ليس أصعب على قلب أي عربي من أن يرى تطبيعا للعلاقات بين دولة عربية وإسرائيل بينما الأراضي الفلسطينية ما زالت محتلة والدولة الفلسطينية محل شكوك كبيرة، ولكن ليس صعبا على عقل كل عربي ينشد السلام العادل والاستقرار في المنطقة العربية التي يتكالب عليها الكثيرون أن يرى ويتفهم اتفاقات السلام وتطبيع العلاقات بين دول المنطقة وإسرائيل. وليس أهون على كل متابع ومطلع ومهتم بالعلاقات الإسرائيلية الخليجية التي تجري في معظمها بعيدا عن الأعين من أن يتوقع اتفاقا لتطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل بل وأن يتوقع أن المزيد من تطبيع العلاقات في الطريق إلى النور. وليس أسعد لكل مصري رأى وسمع ما قيل في حق مصر والرئيس البطل محمد أنور السادات من أن يرى منطقه للسلام يتبع ويسود بعد أن وصلت القضية الفلسطينية لطريق شبه مسدود.
كانت الدول الخليجية باستثناء سلطنة عمان قد قاطعت مصر في أعقاب مبادرة الرئيس أنور السادات بزيارة القدس والدخول في عملية سلام مع إسرائيل، التي لم تتوقف محاولاتها لشرعنة وجودها والإيحاء للمجتمع الدولي بأنها دولة “غير منبوذة” في محيطها. خاصة وأن السلام الذي عقدته مع مصر والأردن ظل سلاما رسميا على المستوى السياسي الرسمي فقط ولم تستطع تحويله إلى سلام شعبي لاسيما في حالة مصر. وقد ظل الموقف الخليجي عموما رافضا لإسرائيل ومؤيدا لمقاطعتها حتى انطلاق عملية التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي في مدريد 1991، الذي أدى إلى حدوث نوع من التقارب بين إسرائيل ودول الخليج وان كان شكليا، لكن هذا التقارب ازداد من الناحية العملية من خلال مؤتمر موسكو للمحادثات متعددة الأطراف يناير 1992. ونتيجة لتوقيع اتفاق أوسلو للسلام 1993، أظهرت الدول الخليجية اهتماما بإنشاء علاقات مباشرة مع إسرائيل، حيث أعلنت حكومات الخليج العربي أنها ستنهي المقاطعة من الدرجة الثانية, وكذلك الحظر على الروابط البريدية والنقل الجوي غير المباشر وأنها ستسمح للأجانب الذين سبق أن زاروا إسرائيل بدخول أراضيها. وكانت بداية المشاركة والتقارب أو التفاعل مع إسرائيل في اجتماع لجنة الموارد المائية (المياه) في اليونان نوفمبر 1994. وخلال القمة الاقتصادية الشرق الأوسط أكتوبر- نوفمبر 1994، تم التصديق على قرار مجلس التعاون لدول الخليج بوقف المقاطعة العربية لإسرائيل على مستوى التعليم الثانوي والعالي.
بيد أن الدول الخليجية قد حاولت أن تبقي التطور الذي شهدته العلاقات الإسرائيلية الخليجية فيما بعد مدريد قيد السرية وتحصره في درجة ما من العلاقات الاقتصادية/التجارية وبعض التواصل الدبلوماسي، محاولة استخدام تلك العلاقات في تحقيق مصالحها الوطنية أو توطيد علاقاتها بالجانب الأمريكي أو تدعيم موقفها من بعض القضايا الإقليمية. وظلت العلاقات بين قطر وإسرائيل هي أكثر العلاقات الإسرائيلية بدول الخليج تميزا وتطورا. إذ أن قطر تنظر بتقدير عال للتجربة الإسرائيلية كدولة صغيرة العدد استطاعت أن تكون رقما مهما في معادلة الأمن الإقليمي بالمنطقة. وقد عملت قطر منذ البداية على استغلال نقاط الاختلاف بين أطراف الصراع العربي الإسرائيلي لتجد مدخلا يعزز وضعها فاقتربت من مسألة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من زاوية الدعم الاقتصادي لبعض الفصائل الفلسطينية. أما بالنسبة للإمارات فقد كان أول احتكاك لها بالصراع العربي الإسرائيلي ومن ثم بإسرائيل اشتراكها في قرار حظر تصدير النفط للغرب أثناء حرب عام 1973، وشاركت كذلك في حملة المقاطعة العربية لإسرائيل في سياق أهمية دعمها للقضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية. وقد ظلت الإمارات ترفض التعامل مع إسرائيل بشكل رسمي أو دبلوماسي، فقد رفضت على سبيل المثال في فبراير 1995 انشاء بنك تنمية شرق أوسطي بالاشتراك مع إسرائيل، واستبعدت في عام 1997 إقامة أي تعامل تجاري مع إسرائيل ما لم يتم إرساء سلام شامل مع الدول العربية، ورفضت في أكتوبر من نفس العام مشاركة إسرائيليين في معرضين عسكريين بالإمارات. ومع ذلك فإنها عدلت عن ذلك الموقف لاحقا ولم تعد تمانع في مشاركة إسرائيليين في اجتماع الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) الذي انعقد في أبو ظبي – المقر الإداري للوكالة- في أكتوبر 2009، وكانت هذه هي المرة الأولى لوفد إسرائيلي رسمي يزور أبو ظبي. وفي فبراير2010 شاركت لاعبة التنس الإسرائيلية Shahar Peer في بطولة تنس في دبي. كما جاءت الزيارة الأولى لوزير إسرائيل إلى أبو ظبي، حيث زارت وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريغيف الإمارات لمشاهدة مشاركة فريق الجودو الإسرائيلي في “أبو ظبي جراند سلام”، وكانت أبو ظبي قد استضافت في عام 2010 فريق الجودو الإسرائيلي. كما قام وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس بزيارة الإمارات في 30 يونيو 2019. والأهم من كل ذلك كانت دعوة وزير الشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش في مطلع أبريل 2019 الدول العربية للانفتاح على إسرائيل واعتبار القرار العربي السابق بمقاطعتها بأنه كان ”قراراً خاطئاً للغاية”. الأمر الذي دفع الكثيرين للقول بأن العلاقات الإماراتية/الخليجية الإسرائيلية باتت على موعد مع مرحلة جديدة من التقارب، وهي المرحلة التي بدأت رسميا بالاتفاق الإسرائيلي الإماراتي على إقامة علاقات ثنائية كاملة وطبيعية في الثالث عشر من أغسطس الجاري. اتفاق يرحبتمثل قفزة نوعية به غالبية الدول دعما للسلام وقطعا للطريق على مشروع الضم الإسرائيلي ورفضه الجانب الفلسطيني الذي يبدو أنه لم يعد لديه خلال الأعوام سوى رفض كل ما يحدث دون تعاطي إيجابي مع تطورات الأحداث، وكأنه لم يكفه كل ما ارتكبه من أخطاء منذ أيام الرئيس السادات وصلت بالقضية إلى تلك النقطة بما فيها من تغيير لقواعد اللعبة، ومزايدة أقل ما توصف به أنها متاجرة رخيصة بالقضية الفلسطينية من عشاق إسرائيل وشركائها الفعليين؛ تركيا وقطر، وإصرار من جانب إيران وتركيا وقطر على أن يحتكروا مقعد العدو الأول للعرب بدلا عن إسرائيل، باحتلالهم أراض عربية ومحاولاتهم المستميتة لإسقاط الدولة الوطنية العربية.

Scroll Up