أقرَّ مجلس النواب في جلسته المنعقدة أمس 25 أغسطس 2020 مشروع قانون تنظيم البحوث الطبية الإكلينيكية، والمعروف إعلاميًا بقانون التجارب السريرية، بعدما أعيد مناقشة المواد المعترض عليها من قِبل رئيس الجمهورية في عام 2018. وتأتي أهمية هذا القانون لضرورة وجود تشريع يقنن إجراء البحوث السريرية؛ من أجل حماية حقوق المتطوعين في حال تعرضهم لأي آثار جانبية خلال التجربة، لاسيما بعد اجتياح جائحة فيروس كورونا المستجد للعالم، وبدء الدول في إجراء التجارب السريرية للعلاجات واللقاحات المقترحة للفيروس. 

اُجري في مصر أيضًا عدد كبير من الاختبارات والبحوث السريرية لتقييم فاعلية البروتكولات العلاجية التي يتم اتباعها في المستشفيات خلال علاج فيروس كورونا، ولكن نظرًا لغياب التشريع وقتها، تم إجراؤها بالاعتماد فقط على موافقة لجنة الأخلاقيات بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي. 

ما هي التجارب السريرية؟

يُمكن تعريف التجارب السريرية بأنها الدراسات الطبية التي تتم على متطوعين من البشر لتقييم سلامة وكفاءة أي تدخلات علاجية أو دوائية أو جراحية أو تشخيصية؛ بهدف التوصل إلى نتائج علمية وقائية أو تشخيصية أو علاجية للأمراض، وتعد التجارب السريرية هي المرحلة الثالثة لتقييم أي تدخلات طبية بعد تجربتها معمليًا وعلى حيوانات التجارب. وتشترط هيئة الغذاء والدواء الأمريكية وجود ثلاث مراحل في التجارب السريرية قبل الموافقة على استخدام التدخل العلاجي، ومنحه الترخيص اللازم.

تُقيّم المرحلة الأولى من التجارب السريرية أمان التدخل العلاجي، ويتم إجراء الاختبارات على مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين يتمتعون بصحة جيدة؛ لمعرفة تأثيرات الدواء على البشر، بما في ذلك التأثيرات العلاجية، والجرعات الآمنة من الدواء. ونظرًا لأن تجارب المرحلة الأولى تُجرى على أشخاص أصحاء، فلا يحصل المشاركون في الدراسة على فوائد طبية مباشرة، ولكن فائدتها على صحة الآخرين تكون كبيرة.

إذا أظهرت نتائج المرحلة الأولى سلامة التدخل العلاجي يتم البدء في تجارب المرحلة الثانية، والتي تتم على مجموعة أكبر من الأشخاص المصابين بالمرض المُستهدف بالتدخل العلاجي. وتساعد تجارب هذه المرحلة على تحديد ما إذا كان الدواء آمنًا على المرضى، كما أنها تقدم فكرة أولية عن مدى فاعلية التدخل العلاجي. 

في حال أظهرت نتائج اختبارات المرحلة الثانية أن التدخل العلاجي آمن وفعال، تبدأ اختبارات المرحلة الثالثة من التجارب السريرية. وخلال هذه المرحلة تُطبق التدخلات العلاجية على مجموعة أكبر من المرضى المصابين بالحالة المراد علاجها. وعادةً ما تجري مقارنة نتائج التدخل العلاجي في المرحلة الثالثة مع العلاج التقليدي، أو مع دواء وهمي أو ما يعرف بـ “بلاسيبو”، أو كليهما.

تُشكل التجارب الطبية السريرية التي تتم داخل الجامعات والمراكز والمعاهد البحثية -كجزء من رسائل الماجستير والدكتوراه- حوالي 97% من إجمالي التجارب السريرية التي تتم في مصر. وكان يُسمح للهيئات البحثية بإجراء التجارب بعد الحصول على موافقة لجان الأخلاقيات العلمية التابعة لها، أما بالنسبة لشركات الأدوية في مصر، فكان لا يوجد إطار واضح يُمكّن تلك الشركات من إجراء الدراسات السريرية على المُركبات الدوائية المُكتشفة حديثًا لبدء طرحها في السوق المصري، مع غياب الاستراتيجيات اللازمة للربط بين شركات الأدوية والجهات البحثية للاستفادة من التجارب السريرية.

استدعت تلك الفجوة بين البحث العلمي وصناعة الدواء؛ أن تسعي الدولة بشكل جاد لإقرار تشريع ينظم التجارب السريرية، وخصوصاً لدورها الهام في تطوير الصناعات الدوائية الوطنية، وإمكانية البدء في تصنيع أدوية الأورام والأمصال واللقاحات بشكل محلي وتقليل الاستيراد من الخارج. وبالفعل أعدت الحكومة مشروعًا لتقنين التجارب السريرية، واشترطت في مشروع القانون الجديد أن يتم الحصول على موافقة كتابية من المتطوعين المشاركين في التجربة قبل البدء فيها، كما أوضحت كافة الحقوق والمسؤوليات لكل من المتطوع والباحث لضمان التزامهما الكامل بالمعايير الأخلاقية خلال التجارب السريرية، وقدمت الحكومة هذا المشروع للبرلمان.

