C:\Users\DELL\Desktop\Irfan_Fidan_Maikel_Moreno..jpg

عرفان فيدان (إلى اليسار) أثناء لقاء سابق مع رئيس محكمة العدل الفنزويلية العليا مايكل مورينو

أحبطت حكومة رجب طيب أردوغان كافة التحقيقات التي أجرتها أجهزة الأمن التركية حول شبكة تهريب البشر التي أدارها فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني على الأراضي التركية بهدف تنظيم إرسال عملاء تابعين له إلى بعض الدول الغربية لتنفيذ عمليات استخباراتية وإرهابية.

وفقًا للوثائق السرية المتوفرة يتضح أنه تم بالفعل فتح تحقيق حول هذه الشبكة، بعد أن وردت إلى أجهزة الاستخبارات التركية في التاسع من أبريل عام 2013 معلومات وتفاصيل موثوقة من جانب جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) حول هذا الملف. عقب ورود هذه المعلومات إلى الاستخبارات التركية تم تمريرها إلى قسم شرطة مدينة إسطنبول لتبدأ مديرية الأمن الوطني التحقيق فيها بشكل موسع. بالفعل قام ضباط المديرية بفتح تحقيق أولي حول الأشخاص الذين وردت أسماؤهم ضمن هذه المعلومات، خاصة وأن جوهر ما تم التوصل إليه هو التحذير من احتمالات جدية لشن هجمات على مواقع ومبانٍ إسرائيلية ويهودية في تركيا وأوروبا.

تفاصيل التحقيقات التي تمت في هذا الصدد تضمنها نص التقرير المختوم بختم (سري للغاية) الذي أرسله في 20 أبريل 2013 رئيس إدارة المخابرات في شرطة إسطنبول أحمد أوزتورك إلى عدة أجهزة أمنية وقضائية. وقد أفاد التقرير أن هذه الشبكة كان يديرها مواطن أفغاني الجنسية يدعى (مير أغا كريمي سيد كريم) يبلغ من العمر 37 عامًا وكان يُشرف على عمليات نقل وتسفير من بلدان الشرق الأوسط نحو عدد من الدول الأوروبية وتحديدًا اليونان وبلجيكا ورومانيا وألمانيا، وذلك باستخدام وثائق وجوازات سفر مزورة أعدها مواطنان تركيان يُدعيان (رشات غوموشياكا) و(إيثم تاأوغلو) ومن ثم يقوم مواطن أفغاني يدعى (رضا) وشخص آخر يدعى (العم هالو) بتوفير مأوى مؤقت للأشخاص الذين يتم نقلهم في هذه العملية، ويضاف إلى هؤلاء أفراد آخرون يحملون الجنسيات التركية والأفغانية كانت لهم أدوار مختلفة في هذه الشبكة.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\f1a9bc74-2f3f-415b-a8c2-f9b01160e3db.jpg
C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\1adae815-aa2c-4db3-aa10-223de59f9df5.jpg

صور التقرير الاستخباراتي المكون من صفحتين حول إشراف عناصر فيلق القدس على شبكة تهريب البشر إلى أوروبا

فعليًا كانت شرطة إسطنبول تحقق بشأن هذه الشبكة حتى قبل أن يرسل جهاز الموساد معلومات حولها إلى الاستخبارات التركية، ففي السابع والعشرين من مايو 2012 اعتقلت شرطة مطار إسطنبول شخصًا ادعى أنه مواطن دنماركي يدعى (لارس كلارسكوف يورغنسن) بعد أن تم الاشتباه في أن جواز السفر الذي يحمله كان مزورًا، وعندما تم تفتيشه عثرت الشرطة بحوزته على جواز سفر إيراني باسم (محمد رضا نجاريات كرماني) أصدره المستشار في السفارة الإيرانية في بغداد (بابك جهنده) بجانب أختام مزورة تم استخدامها لختم الجوازات بأختام دخول وخروج. عقب اعتقاله تمت إحالته إلى النيابة العامة بتهمة التزوير واستخدام وثائق مزورة، وتم حينها الإفراج عنه على ذمة التحقيق مع منعه من السفر خارج البلاد.

