرك الدولة المصرية وتوسيع هوامش حركته. بخلاف أنها تمثل خطوة أولى في توسيع المجال السياسي وترميم الحياة السياسية في مصر يمكن البناء والتعويل عليها من اجل ترسيخ الحكم الرشيد في مصر. الذي تحتاجه مصر “الآن” من أجل العبور من تداعيات أزمة كورونا والأزمات الإقليمية المتلاحقة التي تتطلب الانتباه المؤسسي لكل خطوة تخطوها الدولة في تحقيق مبدأ “بناء الدولة الوطنية”.

Scroll Up