تجري انتخابات عامة لانتخاب مجلس الشيوخ في مصر بعد تعديل الدستور المصري عام ٢٠١٩ والاستفتاء عليه؛ إذ وافق الشعب المصري على التعديلات الدستورية التي اشتملت على تعديل في مدة رئيس الجمهورية وإضافة منصب نائب رئيس الجمهورية، وأضيف باب كامل هو الباب السابع وعنوانه مجلس الشيوخ ونصوصه تبدأ من ٢٤٨ وتنتهي بالمادة ٢٥٤ والذي نص على صلاحيات المجلس وطريقة انتخابه، على ألا تقل العضوية فيه عن ١٨٠ عضوًا، ينتخب ثلثيه بالاقتراع السري، ويعين رئيس الجمهورية الثلث الباقي.

ثم صدر القانون ١٤١ لسنة ٢٠٢٠ قانون مجلس الشيوخ والذي نص على أن يُشكّل المجلس من ٣٠٠ عضو ينتخب الثلثين ويعين رئيس الجمهورية الثلث الباقي على أن يخصص للنساء ١٠٪؜ من المقاعد كما نص القانون على طريقة انتخاب المجلس بأن يتم انتخاب ١٠٠ عضو بالقائمة المغلقة المطلقة، ويتم انتخاب ١٠٠ عضو عن طريق الانتخاب الفردي. وكانت هناك آراء مختلفة بشأن طريقة انتخاب المجلس بعض الأحزاب السياسية طالبت بانتخاب الثلث بالقائمة النسبية، ثم استقر الرأي في النهاية بإجراء الانتخاب بالقائمة المغلقة وبالأغلبية المطلقة. 

وقد تم الاتفاق بين ١١ حزبًا على تشكيل قائمة مشتركة، صحيح ضمن حزب مستقبل وطن أغلبية بنسبة ٤٠ ٪ في القائمة لكن ترك الباقي للأحزاب الأخرى وبالطبع الانتخاب الفردي يمكن أن يغير من الأغلبية داخل مجلس الشيوخ. وتم تقسيم الجمهورية لأربع قوائم، قائمتين شمال وجنوب، كل قائمة ٣٥ مقعدًا منهم ٧ مقاعد مخصصة للنساء، وقائمتين شرق وغرب كل قائمة ١٥ مقعدًا منهم ٣ مقاعد مخصصة للنساء.

بالنسبة للفردي تم تقسيم الجمهورية على أن تكون المحافظة هي دائرة انتخابية تنتخب عدد من المرشحين وفقًا لعدد السكان، فعلى سبيل المثال تم تخصيص ١٠ مقاعد لدائرة محافظة القاهرة ودائرة محافظة الإسكندرية ٧ أعضاء ودائرة محافظة الجيزة ٨ أعضاء.

إذًا فإن إجراء الانتخاب يتم تنفيذا لإرادة المصريين الذين صوتوا لصالح التعديلات الدستورية وإنشاء مجلس الشيوخ. السؤال الذي يطرحه البعض الآن عن الجدوى من إنشاء مجلس الشيوخ، ويدعي هذا الطرح أن المجلس بلا صلاحيات رغم أن هذه الأصوات هي ذاتها التي تطالب بالإصلاح السياسي، وتوسيع دائرة المشاركة في صنع القرار وعدم انفراد السلطة التنفيذية بالقرار. 

الأخذ بنظام الغرفتين Two Chambers System

عرفت مصر نظام الغرفتين من قبل أكثر من مرة، فقبل ثورة يناير كان لدينا نظام الغرفتين مجلس الشعب ومجلس الشورى ثم أُلغي بعد الثورة وعاد مع دستور ٢٠١٢، ثم أُلغي بعد ثور ٣٠ يونيو، ولم يتضمن دستور ٢٠١٤ أي نص يتعلق بالغرفة الثانية للبرلمان، ومع تعديل الدستور ٢٠١٩ تم اعتماد نظام الغرفتين.

في النظم السياسية يتم اعتماد نظام الغرفتين بهدف أساسي هو توسيع دائرة المشاركة المجتمعية بإضافة فئات اجتماعية وسياسية مختلفة وإدماجهم في عملية صنع القرار، وبشكل خاص في التشريعات والقوانين, وتأتي هذه الخطوة في مصر ليس فقط كاستحقاق دستوري ولكن أيضًا في إطار عملية لإصلاح الحياة السياسية، وإدارة حوار وطني بين عدد من الأحزاب السياسية التي لها جذور في الشارع السياسي، لا سيما وأننا لا نزال في مرحلة البناء السياسي.