خلال التحقيقات اعترف كرماني بأنه دخل إلى تركيا بمعرفة شبكة التهريب التي يديرها في إسطنبول مواطنون إيرانيون والتي زودته بجواز السفر والأختام المزورة، وادعى حينها أنه كان متجهًا إلى أوروبا بهدف العمل وكسب لقمة العيش. عقب انتهاء التحقيقات تأكد خبراء الشرطة من أن الوثائق الدنماركية التي كان يحملها كرماني كانت مزورة، فتمت إحالته إلى المحاكمة، وفي نفس التوقيت بدأت إدارة مكافحة الإرهاب في الشرطة التركية بالتحقيق في احتمالية ارتباط كرماني بشبكة تستهدف تنفيذ عمليات إرهابية.

بمجرد تلقي أجهزة التحقيق التركية للمعلومات الإسرائيلية حول شبكة فيلق القدس لتهريب الأشخاص إلى أوروبا ربطت بين هذه المعلومات وملف كرماني وإضافته إلى جهود التحقيق الرئيسية حول أنشطة فيلق القدس على الأراضي التركية، وهي جهود مستمرة منذ عام 2010.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\a0827ce5-efb3-4e31-a9a2-e9db70c5b1aa.jpg

صورة جواز سفر دانماركي مزور باسم لارس كلاسكوف يورجنسن حاول محمد رضا نجاريان كرماني استخدامه للدخول إلى الأراضي التركية

مع تعمق التحقيقات حول أنشطة فيلق القدس في تركيا جمعت الشرطة من خلال التنصت على المكالمات الهاتفية ومراجعة كاميرات المراقبة وفحص المواد المصادرة من المشتبه بهم كمًا هائل من الأدلة الدامغة التي أشارت إلى تورط كبار المسؤولين الحكوميين الأتراك منهم كبار مساعدي أردوغان سواء أثناء خدمته كرئيس للوزراء أو خلال خدمته كرئيس للجمهورية. من المسؤولين الذين ثبت تورطهم في هذا الملف رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية هاكان فيدان الذي ربطته خيوط التحقيق مع المشتبه الرئيسي في هذا الملف المدعو حسين أفني يازجي أوغلو المعروف بصلاته مع أجهزة الاستخبارات الإيرانية.

بمجرد أن علمت حكومة أردوغان في فبراير 2014 بتفاصيل ونتائج التحقيقات في هذا الملف تحركت بسرعة لإيقاف التحقيقات فيه قبل أن تتاح للمدعي التركي العام الفرصة لإدانة المتهمين وتقديم لائحة اتهامات ضدهم. وبالفعل تمكنت الحكومة من إيقاف التحقيقات بشكل كامل بعد أن أصدرت قرارًا بإقالة المدعي العام وضباط الشرطة الذين شاركوا في التحقيقات في هذا الملف، بل وقامت بإيداع بعضهم السجن بتهم ملفقة، وهذا كله بهدف ترهيب الجهات القضائية والأمنية في البلاد ومنعها من التحقيق مستقبلًا حول أنشطة فيلق القدس على الأراضي التركية.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\ee77a104-6e5e-497f-97be-43ea30e8749d.jpg
C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\46ac7358-b996-4efd-a3d0-7dda41329916.jpg

تقرير خبراء الشرطة التركية حول الأختام وجوازات السفر المزورة المصادرة من المتهم محمد كرماني

ورغم نجاح الحكومة التركية في وأد التحقيقات بشأن هذا الملف إلا أن الأدلة التي تم جمعها على مدار سنوات من التحقيقات حول كافة أنشطة فيلق القدس وعملائه في تركيا والتي كان بعضها يتم تحت غطاء دبلوماسي إيراني بواسطة موظفي السفارة الإيرانية وقنصلياتها في تركيا ظلت جميعها مثار قلق حكومة أردوغان خشية الكشف عنها من جانب الصحافة أو الصحفيين الاستقصائيين. 

لهذا ومن أجل ضرب مصداقية هذه الأدلة بدأ المدعي العام الجديد عرفان فيدان المعروف بتوجهاته المؤيدة لإيران في إنهاء أية محاولات مستقبلية للتحقيق في أنشطة فيلق القدس في تركيا، والطعن في صحة أية دلائل تم التوصل لها سابقًا حول هذا الموضوع. على هذا الأساس اعتبر القائد الجديد لقسم مكافحة الإرهاب في إسطنبول كيهان آي في 21 من أبريل 2015 أن حادثة احتجاز المواطن الإيراني عمر كرماني هي حادثة معزولة، ولا علاقة لها بأية أنشطة إرهابية، علمًا بأن كيهان آي هو من نسق معه عرفان فيدان من أجل تبرئة المشتبه في ضلوعهم بأنشطة فيلق القدس في تركيا.

