عرض/ آية عبد العزيز

أصدر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ورقة مُلخص سياسات بعنوان “اضطراب من الفوضى: لماذا فشل الأوروبيون في تعزيز الاستقرار في الساحل” في أغسطس 2020، لـ”أندرو ليبوفيتش”، زميل سياسات في المجلس الأوروبي متخصص في شمال إفريقيا والساحل. 

قام بإعداد هذه الورقة من خلال دعم شركة Compagnia di San Paolo ووزارة الخارجية النرويجية لبرنامج ECFR للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، واستندت على البيانات الرسمية ووثائق برنامج تحالف الساحل، فضلاً عن الوثائق الداخلية والمقابلات التي أجريت مع الجهات الفاعلة الرئيسية المشاركة في أعمال الأمن والتنمية والتنسيق في منطقة الساحل وأوروبا.

وتركز على التحالفات الدولية القائمة في منطقة الساحل، وكيفية تفاعلهم مع المخاطر والمزايا المُحتملة لظهور هذه المبادرات الجديدة التي تزايدت في الآونة الأخيرة، نتيجة هشاشة الأنظمة الحاكمة فيها وتدهور الوضع الأمني وانتشار الفوضى وعدم الاستقرار فيها. 

ففي عام 2019، وهو العام الأكثر دموية في المنطقة منذ الاحتلال الجهادي لشمال مالي عام 2012، قُتل ما لا يقل عن 4000 شخص، بينهم جنود ومدنيون، كما أن ديناميكيات الصراع قد ازدادت تعقيدًا، مع اشتباكات الجماعات الجهادية المتنافسة ووجود مجموعة متنوعة بشكل متزايد من الجماعات المسلحة الأخرى التي تقاتل من أجل التفوق على بعضهم البعض. 

وفقًا للباحث تخاطر هذه المبادرات الجديدة بإعطاء الأفضلية للحلول الأمنية للمشاكل المعقدة، مما يعني أن إصلاحات الحوكمة الضرورية قد تنهار، ذلك على الرغم من الاعتراف بأنه لا يوجد حل عسكري بحت للصراعات والتحديات المتنوعة في المنطقة.

الاهتمام الدولي بالتفاعلات في منطقة الساحل

أشار “ليبوفيتش” إلى أن تمرد الطوارق واستيلاء الجهاديين على شمال مالي في عام 2012، ساهم في جذب انتباه القوى الدولية إلى المنطقة وتفاعلاتها، تأتي في مقدمتهم فرنسا التي تدخلت عسكريًا في 2013 بإطلاق العملية “سرفال” لمواجهة الجماعات الجهادية المتوغلة في وسط مالي، كما شكلت كل من موريتانيا ومالي وبوركينا فاسو وتشاد والنيجر مجموعة الدول الخمسة، لتلبية الاحتياجات الأمنية والتنموية في جميع أنحاء المنطقة.

 ومع تولي الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” السلطة في 2017، كان الوضع الأمني ​​في الساحل قد ازداد سوءًا، الأمر الذي دفع كل من الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” في البحث عن طريقة جديدة لتحقيق الاستقرار في دول المنطقة، عبر الإعلان في 2 يوليو 2017 عن إنشاء تحالف دولي، باعتباره مبادرة إنمائية تعمل على تحسين التنسيق على الأرض في المنطقة، بحيث تكون الجهات الفاعلة في التنمية، والسياسة، والأمن، على الأقل، على اتصال مع بعضها البعض، وتكمل وتدعم عمل بعضها البعض.

وقد تم تأسيس التحالف في البداية من قبل فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي وبنك التنمية الأفريقي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي، ومنذ ذلك الحين وسعت عضويتها لتشمل إيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة ولوكسمبورج وهولندا والدنمارك. استند التحالف على أربع ركائز رئيسية تتمثل في:

  • تعزيز التنسيق عبر القطاعات الرئيسية وزيادة التمويل للأمن وتحقيق الاستقرار والتنمية على المدى القصير.
  •  ضمان المساءلة المتبادلة لشركاء التنمية في المنطقة، وبين شركاء التنمية ومجموعة الدول الخمس.
  •  تطوير ممارسات مبتكرة جديدة لضمان العمل الفعال والنتائج المستدامة، لا سيما بالتعاون مع القطاع الخاص، حيث لا تكاد الدولة موجودة؛ وتقديم دعم أكبر لقوات الأمن لضمان نجاح العمل التنموي.
  •  تقديم مساعدات دولية فورية للأجهزة الأمنية في دول الساحل، والقوى الداخلية، والقوة المشتركة لمجموعة الساحل.