مراحل إصدار قانون التجارب السريرية

أقر مجلس النواب مشروع القانون المقدم من الحكومة في مايو 2018، ولكن أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع القانون إلى البرلمان مرة أخرى، بعد حالة الجدل الكبيرة التي أثارها التشريع، وإعلان أوساط علمية وطبية رفضها لمشروع القانون المقترح؛ وذلك لما انطوى عليه مشروع القانون من عرقلة للبحث العلمي. فتم انتقاد العديد من المواد بمشروع القانون، لا سيما المواد الخاصة بصلاحيات المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية (والمسؤول عن وضع السياسات العامة لإجراء البحوث الطبية ومتابعة تنفيذها)، وكذلك المواد الخاصة بالمسؤوليات والعقوبات، وتلخصت الانتقادات في الآتي:

  • المواد “4-5-9-11-20-22″، والتي تشترط موافقة المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية، والهيئات القومية الرقابية، وجهاز المخابرات العامة على بروتوكول البحث، وكذلك التفتيش عليه قبل إجرائه، وبعد استيفاء موافقه اللجنة المؤسسية في الجهة البحثية التي يجري فيها البحث؛ وهو ما سيعطل إجراء التجارب السريرية في ظل الأعداد الكبيرة للبحوث سنويًا سواء الخاصة برسائل الماجستير أو الدكتوراه أو الأبحاث الحرة (حوالي 16000 بحث في العام الواحد).
  • المادة 8، والخاصة بأعضاء المجلس الأعلى للبحوث الطبية الإكلينيكية، حيث يتضمن تشكيل المجلس طبقًا للقانون أربعة ممثلين فقط يختارهم وزير التعليم العالي والبحث العلمي، من أصل 15 عضوًا في المجلس، على أن يتولى الأمانة العامة للمجلس رئيس الإدارة المركزية للبحوث الطبية بوزارة الصحة؛ مع العلم أن عدد الأبحاث السريرية التي تُجريها وزارة الصحة لا تمثل إلا جزءًا ضئيلًا من إجمالي البحوث السريرية التي تُجرى سنويا.
  • المادة 25، والتي تنص على أن إرسال عينات بشرية إلى خارج جمهورية مصر العربية، سوف يترتب عليه عقوبات شديدة (السجن أو الغرامة) إلا في حالات الضرورة التي يصدر بها قرار بالموافقة من المجلس الأعلى بعد استطلاع رأى جهاز المخابرات العامة؛ وبالتالي سيصعب إجراء أي أبحاث مشتركة بين الجامعات والمراكز البحثية المصرية مع نظيراتها بالخارج، فضلًا عن أن إرسال العينات للخارج كان يتيح فحصها باستخدام تقنيات وأجهزة متطورة وغير متوفرة داخل مصر.
  • المواد من 28 وحتى 38، وهي المواد العقابية بمشروع القانون، والتي لم تضع في اعتبارها ماهية الأبحاث العلمية، واعتبرت المخالفات متساوية في جميع أنواع التجارب السريرية بغض النظر عن طبيعة وتصميم البروتكول البحثي؛ وهو ما يمكن أن يتسبب في إخافة الباحثين وعزوفهم عن إجراء التجارب السريرية.

وفي ديسمبر من نفس العام، تم تشكيل لجنة خاصة في البرلمان، لتلقي كافة المقترحات بخصوص هذا القانون، وإعادة صياغة المواد محل الاعتراض؛ للوصول إلى أقصى درجة ممكنة من التوافق حول المواد الخلافية بين الجهات ذات الصلة بنطاق تطبيق مشروع القانون. 

بالفعل أدخلت اللجنة التعديلات اللازمة على مشروع القانون كي تتناسب مع رؤية الدولة في وضع بنية تشريعية قوية للأبحاث الطبية في مصر. كما قامت بتعديل بعض العبارات والنصوص؛ حتى تتماشي مع قانون تنظيم وتحديد اختصاصات هيئة الدواء المصرية، والذي افره مجلس النواب في 27 أغسطس الجاري، والذي ألغى كلا من الهيئة القومية الرقابية للبحوث والهيئة القومية الرقابية للدواء والوارد ذكرهما في مشروع القانون تحت مسمى الهيئات القومية الرقابية، وتم الموافقة على مشروع القانون من قبل مجلس النواب في جلسته المنعقدة أمس بعد حوالي عامين من المباحثات.

أهمية إصدار القانون الآن

مُنذ أن اجتاح فيروس كورونا المستجد العالم في ديسمبر الماضي، تسابقت المراكز البحثية الطبية في العالم لوضع بروتكولات علاجية للفيروس. ووفقا لموقع clinical trials والتابع لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، يَبلغ إجمالي عدد التجارب السريرية التي تم إجراؤها عالميًا لتقييم تلك العلاجات –وحتى كتابة هذا المقال- حوالي 3115 تجربة، أجري منها 111 تجربة سريرية في الجامعات والمراكز البحثية المصرية، من أصل 147 تجربة نُفذت في القارة الإفريقية.

أي أن مصر تمتلك كافة الإمكانيات والقدرات العلمية اللازمة للمشاركة في إجراء التجارب السريرية العالمية؛ للوصول إلى علاج أو لقاح لفيروس كورونا المستجد؛ لذا كان من الضروري أن يتم إصدار قانون التجارب السريرية لخلق إطار تشريعي موحد قوي مدعوم بنظام رقابي فعال لإجراء هذه التجارب على المستوي العالمي، وحتى يصبح لها الحق في الحصول على الأدوية المعالجة بأسعار أقل من الدول التي لم تشارك في إجراء تلك التجارب عالميًا.

Scroll Up