فمنذ ٢٠١٣ تم التركيز على برنامج الإصلاح المالي والنقدي وبرنامج اقتصادي شديد الصعوبة، وقد تحمل المواطنون المصريون هذا البرنامج لثقتهم في القيادة من جانب، ولأننا عانينا قبل ٢٠١٣ أشد المعاناة من أزمات في الكهرباء والطاقة والمحروقات وغيرها من الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وكاد الاقتصاد أن يصل إلى مرحلة الشلل، وبعد نجاح الإصلاحات الاقتصادية وتحقيق معدل تنمية واعد ، رغم أن عملية الإصلاح كانت تتم في ظل حرب ضروس ضد الإرهاب وتربص جماعة الإخوان والإعلام الموجه من قطر وتركيا بالتجربة المصرية، لكن نجحت مصر في عبور هذه الأزمة ولاشك في أن مصر في حاجة إلى إصلاح سياسي يشرك قطاعًا أوسع من المجتمع في صناعة القرار، بل لتشكل سياجًا يحمي التجربة ولا يسمح مرة أخرى بعودة الماضي القريب الذي كان تهديدًا لوجود الدولة المصرية وكيانها. 

صلاحيات مجلس الشيوخ

الادعاء بأن مجلس الشيوخ ليس له صلاحيات لا يعرف طبيعة نظام الغرفتين كنظام معمول به في كثير من الدول، منها أعرق ديمقراطية في العالم ديمقراطية “ويست منستر” ببريطانيا، ويتم في هذا النظام إفراد اختصاصات محددة لا يملك مجلس النواب مناقشتها قبل عرضها ومناقشتها على الغرفة الأولى (مجلس الشيوخ)، فعلى سبيل الحصر تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور يجب أن تناقش أولًا في مجلس الشيوخ؟

إذًا تعديل الدستور اختصاص أصيل، وكذلك القوانين المكملة للدستور وهي قوانين كثيرة وأساسية لا يمكن مناقشتها في مجلس النواب إلا بعد مناقشتها في مجلس الشيوخ. والقوانين المكملة للدستور هي القوانين التي ينص الدستور على إلزام المشرع بإصدارها لتنظيم حق دستوري، مثل باب الحقوق والحريات وباب سيادة القانون، إذ يتطلب قانون الإجراءات الجنائية تنظيم الضمانات والحقوق التي نص عليها الدستور كعدم جواز إلقاء القبض إلا بإذن من السلطة القضائية، وحق إصدار الصحف وحق إنشاء الجمعيات وحق إنشاء الأحزاب السياسية وقانون تنظيم السلطة القضائية وقوانين الانتخابات البرلمانية وقانون الحكم المحلي أو الإدارة المحلية

وكذلك من الاختصاصات مناقشة معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة، وهذا يعني أن اتفاقيات مثل ترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية يجب أن تُعرض على مجلس الشيوخ أولًا قبل عرضها على مجلس النواب.

يُضاف إلى ذلك الموضوعات التي تتعلق بالديمقراطية والحقوق والحريات وكل ما يطرح رئيس الجمهورية من موضوعات يطلب فيها الرأي والمشورة، فيعكف المجلس على دراستها من خلال لجانه وأعضائه الذين يتمتعون بالخبرة اللازمة، وله أيضًا أن يستضيف الخبراء المعنيين بكل موضوع يتطلب خبرة خاصة، وبالتالي هذه الدراسات تقدم لصاحب القرار رؤية واضحة لكل الجوانب التي تحيط بالموضوع المحال للمجلس. فوفقًا للمادة ٢٤٨ من الدستور:

  1. دراسة واقتراح ما يراه كفيلًا بتوكيد دعائم الديمقراطية.
  2. دعم السلام الاجتماعي والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة.
  3. تعميق النظام الديمقراطي وتوسيع مجالاته.

كما نصت المادة ٢٤٩ على اختصاصات أخرى هي:

  1. الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور. 
  2. مشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
  3. معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي تتعلق بالسيادة.
  4. مشاريع القوانين والقوانين المكملة للدستور التي تحال إليه من مجلس النواب أو رئيس الجمهورية.

يتضح مما سبق أن مجلس الشيوخ له صلاحيات محددة تجعل من القضايا الجوهرية أن تخضع لنقاش معمق يساهم فيه قطاع واسع من القوي السياسية والمجتمعية في مجلسي الشيوخ والنواب.

فمجلس الشيوخ الذي يجري انتخاب أعضائه هو لبنة في البناء الديمقراطي يشكل إضافة مهمة لتعزيز مبدأ أساسي في الدولة الديمقراطية وهو الحق في إدارة الشأن العام والمساهمة في صنع القرار. يتبقى لاستكمال البناء الديمقراطي انتخاب المجالس المحلية، وهي تعد العملية الأكبر في البناء الديمقراطي، حيث يتجاوز عدد أعضاء المجالس المحلية أكثر من ٥٠ ألف عضو، نص الدستور المصري على أن يكون ٢٥ ٪؜ منهم من النساء كذلك يمثل الشباب بنسبة مماثلة.

الضمانة الحقيقية لاستقرار نظامنا السياسي وبقاء الدولة قوية هو مشاركة أوسع لكل القوى السياسية والاجتماعية، وبناء نظام حزبي تعددي مدني يعزز الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.

Scroll Up