وجدير بالذكر أن إنشاء تحالف الساحل كان متماشيًا مع مهام سياسة الأمن والدفاع الأوروبية المشتركة (CSDP) الموجودة بالفعل في مالي والنيجر، بدأ هذا النهج في التبلور في الاتحاد الأوروبي في عام 2015 وشبه إلى حد كبير نهج الوكالة الفرنسية للتنمية، وهي شريك تنفيذي رئيسي وأحد الأعضاء الأكثر نفوذًا في تحالف الساحل.

الدمج بين التنمية والأمن في الساحل

استكمل الباحث أن الوكالة الفرنسية للتنمية قد تبنت نهجًا إقليميًا مماثلًا في برامجها قبل تشكيل التحالف؛ حيث أنشأت خلية تنسيق إقليمية في عام 2017 لعمليات الوكالة في مجموعة الدول الخمس، ومقرها واجادوجو، بوركينا فاسو، لتحسين وزيادة التنسيق بين البلدان، للتعامل مع القضايا المشتركة العابرة للحدود وتشجيع تبادل المعلومات بين المسؤولين الموجودين في البلدان المختلفة بشأن التحديات والحلول المحتملة لهم. 

كما عملت الوكالة والجيش الفرنسي في دعم عملية “برخان” لمكافحة الإرهاب في الساحل، كان هدفهم هو تنسيق المبادرات بشكل أفضل لتعزيز الاستقرار وإعادة السلطات الحاكمة في نهاية المطاف إلى مناطق مثل ميناكا، في شمال شرق مالي كجزء من هذا التعاون بين الوكالة وعملية “برخان”.

وعلى الرغم من تشابه هذه المشروعات المشتركة بين الوكالة وبرخان، إلا إن هناك أوجه للاختلاف بينهم في عام 2019، ركز النوع الأخير من المشروع المعروف باسم عمليات (CIMIC العمليات المدنية والعسكرية)، إلى حد كبير على تنمية المناطق المحيطة بإنديليماني وأنسونجو وميناكا في مالي، التي شهدت عدد من النزاعات والاشتباكات مع الجماعات الجهادية، وكانت مواقع لعمليات فرنسا ومجموعة دول الساحل الخمس الكبرى بين عامي 2018 و2020، ليعكس سياسة الجيش الفرنسي في كسب ثقة السكان المحليين، وإرساء الاستقرار عن طريق المشاريع ذات الأثر الممتد في سياق عمليات التنمية ومكافحة الإرهاب، ليمثل بذلك النهج الثلاثي لفرنسا في مواجهة الأزمات القائمة على (الدبلوماسية، التنمية، والدفاع).  

كما نما التعاون في هذه المنطقة وفي أماكن أخرى بين برخان وأجزاء أخرى من الحكومة الفرنسية، مثل وحدة الاستقرار في مركز الأزمات والدعم بوزارة الخارجية، والذي يعد جزءًا من نهج فرنسا ثلاثي الأبعاد (الدبلوماسية والتنمية والدفاع) لمواجهة الأزمات.

وفي هذا السياق أوضح الباحث أن الفكر العسكري الفرنسي حول التنمية في المنطقة يعتمد على ثلاث مراحل تتجسد على النحو التالي: 

  • على المدى القصير؛ حيث تستجيب CIMIC للاحتياجات الفورية للسكان المحليين للمساعدة في حشد الدعم للعمليات العسكرية الجارية والحكومات الإقليمية.
  •  على المدى المتوسط؛ يقوم مركز الأزمات والدعم بتطوير المشاريع والتحليلات لتحقيق الاستقرار في المناطق المعرضة للخطر والمساعدة في تعزيز الاستقرار في المناطق التي يعتبرونها مناطق اضطرابات محتملة في المستقبل
  •  على المدى الطويل، يتم وضع استراتيجية تحت قيادة الوكالة الفرنسية للتنمية، من الناحية العملية، تتبع مشاريع تحالف الساحل الكثير من هذا النموذج الفرنسي ويتم الاستجابة لكل مستوى على من هذه المستويات.

