تشهد غزة في الأيام الأخيرة حالة من التوترات الأمنية بين حركة حماس والجيش الإسرائيلي، قبل أن يعقد الطرفان اتفاقًا لاحتواء التصعيد. ولكن يبدو أن حماس ترى في السياقات الإقليمية فرصة لتأكيد مطالبها السياسية التي تذهب لتكريس الانفصال عن الضفة الغربية، وتأكيد متطلباتها الاستراتيجية المتعلقة بفرض قواعد اللعبة مع إسرائيل، وهو ما يدفعها لتصعيد الوضع الأمني مع إسرائيل.

لا ينفصل هذا الحديث عن الأداة الوظيفية التي تحققها قطر، وهو المال الذي يتم إغداقه على قطاع غزة ليصل أخيرًا إلى حماس، فيحقق بدوره مجموعة من الأهداف التي تتسق تماما مع المصالح الإسرائيلية في غزة.

دوافع حماس في إشعال التوتر

غالبًا ما ترتبط التوترات الأمنية بين حركة حماس وإسرائيل برغبة الأولى في التعجيل بموافقة الحكومة الإسرائيلية على تدفق الأموال القطرية إلى قطاع غزة. ففي يناير 2020 أطلقت حماس صواريخ تجريبية إلى البحر المتوسط ما اعتبره رئيس الموساد “يوسي كوهين” إشارة من حماس للضغط على إسرائيل لاستقدام الأموال القطرية، ولذلك سافر يوسي كوهين إلى الدوحة بصحبة قائد المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي “هرتسي هاليفي” (22 فبراير 2020) لنقل طلب إسرائيل من قطر استئناف تحويل أموال الأخيرة إلى غزة من أجل ترسيخ الهدوء الأمني بين حماس والجيش الإسرائيلي.

لا يختلف الأمر كثيرًا بشأن مستجدات المشهد الأمني الحالي بين حماس وإسرائيل في الأيام الأخيرة، إذ تشهد المستوطنات المحيطة بقطاع غزة (أو ما تسمى بـ “مستوطنات غلاف غزة”) حرائق وتعديات تتسبب فيها البالونات الحارقة والصواريخ المتواضعة التأثير، التي تطلقها عناصر من غزة. في المقابل تقصف الطائرات والمدفعية الإسرائيلية نقاطًا أمنية تابعة لكتائب القسام (الذراع العسكري لحركة حماس).

يبدو أن هناك دوافع تحرك حماس أصبحت تتكرر بصفة دائمة عند التعامل الأمني مع إسرائيل، يمكن عرض أبرزها فيما يلي:

(أولًا) استياء الفلسطينيين في غزة من الوضع المعيشي: يعاني قطاع غزة من نقص حاد في الوقود مما أدى لانقطاع دائم للكهرباء (يستمر التيار الكهربي مدة 3 ساعات فقط في غزة) مما يتسبب في تداعيات صحية تطال مستشفيات القطاع فيزيد من فرص مفاقمة تداعيات أزمة كورونا في غزة. 

(ثانيًا) الإقرار بسيادة حماس على غزة: ما زال هذا العامل يرسم محددات تحرك حماس العسكري والسياسي أمام إسرائيل. فترى حماس أن استمرار المناوشات الأمنية مع الجيش الإسرائيلي وسرعة التعاطي الإسرائيلي مع هذا التوتر هو إقرار بسلطة حماس على الأوضاع في غزة؛ إذ ترغب حماس في إرسال إشارة إلى إسرائيل بأن أي مساس بهذا العامل (أي عامل السيادة والسيطرة على غزة) هو مغامرة غير محسوبة قد تفضي إلى فوضى أمنية، وهو ما يتضح في عدم اعتراف حماس رسميًا بتبنيه لعمليات البالونات الحارقة ضد إسرائيل، وتركها للتقديرات التي تقول إن العمليات تصدر من فصائل فلسطينية أخرى غير حماس.

(ثالثًا) تحديد قواعد اللعبة مع إسرائيل: يمثل هذا العامل مربط الصراع بين إسرائيل وحركة حماس حول من المسؤول عن تحديد قواعد اللعبة أو من يمتلك أداة الردع في مواجهة الآخر. وترى حماس في تجدد المناوشات الأمنية مع إسرائيل ورفضها توثيق أي معاهدات أمنية مكتوبة ملزمة هو مرتكز تكتيكي يسمح لها بهامش حركة تستطيع من خلاله الحصول على مكاسب سياسية متعددة، خاصة وأن حماس ترى أن إسرائيل تتحرك في سياق إقليمي يأخذ طابع سلام، بخلاف الجبهة الشمالية المتوترة مع حزب الله فيجعل إسرائيل غير راغبة في أي تصعيد أمني على أي جبهة.

