حرص رئيس المكتب السياسي لحركة حماس “إسماعيل هنية” في لقائه مع الأمين العام لحزب الله اللبناني “حسن نصر الله” (6 سبتمبر) على التأكيد على جملة من المصطلحات كان أبرزها هو “ثبات محور المقاومة”، وأن “العلاقة بين حماس وحزب الله استراتيجية جدا”.

شكل العلاقة بين إيران وحماس

بعد تفاقم الأزمة السورية في 2011 أظهر رئيس المكتب السياسي لحماس آنذاك “خالد مشعل” انحيازه للمتظاهرين السوريين ضد نظام بشار الأسد المدعوم إيرانيا. مما تسبب في صدع في محور المقاومة الذي يجمع سوريا وإيران وحماس وحزب الله، نتج عن هذا الصدع أن اعتمدت إيران على تدعيم فصيل فلسطيني آخر لها في غزة وهو حركة الجهاد الإسلامي بقيادة زعيمه الحالي “زياد نخالة” في مقابل جمود العلاقة بين حماس وإيران.

مع صعود المكتب السياسي الجديد لحركة حماس (إسماعيل هنية)، شهدت العلاقة نقلة نوعية بين الطرفين، توجت بعقد لقاءات بين وفود رسمية من حماس ذات مستويات عالية مع مستويات متقدمة في طهران.

وأعلنت طهران عن رغبتها في دعم مسيرة العودة وشهدائها وجرحاها، وتقدمت بتبرع لعوائل الشهداء التي قطعت مُخصَّصاتها من السلطة الفلسطينية. حتى أفضى التطور في العلاقة إلى عقد لقاء مباشر برئاسة نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري مع المرشد العام للثورة الإيرانية علي خامنئي (22 يوليو 2019)، ليكسر بذلك الأخير قواعد برتوكوله في استقبال الصف الأول لقيادة الوفود التي تزوره. ثم تبع ذلك زيارة هنية إلى طهران لحضور صلاة جنازة قائد فيلق القدس “قاسم سليماني” في يناير 2020.

مثّل خروج إسماعيل هنية من قطاع غزة وسفره إلى طهران والدوحة وأنقرة قناة اتصال أساسية من أجل تقريب المواقف بين أطراف المحور الجديد القديم الذي يعاد هندسته وتنسيق تحركاته السياسية في مواجهة التطورات الإقليمية الجديدة المتعلقة بخطة السلام الأمريكية ورغبة الطرفين الإسرائيلي والأمريكي في الدفع بمسار اندماج إسرائيل في المنطقة.

قدم هنية من تركيا وقبلها قطر وإيران إلى لبنان من أجل ترتيب مجموعة من السياسات التي تتناسب مع طبيعة المرحلة التي تقبل عليها حماس وحزب الله كلا في ساحته السياسية.

التحركات الجديدة

استهل هنية زيارته إلى لبنان بلقائه حسن نصر الله، وبدأ كلا الطرفين في إطلاق مجموعة من الرسائل السياسية، يمكن عرضها فيما يلي: 

  1. العلاقة بين غزة والجبهة اللبنانية: رغبت حماس في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه لبنان وبالتحديد حزب الله في “ثبات محور المقاومة” أمام التطورات الجديدة وهي مقاومة التطبيع. يظهر في تصريح هنية بأن العلاقة بين حماس وحزب الله “استراتيجية جدا”. وتصريحه عند زيارة مخيم عين الحلوة “بأني عند دخول المخيم أشعر بأني بين عناصر كتائب القسام”. وهو ما يمكن أن يفهم بأن حماس تبعث برسالة إلى إسرائيل بأن ما يستقر في غزة يستقر بدوره على الجبهة اللبنانية المقابلة لإسرائيل؛ أي أن هناك محاولات من حماس بربط التفاعلات السياسية والأمنية بين غزة ولبنان في آن واحد، مما دفع مراقبين إلى القول بأن هنية ينقل قطاع غزة إلى لبنان، وهو ما يفسر أيضا الاستياء الشعبي اللبناني من زيارة هنية إلى بيروت.
  2. التأكيد على أهمية المقاومة المسلحة لحماس: يبدو أن حركة حماس لا زالت تلوح بتمسكها بسلاح المقاومة دون إظهار أي تنازل في هذا الشأن. حتى في حالة انخراط حماس في أي اتجاه مصالحة سيظل سلاحهم المسألة الخلافية الأولى. يظهر ذلك في تصريحات قيادات حماس سواء صالح العاروري (نائب إسماعيل هنية) في تعليقه على مخرجات اجتماع الفصائل الفلسطينية الأخير (رام الله-بيروت) إلى أنه لا زالت هناك مسائل خلافية لم تحل في قضية المصالحة. وشدد في هذا السياق على أهمية سلاح المقاومة مؤكدًا أن حماس مع أي اتجاه مصالحة طالما في إطار احتفاظ حماس بالسلاح. وهو ما يتسق كثيرا مع ما ذكره هنية بأن صواريخ حماس أنتجت معادلة ردع قوية في مواجهة إسرائيل.
  3. لبنان في وجه التطبيع: حرص إسماعيل هنية على مقابلة ممثلي التيارات السياسية في لبنان، مثل سعد الحريري، ونبيه بري (رئيس البرلمان اللبناني)، ورئيس لبنان ميشيل عون. مشددا على اللاءات الثلاثة “لا توطين ولا تهجير ولا للوطن البديل”، مشيرا إلى تمسك الفلسطينيين بحق العودة. وتزامن لقاء هنية وحسن نصر الله بعد زيارة مساعد وزير خارجية الولايات المتحدة “ديفيد شينكر” إلى لبنان من أجل التباحث حول توقيع اتفاق بين لبنان وإسرائيل لحل ملف الغاز الطبيعي. 
  4. تحسين صورة حماس السياسية لدى الشتات الفلسطيني: اتجهت أصداء المؤتمر الذي جمع الفصائل الفلسطينية إلى أهمية عقد انتخابات فلسطينية (تشريعية ورئاسية)؛ من أجل إشراك الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج في قضية مواجهة خطة السلام الأمريكية، حسب ما ذكره بعض القيادات الفلسطينية. وكان الملمح البارز في هذا الاتجاه هو التعويل على الشتات الفلسطيني في الانتخابات، وهو ما دفع حماس إلى زيارة مخيم عين الحلوة أو ما يسمى بعاصمة الشتات الفلسطيني (الذي يعيش فيه ما يقرب من 50 ألف لاجئا)؛ لتبني خطاب سياسي يروج لدور حماس في صياغة معادلة ردع سياسية وعسكرية في مواجهة إسرائيل والمبادرات الأمريكية. وهو ما يعزز صورة إسماعيل هنية الانتخابية قبل انتخابات حماس في نوفمبر المقبل.

ختاما، يمكن القول إن المتغير الجديد الذي شهده لبنان في الآونة الأخيرة يعكس تحركًا لاحقًا بدأ في طهران لينتقل إلى الدوحة ثم أنقرة، هدفه: هو تنسيق كامل جهود الوكلاء المحسوبين على طهران في المنطقة وضم الدوحة وأنقرة في ساحة جيوسياسية واحدة متكاملة.

Scroll Up