عرض/ آية عبد العزيز

نشر صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة –(مؤسسة فكرية أمريكية غير حزبية للسياسة العامة ومؤسسة مانحة لتعزيز التعاون والتفاهم بين أمريكا الشمالية وأوروبا)- تقريرًا في 4 سبتمبر 2020، لـ”توماس كلاين بروكهوف” نائب رئيس صندوق مارشال، حول قوى اليمين الشعبوي واستراتيجيتهم في التعاطي مع الأزمات الدولية، التي يتم توظيفها لخدمة مصالحهم؛ حيث يتم تبنيها على أجندتهم كآلية لحشد أكبر قدر ممكن من الداعمين والمؤيدين لأفكارهم تمهيدًا للوصول للسلطة، وتنفيذ سياساتهم التي يغلب عليها الطابع الانعزالي.

وفقًا للتقرير يستند القوميون الشعبويون على نظرية الأزمة باعتبارها آلية داعمة لصعودهم في السلطة، عبر تقديم أجندة مناهضة للتعددية. وبالنسبة للقوميين في المعارضة، كان من المفترض أن تسلط أزمة الفيروس التاجي “كوفيد-19” التي كشفت عن الاتجاهات الدولية المُختلفة التي ترغب في إعادة ترتيب توازنات القوى من خلال إداراتها للأزمة، تأتي في مقدمتها الصين بالتوازي مع تراجع قدرة الديمقراطيات الغربية باستثناء بعض الدول، الضوء على ضعف وفساد النخب الحاكمة الأمر الذي سيسمح لهم بتقديم أنفسهم كخطوة أخرى نحو السلطة. وخلق موطئ قدم لهم داخل البلاد التي تعاني من حالة الاستقطاب المُجتمعي.

 كما استغلوا تآكل النظام الدولي الليبرالي لتنفيذ سياساتهم الرافضة للعولمة، هو ما تجلى -على سبيل المثال- إبان الأزمة المالية العالمية في 2008 التي ساهمت في تنامي موجات الشعبويين، وأدت إلى التشكيك في قادة الحكومات وتغيرهم. ولكن السياسات الوبائية في الواقع قد أبطأت الصعود العالمي للقوميين الشعبويين، وساهمت في تراجع تأثيرهم. لذا فمن السابق لأوانه الحديث عن تحولات نوعية في النظام العالمي. 

في المقابل رأى استراتيجيو الشعبوية أن الجائحة تُمثل أزمة لا يريدون إهدارها، لابد من توظيفها تجلت على النحو التالي: 

  • ألقت زعيمة حزب “البديل من أجل ألمانيا” في البرلمان الفيدرالي الألماني “أليس فيديل”، اللوم على ما وصفته بـ “عقيدة الحدود المفتوحة” التي كانت سببًا في تفشي الفيروس.  
  • تعامل الرئيس “دونالد ترامب” مع الفيروس باعتباره هجومًا على الولايات المتحدة من الخارج، واصفًا إياه بـ “فيروس ووهان”، وأن الصين قامت بتصديره عمدًا. فيما شعرت القيادة السياسة في تركيا بأنهم أيضًا ضحية للاعبين الخارجيين، ويتعرضون لـ “هجوم عالمي”. 
  • رأى وزير الخارجية البرازيلي “إرنستو أراوجو” أن الأزمة هي “عودة الكابوس الشيوعي” تحت ستار “مشروع العولمة”، الذي يهدف إلى تقوية المنظمات الدولية الخبيثة مثل منظمة الصحة العالمية على حساب الدول القومية. 
  • الترويج إلى أن الاستبداد تفوق على الديمقراطية في التعامل مع الوباء، وهي نظرية انتشرت لأول مرة في صحافة الحزب الشيوعي الصيني.
  •  اغتنم “ترامب” اللحظة بإغلاق حدود بلادهم من جانب واحد، في مقابل جيرانهم الديمقراطيين الليبراليين من أجل تحقيق فكرة أن العزلة الوطنية عن عالم خطير توفر الإجابات المرجوة. 