الدور الوظيفي للمال القطري

تواجه إسرائيل معضلة معقدة في غزة إذ يتطلب منها أن تقرر بين تلبية المطالب السياسية لحركة حماس وفي ذات الوقت احتكار قواعد اللعبة وأدوات الردع في مواجهة الحركة. وهو ما استدعى إسرائيل أن تتحرك صوب الدوحة من أجل شراء الهدوء الأمني في غزة، وهو ما تحقق بالفعل في البيان الصادر (31 أغسطس 2020) من حركة حماس بالتوصل لـ “تفاهمات” مع إسرائيل لاحتواء التصعيد، بعد الاتصالات والزيارات المتبادلة بين رئيس الموساد “يوسي كوهين” والمسؤولين القطريين وزيارة السفير القطري لغزة “محمد العمادي” إلى قطاع غزة مؤخرًا.

قبل الوصول إلى تفاهمات بين حماس وإسرائيل، رفضت الأخيرة وصول الأموال القطرية إلى غزة قبل التحقق من مصارف هذه الأموال في القطاع؛ لضمان عدم وصولها إلى حركة حماس، وبالتالي تمويل أنشطتها العسكرية. الأمر الذي اتسق تمامًا مع موقف قطر الرسمي الذي أعلن رفض تسليم المال إلى حماس في مقابل تمويل أنشطة تنموية ترمم الوضع المعيشي المتردي في غزة، قبل أن تتفق قطر وإسرائيل على استئناف المال القطري، وعلى إثره يُعقد الاتفاق حول تثبيت التهدئة الأمنية في غزة. 

تحاول حركة حماس رفض مبدأ ارتباط التهدئة الأمنية في غزة بالمال القطري، وهو ما اتضحت ملامحه جليا في يناير 2020 عندما رفضت حماس الأموال القطرية لأنها ترتبط بفرض الهدوء في غزة. ولكن يبدو أن الضغوط الإسرائيلية-القطرية المتمثلة في إعلان قطر وقف منحها المالية أو وقف إمدادات الوقود إلى غزة (على غرار ما حدث في سبتمبر ونوفمبر 2019) للضغط من أجل تثبيت الهدنة بين حماس وإسرائيل، والمتمثلة في غلق إسرائيل لحدود غزة والمصايد البحرية يدفع حركة حماس إلى قبول مبدأ “الهدوء مقابل المال”.

لا يعني ذلك أن حماس أصبح مجال مناورتها محدودًا أمام التحرك الإسرائيلي-القطري المشترك، ولكن يدفعها ذلك القصور التمويلي لديها وحاجتها الماسة للمال من أجل إدارة الوضع المعيشي المتردي وترميم صورتها السياسية في الشارع الفلسطيني في غزة. ويتضح ذلك في أن صيغة الاتفاق المعلن حديثا تدور حول شكل تفاهمات مشتركة لاحتواء التصعيد. الذي قد يتجدد لتوصيل رسالة إلى إسرائيل مفادها أن المال القطري لم يعد كافيًا.

هنا يأتي البعد الوظيفي الأهم للمال القطري في قطاع غزة وهو تمويل المشاريع التنموية الكبرى في القطاع، والتي تحمل مسارين لهندسة الواقع الجديد في غزة. الأول هو رفع كفاءة الوضع المعيشي في غزة، والثاني هو تكريس انفصال غزة عن الضفة الغربية وتثبيت سيادة حماس على القطاع. إذ تتضمن هذه المشروعات إقامة جزيرة صناعية قبال شواطئ غزة بهدف نقل البضائع والأفراد.

وفي الختام يمكن التأكيد على مجموعة من النقاط، وهي:

  • أن التوترات الأمنية في غزة باتت ترتبط برسائل مباشرة من حماس برغبتها في المزيد من المال، وترفيع المستوى المعيشي في غزة من أجل تثبيت سيادة حماس عليها واكتفائها عن الضفة الغربية.
  • أن إسرائيل توظف هذا الارتباط السياسي بين الهدوء والمال من خلال توظيف الدور القطري، وبالتالي شراء هذا الهدوء بالأموال القطرية.
  • يخدم المال القطري المصالح الإسرائيلية في غزة (والتي أعلن عنها نتنياهو صراحة) وهي تكريس الانقسام بين حماس وفتح، وتثبيت اقتصاد العنف؛ أي ارتباط الهدوء الأمني بالمال القطري.
Scroll Up