مرة أخرى تتكشف هشاشة حكومة الوفاق الليبية المدعومة من تركيا، وما تعانيه من أزمات وصراعات داخلية يُمكن أن تعصف بها؛ ففي يوم الجمعة الماضية قرر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق إيقاف وزير داخليتها فتحي باشاغا، وإحالته للتحقيق الإدارى أمام المجلس الرئاسي خلال 72 ساعة، وتكليف وكيل الوزارة العميد خالد أحمد التيجاني مازن بتسيير مهام الوزارة، وهو ما قبله الوزير المقال مع اشتراط أن تكون جلسة المحاكمة علانية. 

وتحمّل حكومة الوفاق باشاغا مسؤولية قتل المتظاهرين خلال الاحتجاجات التي اندلعت في طرابلس وبعض المدن الاخرى منذ يوم الأحد 23 أغسطس اعتراضًا على تدهور الخدمات العامة كانقطاع الكهرباء المتكرر وانقطاع المياه وتراجع الرعاية الصحية ونقص الأدوية والسلع الغذائية والوقود وتفشي الفساد والمطالبة بإقالة ومحاكمة الفاسدين، حيث تعرض المحتجون إلى إطلاق النار من قبل مجموعات مسلحة طوقت ساحة الشهداء بوسط طرابلس ما أدى إلى إصابة بعضهم بجروح. وترجح مصادر ليبية أن احد أسباب إيقاف باشاغا هو ترك المتظاهرين للهجوم على فيلا السراج ومطالبته بالاستقالة.

لكن يبدو جليًا أن الإيقاف يرجع لأسباب سياسية بحته، فقد جاء في وقت كان باشاغا في زيارة إلى تركيا بصحبة الإخواني خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة الليبية، وهو مسؤول عن ملف تنسيق اللقاءات التي تجمع مسؤولي الوفاق بالجانب التركي، وقد كان من المقرر أن يصاحبه السراج إلا أنه قرر إلغاء الزيارة، ما يعكس تضارب المصالح بين الرجلين. فلا يريد السراج لوزيره الذي اشترى طائرة خاصة من نوع “5أ-أم أي أس” أن يتحرك في كل اتجاه دون إشرافه، خاصة بعد أن شرع في إعادة سيطرة ميليشيات مصراتة على طرابلس. وقد عبرت الوفاق عن ذلك في اشتراطها لعودة باشاغا لمنصبه بعدم تجاوز السراج. 

صراع ممتد

إن الصراع بين فايز السراج وفتحي باشاغا ليس حديث العهد، لكن المظاهرات الأخيرة سرعت ببروزه على السطح. ويتمثل جوهر هذا الصراع في رغبة باشاغا في أن يحل محل فايز السراج ممثلًا للغرب الليبي وحكومة الوفاق في الترتيبات المقبلة وفقًا لاتفاق وقف إطلاق النار المُعلن في 21 أغسطس.

ويعتمد باشاغا في ذلك على صلته الشديدة بجماعة الإخوان المسلمين ودعمهم له وبخاصة دعم رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري. كذلك، دعم قطر له وقربه منها وقد التقى وزير دفاعها، محمد العطية، خلال زيارته لأنقرة في يوليو. أيضًا محاولاته للتقرب من تركيا وهو ما اتضح من قيامه بزيارتين متتاليتين إلى أنقرة في يوليو وأغسطس، فضلًا عن محاولات مغازلة الولايات المتحدة عبر دعوتها لإنشاء قاعدة عسكرية في البلاد وتصريحاته المعادية للدور الروسي في ليبيا، وقد بدأ التقارب مع الولايات المتحدة والاستخبارات الأمريكية والبريطانية أيضًا خلال دوره في معركة تحرير سرت من داعش عام 2016.

ويتخذ باشاغا من الاحتجاجات الحالية الفرصة لكسب نقاط على حساب السراج، عبر إدعائه تأييد مطالب المتظاهرين في مكافحة الفساد والاعتراف بحقهم في التعبير السلمي عن مطالبهم، والتحذير من المساس بالمتظاهرين. كما أنه اتهم ميليشيات طرابلس التابعة للسراج بالتورط في قتل المتظاهرين، بقوله إن الاعتداء على المتظاهرين تم بواسطة مجموعة مسلحة لا تتبع الوزارة أطلقت الأعيرة النارية بشكل عشوائي، في إشارة إلى ميليشيات النواصي التابعة للسراج، وندد بخطف بعض المتظاهرين وإخفائهم قسريًا، معتبرًا أن ما حدث امتهان لكرامة المواطن، وانتهاك حقوقه وإهدار دمه قمعا وترهيبا وتكيما للأفواه.