جهود فيدان وآي لم تمنع الشرطة التركية من إجراء تحقيقات إضافية حول أنشطة شبكة تهريب البشر الإيرانية، فقد أشرفت جهات قضائية وشرطية على التحقيقات في القضية رقم 2013/65407 والتي فيها حددت الشرطة 27 مشتبهًا في ضلوعهم في أنشطة الشبكة الإيرانية، وتم الإعلان عنهم بالفعل في السادس من مارس عام 2014 وذلك قبل أن يتم إيقاف التحقيقات في هذه القضية وسحبها. 

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\92b4dd46-92be-46bb-8eed-5921aa4f5abd.jpg

المشتبه بهم في شبكة تهريب البشر التي أدارها فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني على الأراضي التركية

ووفقًا لملخص الملف الخاص بهذه القضية فقد تضمنت قائمة المشتبه بهم الأسماء التالية: مير أغا سيافاش أبازاريشمزاري بيمان حداران رشات جوموشكايا إيثم تا أوغلو أحمد شوماك أحمدي آل فيسي جتين عزيز الله نيازاي محمد فاروق أوزتورك غوركين عرفان يونكالار يعقوب ياكا مراد كرمان إيففال سيلالي غوكمان كوتش وحيد الله ساتري رستم راشيت سيربتشي أوزكان أوزيورت نيازي يالتشين ميرباقري سيد حسين رسول غالن زاد إرهان سيزكين فرحات فقيه رسلان لابادزي ومحمدى شاري أرابديد.

مع ذلك قام المدعي العام الجديد فيدان في فبراير 2014 بتسريب تفاصيل التحقيق السري في قضية فيلق القدس إلى وسائل الإعلام الموالية للحكومة، وذلك كجزء من الحملة التي استهدفت حكومة أردوغان من خلالها ضرب مصداقية التحقيقات التي تمت في هذا الملف. إعلان هذه الأسماء سمح للعملاء الإيرانيين في شبكة التهريب بمن فيهم الأشخاص الذين تمت مراقبتهم والتنصت عليهم بالفرار من الأراضي التركية، ولم تنجح الشرطة إلا في اعتقال ستة عشر شخصًا منهم فقط في التاسع من سبتمبر 2014، وقد تم إحالة خمسة فقط من المعتقلين إلى المحاكمة الرسمية، في حين تم إطلاق سراح بقية المعتقلين.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\2befd56f-9d2a-4637-b57b-373ba609daeb.jpg

بعد إفشال الحكومة التركية لنتائج التحقيقات لم يتم اعتقال سوى عدد قليل من المتهمين

عدد كبير من المحققين الذين أداروا التحقيقات حول أنشطة شبكة التهريب الإيرانية وجدوا أنفسهم محالين إلى القضاء متهمين بتهم ملفقة ومنهم المحقق المخضرم (أنصار دوغان) الذي قال إمام المحكمة أنه وزملاؤه وآخرين قاموا بعملهم وفقًا للأصول القانونية، وطلب من هيئة المحكمة في السادس والعشرين من أغسطس 2016 الحصول على نسخة من ملف التحقيق في قضية شبكة تهريب البشر التابعة للحرس الثوري الإيراني من مكتب المدعي العام في إسطنبول لكن رفضت المحكمة طلبه بعد أسبوع بحجة أنه لا علاقة بين ملف قضية شبكة التهريب والقضية التي يحاكم دوغان من أجلها.

عقب ذلك تم الحكم بسجن دوغان ظلمًا منذ يوليو 2014 وحتى إطلاق سراحه في سبتمبر 2019 على ذمة المحاكمة، ولا يزال العديد من ضباط الشرطة الذين شاركوا في التحقيقات حول شبكة فيلق القدس في السجون حتى اليوم، في حين كافأت الحكومة التركية عرفان فيدان لجهوده في التغطية على نتائج التحقيقات في هذه القضية وقامت بترقيته إلى منصب المدعي العام في إسطنبول.

C:\Users\m.abdelrazik.ecss\Desktop\40405baf-8c05-4c85-9617-73e210343cb0.jpg

المدعي العام عرفان فيدان الذي أجهض التحقيقات حول شبكة التهريب التابعة للحرس الثوري الإيراني

Scroll Up