آليات أوروبية لدعم الاستقرار وعودة الأمن

وفقًا للباحث كانت مبادرة الشراكة من أجل الأمن والاستقرار في منطقة الساحل ” the Partnership for Security and Stability in the Sahel (P3S)”، بين فرنسا وألمانيا، إعلانًا رئيسيًا تم إصداره في قمة بياريتز لمجموعة السبع في أغسطس 2019 بهدف تعزيز أنظمة العدالة وتحسين الأمن الداخلي من خلال برامج بناء القدرات والتدريب للقوات المحلية.

كان من المفترض أن يكون عمل الشراكة مكملاً لأنشطة الفاعلين الدوليين فيما يتعلق بكيفية ارتباطه بالتحالف الذي تم إنشاؤه بالفعل، كان الهدف منه “تكملة الجهود المبذولة في إطار تحالف الساحل، بناءً على فهم أن كلاً من تدابير التنمية طويلة الأجل والتدابير الأمنية الفعالة هي جزء من الحل لعدم الاستقرار في المنطقة “، للتركيز على قوى الأمن الداخلي وآليات العدالة لتحقيق التوازن بين الشركاء الدوليين مثل فرنسا والولايات المتحدة.

منذ نشأتها، كانت مبادرة الشراكة أولوية بالنسبة لألمانيا، التي لطالما كانت متشككة فيما تعتبره تركيزًا مفرطًا على القوة العسكرية في منطقة الساحل في السنوات القليلة الماضية، كان هناك زيادة في الوجود الدبلوماسي الألماني والوحدات الأمنية في المنطقة، وتشمل هذه المساهمات الكبيرة بقوات في بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في مالي (مينوسما)، وبعثة الاتحاد الأوروبي للتدريب في مالي (EUTM)التي ستستمر حتى عام 2024 بجانب عدد من القوات الخاصة القائمة بذاتها في النيجر مكلفة بتدريب قوات الأمن النيجيرية. ويذكر أن مهام CSDPالسياسة الدفاعية والأمنية الأوروبية المشتركة في مالي تم تعليقها مؤقتًا بعد انقلاب 18 أغسطس.

وبالنظر إلى مدى فعالية مبادرة الشراكة، فإنها متراجعة بشكل كبير نتيجة الارتباك المستمر بين فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي حول الدور الدقيق المنوط به، وما ينبغي أن تكون عليه مسؤولياتها وسلطتها على الأرض، وفي الوقت الحالي لا تزال المبادرة تتسم بالغموض بالرغم من تأكيد وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” في أول اجتماع على مستوى وزاري الساحل في يونيو 2020، أن P3S ستندرج ضمن الركيزتين الثانية والثالثة للتحالف. 

ويرجع الاهتمام بمبادرة الشراكة والأمن في منطقة الساحل بقيادة أوروبية في الرغبة في التعامل مع القضايا الداخلية في المنطقة بجدية، وخاصة فيما يتعلق الأمر بفهم دور الدولة وهياكل الحكم الوطنية والمحلية في سياق الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار، هذا بجانب اعتراف الجهات الفاعلة بأن استعادة وظائف الدولة في المناطق المضطربة ليست كافية وأن دول الساحل بحاجة إلى إصلاح عميق، وتحسين الوصول إلى العدالة، وقوات أمنية محايدة، فضلاً عن المزيد من الإنصاف والأنظمة السياسية التمثيلية، وليس مجرد بناء القدرات فقط.

اختتم الباحث قائلًا إن مبادرات التدخل الأوروبية، وأهدافها المرتكزة على عودة الاستقرار في منطقة الساحل، لم تكن واضحة في أهدافها وآليات العمل الخاصة بها، مما أدى إلى تباطؤ تقدمها على الأرض، كما أشار إلى أن تعدد المبادرات والتحالفات القائمة في المنطقة يساهم في تعقيد الجهود المبذولة لتسوية أزمات المنطقة، علاوة على أن الاهتمام بالجانب الأمني دون الدفع بمسار للحوكمة يعتمد على عودة سلطة وسيادة الدولة دون تكرار مشاكل الحكم السابقة، سيشكل تحديًا لعودة الاستقرار في المنطقة. أما فيما يتعلق بالجهات الفاعلة في المنطقة مثل فرنسا، فلا يزال هناك توتر حول المبادرات والبرامج التي تطرحها حتى مع محاولة الفرنسيين خلق قدر أكبر من تقاسم الأعباء والمناقشة حول هذه المبادرات.

Scroll Up