بدأ باشاغا في محاولة ممارسة بعض السلطات التي اعتبرها السراج خروجًا عن دوره كوزير للداخلية، ومن هذا توجيهه خطابًا لوزير المواصلات ميلاد معتوق يطلب فيه حصول جميع رحلات الطيران التجارية والخاصة من وإلى كافة المطارات الليبية على إذن من وزارة الداخلية، مبررًا ذلك بورود معلومات استخبراتية تفيد بنيّة بعض العناصر الإرهابية الفرار من البلاد على متن رحلات خاصة، لكن السراج أكد أن دور الوزارة يقتصر فقط على طلب أسماء الركاب أما تصاريح الإقلاع والهبوط فهي من اختصاصه هو فقط، وأن أوامر باشاغا تسببت في منع أو تأخير بعض الشخصيات العامة عن دخول البلاد، منبهًا على كافة الجهات بتجاهل خطاب باشاغا.

وكانت مصادر ليبية قد كشفت أن باشاغا أعد بالتعاون مع جماعة الإخوان مخططًا للإنقلاب على السراج والسيطرة على طرابلس والبنك المركزي ووزارة الداخلية، ووقع في هذا الإطار بروتوكول تعاون مع مسؤولين أتراك للمساعدة في تنفيذ المخطط، لكن السراج استبق الموقف بإيقافه.

الانقسامات في حكومة الوفاق لا تقتصر على الصراع بين رئيس الحكومة ووزير داخليته، لكنها تشمل أيضًا نائبه أحمد معيتيق، الذي اتهم السراج بالتورط في الفساد وتجاوز صلاحياته بموجب اتفاق الصخيرات والانفراد باتخاذ القرارات وتعيين الأفراد دون الرجوع لكافة أعضاء المجلس الرئاسي. وفي هذا، وجه خطابًا إلى مدير إدارة الشؤون القانونية والشكاوى بالمجلس في أواخر يوليو يحثه على منع إصدار أى قرارات أو تعليمات أو تعميمات باسم المجلس ما لم تكن مقررة فى محضر اجتماع رسمى للمجلس الرئاسي. وقد وجه أحد أعضاء المجلس خطابًا مماثلًا.

ومن الجدير بالذكر أن قرارات المجلس تعتبر غير صحيحة نظرًا لاستقالة أربعة من أعضائه هم؛ علي القطراني وفتحي المجبري وعمر الأسود وموسى الكوني، في حين ينص اتفاق الصخيرات الذي تشكل بموجبه المجلس أن القرارات تخرج بالإجماع.

وتجسد الخلاف بين أعضاء الوفاق مرة أخرى في عدم التنسيق بينهم بشأن زيارة عراب الفوضى والخراب، برنار ليفي، حيث أصدر السراج قرارًا بتشكيل لجنة من المخابرات والأمن الداخلي وجوازات ومنفذ مطار مصراتة للتحقيق في دخوله للبلاد، على الرغم من أن زيارته جاءت بدعوى رسمية من أحد مسؤولي الحكومة. ومن الجدير بالذكر، أنه التقى بباشاغا، وهو ما يكشف تعاظم دوره في الحكومة.

الصراع يتنقل إلى الميليشيات

يأخذ الصراع السياسي بين السراج وباشاغا بُعدًا عسكريًا ميليشياويًا على الأرض بين الميليشيات التابعة لكل منهم. وقد تجلت بوادر ذلك في الاستقبال الذي نظمته ميليشيات مصراتة لباشاغا بعد عودته من تركيا السبت الماضي في موكب مكون من 300 معدة عسكرية من قاعدة معيتيقة حتى مقر إقامته. كما أنهم استدعوا منتسبيهم وأعلنوا النفير والاستعداد لأي مواجهات قد تحدث مع ميليشيات طرابلس وانتشروا بشكل كبير في شارع عمر المختار وميدان الشهداء في طرابلس، بالتزامن مع تنظيم سكان مصراتة اعتصامًا احتجاجًا على إيقاف باشاغا، وهدد محمد الحصان، آمر الكتيبة 166 التابعة للوفاق، ، بالانشقاق عن الحكومة حال إبعاد باشاغا. وفي المقابل، رحبت ميليشيات طرابلس بالقرار وأطلقت الأعيرة النارية احتفالاً.  

وقد أصبح بقاء باشاغا ضروريًا لضمان استمرار التمويل لتلك الميليشيات فبعد فشل السراج في تأمين التمويل اللازم لها، تولى باشاغا تلك المهمة من ميزانية وزارة الداخلية خاصة المقررة لمواجهة جائحة فيروس كورونا.  

وفي محاولة منه لاحتواء الموقف المتصاعد على الأرض وتفويت الفرصة على محاولة الانقلاب عليه، عيّن السراج أحد قادة ميليشيات مصراتة، محمد علي الحداد، رئيسًا لأركان قوات الوفاق، في إشارة إلى أن الأزمة شخصية وغير موجهة لمصراتة. وقد كان الحداد قائد لواء الحلبوص، أكبر كتائب مصراتة وآمر المنطقة العسكرية الوسطى. كما عيّن العقيد صلاح الدين النمروش وزيرًا مفوضًا للدفاع، عقب اجتماع للمجلس الرئاسي لحكومة السراج يوم السبت الماضي، ليضمن الولاء له.