التفكك الفكري

أشار التقرير إلى أن القوميين الشعبويين في حالة ارتباك فكري، لا يمكنهم أن يقرروا ما إذا كان الفيروس حقيقيًا وما إذا كان حقيقيًا من أين أتى؟ وماذا يفعلون حيال ذلك؟ وبعيدًا عن الوفاء بالتزامها بحماية “الأشخاص الحقيقيين” من الاضطهاد المزعوم من قبل “النخب”، أصبحت الأحزاب القومية الشعبوية أوعية لمنظري المؤامرة. 

لذا فقد حرمت الأزمة القوميين من الأكسجين لأنه من أجل تنفس المواطنين يحتاجون إلى التضامن وليس الاستقطاب. وبدلاً من ذلك كشف عن الضعف المزعوم وفساد النخب الحاكمة فضلاً عن انحيازات العلماء، وأوضح الوباء بوحشية عقلية القوميين الشعبوية، وحقائقهم البديلة غير المُجدية، وجهلهم بقوة الثقة الاجتماعية، كما أدى أدائهم العشوائي في السلطة إلى تدهور الحركة. 

وعليه فقد بدت الأزمة بمثابة الاستراحة التي كان الليبراليون ينتظرونها. تمثل في حديث “أنجيلا ميركل” في البرلمان الأوروبي في يوليو 2020 إلى إن “إنكار الحقائق لا يمكن أن يستمر كثيرًا”. فيما عبر المؤلف البريطاني “بيتر بوميرانتسيف” عن أمله إبان الأزمة، قائلاً إن “آل سالفيني وبولسوناروس وترامب لا يمتلكون هذا العالم”، “لأن الناس ببساطة أقل احتمالًا “للتصويت على سياسات يمكن أن تقتلهم”.

التراجع وليس الخروج من المعادلة السياسية

استكمل التقرير أن الأزمة كانت كاشفة لهشاشة قوى القوميين، وعدم تمكنهم من الاستفادة منها بشكل كبير، إلا إنه مازالت هناك فرصة لهم للعودة في سياق إدارة الأزمة إذا كان اللقاح متاحًا لعدد كبير من الجمهور العالمي قريبًا نسبيًا، فستهدأ الأزمة الصحية بينما ستستمر الأزمة الاقتصادية. يمكن أن تفتح آثاره “إمكانيات جديدة” للقوميين الشعبويين، وهو ما تحذر منه “نادية أوربيناتي” من جامعة كولومبيا، خاصةً عندما يكونون في المعارضة.

 الأمر الذي سيُفاقم الانقسامات الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي فتح مساحة أمام الديماجوجيين الذين يزدهرون على الانقسام والاستقطاب. سوف يجادلون بأن النخب الحاكمة التي لم تتأثر إلى حد كبير بالركود الاقتصادي لن تهتم كثيرًا باستمرار الأزمة الاقتصادية. ولهذا السبب لا يمكن تمثيل “الشعب” بشكل كافٍ إلا من قبل القوميين الشعبويين.

كما سيستخدم القوميون الشعبويون المرحلة التالية المُتعلقة بتقليل إجراءات الإغلاق، فتح الحدود وتفعيل سلاسل التوريد العالمية لعوة حركة التجارة لإنعاش الاقتصاد العالمي، سيعزز أصواتهم الداعمة للانفصال والانعزالية الاقتصادية، كهدفًا للاكتفاء الذاتي في المرحلة المقبلة. على الجانب الآخر بدا المعسكر المناهض للشعبوية يتفكك بشكل متزايد، نتيجة ظهور تيارات سياسية تُجادل بأن فتح الحدود على الدوام سيزيد من عدم المساواة ويهدد البيئة. 

اختتم التقرير أن القوميين الشعبويين، لم يتمكنوا من إيجاد ميزة في الوباء. ومع ذلك، في ظل غياب حجة دولية واضحة ومقنعة حول العولمة بعد الوباء، فقد يكون هذا الوقت مفتوحًا للقوميين الشعبويين.

Scroll Up