وتجددت الاشتباكات بين الميليشيات الغربية عقب خروج الجيش الليبي من طرابلس استجابة للدعوات الدولية بضرورة اتباع الحل السياسي، وكانت قد توحدت بغرض مواجهة قوات الجيش ومنعها من تحرير العاصمة، حيث عادت المواجهات والاشتباكات المسلحة التي وصلت إلى حد الاغتيالات. وترى ميليشيات مصراتة أنها الأجدر بالحكم لتفوقها في العدد والعتاد.

ضربة لمصالح تركيا في ليبيا 

تعتبر تركيا فاعلًا ومفعولاً به في الأزمة الحالية، فقد كان لتدخلها بدعم باشاغا على حساب السراج عاملًا أساسيًا في تسريع خروج الصراع المكتوم إلى العلن. وفي الوقت نفسه، قد يكون لهذه الأزمة تأثيرًا سلبيًا على النفوذ التركي في الغرب الليبي، حيث إن ضعف حكومة الوفاق وميليشياتها التي تعتمد عليها أنقرة لتمرير مشروعها التوسعي في هذا البلد، يعني خصمًا من شرعية الوفاق لصالح مجلس النواب والجيش الوطني، وقد يقود مستقبلًا إلى دور أوسع للجيش في الغرب الليبي. 

وتتضح المخاوف التركية من الوضع في الغرب الليبي، في محاولتها لاحتواء الصراع الذي تفجر مؤخرًا، إذ أرسلت وفدًا أمنيًا إلى ليبيا للعمل على حل الأزمة.

وعلى ما يبدو أن مصلحة تركيا مع تولي باشاغا رئاسة حكومة الوفاق بالنظر إلى أن السراج بات “كارتًا محروقًا” داخليًا وخارجيًا بعد أن أصبح عائقًا أمام مخططات تركيا. كما أنه “فاقد للشرعية والشعبية”، كون أن المجلس الرئاسي فقد شرعيته بموجب اتفاق الصخيرات منذ العام 2016، فضلًا عن اتهامات الفساد التي تلاحقه حيث تُنهب أموال الليبيين وتذهب لتمويل الميليشيات المسلحة أو تُرسل إلى تركيا، كما أن أنقرة تريد إنهاء مظاهر الحكم النظامي في الغرب الليبي والتعامل مع الميليشيات المسلحة مع خلق حالة من التوازن الهش بينها لسهولة السيطرة عليها وتنفيذ مخططاتها من خلالها، وهو السيناريو نفسه الذي نفذته في الشمال السوري.

وهنا انقسم المحللون بين من ذهب إلى أن تركيا سوف تدعم انقلابًا كاملاً يقوده باشاغا على السراج وأن ذلك كان محور الزيارة التي نظمها وزيرا الدفاع التركي خلوصي أكار، والقطري محمد العطية، إلى ليبيا في وقت سابق من هذا الشهر، ويتنبى هذا الرأي الكاتب التونسي والخبير السياسي، باسل ترجمان. وبين من يؤكد أن أنقرة لن تتدخل مباشرة لدعم طرف على حساب الآخر خوفًا من انقلابه عليها في نهاية المطاف، ولكنها ستدير إنقلابًا ناعمًا لصالح باشاغا عبر تصديره في صورة المحارب للفساد والمنقذ للشعب الليبي.

وقد بدأت أنقرة بالفعل في تقوية شوكة باشاغا عبر دعم ميليشيات مصراته بالمال والعتاد والمرتزقة السوريين ما رجح كفتهم على حساب ميليشيات طرابلس التابعة للسراج. ويستغل باشاغا مسؤوليته عن ملف تفكيك الميليشيات وجمع سلاحها لإخراج ميليشيات طرابلس من المشهد السياسي والأمني.  

هذا الوضع سوف يخلق صدامًا أيديولوجيًا بين المجموعات الميليشياوية، وهو ما سيصب في صالح أنقرة أيضًا، حيث سيدفع بهم إلى التسابق نحو تقديم فروض الطاعة والولاء لتركيا طمعًا في الحصول على مزيد من الدعم،  كما أنه سيمنحها مبررًا لوجود قواتها ومرتزقتها على الأراضي الليبية.

ختامًا، يهدد الموقف المشتعل حاليًا على الأرض اتفاق وقف إطلاق النار المُعلن في 21 أغسطس الماضي، والذي ينص على عملية تهدئة وخروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا والدخول في عملية سياسية تفضي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية. وعلى الرغم من عودة وزير داخلية الوفاق إلى موقعه إلا أن النار مازالت تحت الرماد يُمكن أن تشتعل في أي لحظة، خاصة وأن جماعة الإخوان التي تدعم باشاغا تريد أن تكون ممثلة في حوار “الصخيرات 2” المقرر خلال شهر برعاية أممية لحجز مقعد لها ضمن أي ترتيبات سياسية مقبلة، خاصة وأن حكومة الوفاق هي التي ستشرف على أي انتخابات لاحقة. وقد عبر السراج عن ذلك في حديثة لأهالي طرابلس، بقوله إنه طالب بانتخابات في مارس 2021 لكنه يخشى من دخول البعض في حوار سياسي وتشكيل رئاسي جديد لتعطيل موضوع الانتخابات.

Scroll Up