شكّل انقلاب حماس على السلطة في قطاع غزة (2007) تهديدات جديدة ومتعددة الأبعاد للأمن القومي المصري، واشتدت في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي إثر صراعه مع الإخوان المسلمين في مصر وفرع تنظيم داعش في سيناء. 

ينبع التهديد المتنامي لقطاع غزة من تحول القطاع إلى قاعدة إرهابية ترزح بمهددات الاستقرار الأمني ​​في مصر بشكل عام وفي سيناء بشكل خاص؛ لا سيما في ظل العلاقات الواسعة التي تطورت بين حماس والعناصر الجهادية في سيناء (داعش). 

في واجهة التوترات الأمنية بين مصر وحماس، كانت أنفاق التهريب على حدود غزة – سيناء التي أثرت سلبا على السيادة المصرية، وزادت من الاحتكاك بين القوات المسلحة المصرية وحركة حماس التي تعبر الحدود المصرية من منطقة رفح.  كما كان في قلب هذه المشاهد القلق المصري من استخدام حماس أو عناصر سلفية جهادية أخرى في سيناء غزة كقاعدة لهم للهجوم على القوات الأمنية في سيناء؛ بداعي “مقاومة” إسرائيل.

احتكاك دامٍ

الهجوم المميت الذي خرج من قطاع غزة في أغسطس 2012 وأودى بحياة 16 جنديًا مصريًا أجبر نظام الاخوان في مصر وقتها -بضغط من الجيش والشعب- على تجديد القيود على فتح معبر رفح. في أعقاب الحادث، تم إغلاق العشرات من أنفاق التهريب أو إغراقها بمياه الصرف الصحي، وألقت حماس باللوم مرة أخرى على مصر للمشاركة في حصار غزة، رغم أن المجتمع المصري كان يبكي دماءً سقطت في حادث إرهابي كان مصدره غزة ومعبر رفح.

أدت الإطاحة بمرسي وصعود نظام السيسي إلى رفع مستوى العداء بين مصر وحركة حماس إلى درجة أخرى، في ظل تعميق الخلاف الأيديولوجي بين الطرفين وتصعيد الوضع الأمني ​​في سيناء. في الوقت نفسه، كان هناك زخم في النشاط الجهادي في سيناء، عندما أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس في نوفمبر 2014 عن إنشاء “ولاية سيناء”، تُقسم الولاء لداعش في سوريا والعراق. 

اتهمت مصر حماس بشكل مباشر بدعمها الهجمات على القوات العسكرية المصرية في سيناء، وكانت أخطر نقطة في العلاقات بين الطرفين بعد اغتيال النائب العام المصري هشام بركات في يوليو 2015. وظلت العلاقة بين حماس وداعش في إطار تعاون تكتيكي يقف عند حدود الدعم اللوجستي أو الطبي.

أتى الضغط المصري على حماس ثماره تدريجيًا، في مارس 2016 وصل وفد أمني من حماس لزيارة مصر. واشترطت القاهرة خلال المباحثات لتحسين العلاقات مع التنظيم وخاصة فتح معبر رفح بسلسلة مطالب أمنية وسياسية منها: وقف مرور الأسلحة والإرهابيين عبر أنفاق التهريب، تسليم المطلوبين إلى مصر، فك ارتباط حماس رسميًا بجماعة الإخوان المسلمين والتقارب مع المحور السني المعتدل على حساب المحور الشيعي بقيادة إيران والمحور الإسلامي بقيادة تركيا وقطر. 

وكما يبدو من خلال التنسيقات السياسية والأمنية بين حماس وإيران كدولة، وحماس وحزب الله (وكيل طهران في لبنان) أن حماس لم تنسحب من الارتباط بدوائر طهران، انعكس في زيارة إسماعيل هنية إلى طهران بعد موت قاسم سليماني، وزيارته إلى حسن نصر الله في لبنان. اعتبرت إيران، تليها تركيا وقطر، أن سيطرة حماس على قطاع غزة بمثابة انفتاح لتعزيز نفوذها، على حساب مصر. كانت النضالات من أجل الهيمنة بين مصر وهذه الدول جزءًا من الصراعات الإقليمية الأوسع على مدى العقد الماضي بين محور الدول العربية القومية، الذي اعتُبرت مصر أحد رواده الرئيسيين، والمحور الإسلامي يضم الإخوان المسلمون، مع تركيا وقطر، وإيران.

سياسة حماس في غزة

يمكن تصوير مشهد الاحتجاجات في قطاع غزة والتي حملت اسم “بدنا نعيش” في 25 مارس 2019 تمفصًلا زمنيًا لافتًا من أجل التعبير عن سياسة حماس في غزة. 

بدنا نعيش": حراك شعبي في غزة للمطالبة بتحسين الظروف المعيشية - YouTube

يرزح قطاع غزة تحت أوضاع معيشية صعبة دفعت الشارع الفلسطيني في غزة للخروج في احتجاجات تحمل مطالب اجتماعية غير سياسية، وعبّر المحتجون عن موقفهم في بيان مشترك، شرحوا فيه أسباب أزمة القطاع منها قيام إسرائيل بإغلاق القطاع وما يترتب من الانقسام الفلسطيني الداخلي.

بالإضافة إلى ذلك يأتي دور “المسؤولين” في قطاع غزة في تعقيد الظروف المعيشية للسكان، ولا سيما عن طريق فرض ضرائب ورسوم مبالغة فيها. كما اشتكى الموقعون على البيان من ارتفاع تكاليف المعيشة. بالإضافة إلى أن الحقوق والحريات لم تعد مصونة وفقًا لما جاء في البيان. وبدلاً من ذلك، يواجه الناس الاضطهاد أو الاعتقال أو التخويف أو الشيطنة. 

التوظيف السياسي

جاء رد حركة حماس الحاكمة سريعًا، إذ قام رجال الأمن بتفريق المتظاهرين باستخدام العنف، كما يتضح من أشرطة الفيديو التي تنتشر على مواقع الإنترنت. كذلك قام قوات الأمن أثناء المظاهرة وبعدها باعتقال العديد من المحتجين.

في 30 مارس 2019 أعلنت حماس أتباعها للخروج في مسيرات احتجاج على طول السياج الأمني مع إسرائيل من أجل التشويش على مظاهرات الاحتجاج في شوارع قطاع غزة ضد حركة حماس.

سلاح حماس

أعلنت قيادة حركة حماس أن سلاحها هو خط أحمر، وأن الحركة رفضت 15 مليار دولار في مقابل نزع سلاحها وهو ما يستدعي السؤال حول جدوى سلاح حماس في دعم القضية الفلسطينية بشكل يتجاوز قيمة الـ 15 مليار دولار من أجل رفع الوضع المعيشي لغزة.

هناك دعوات كثيرة لنزع سلاح حماس، ولكن تخرج من مصر دعوة موحدة مفادها أن يتم دمج سلاح حماس ضمن قوات أمن السلطة الفلسطينية، وتسليم حكم غزة لسلطة رام الله من أجل توحيد الجبهة الفلسطينية من أجل إقامة دولة مستقلة. ولكن يبدو أن حماس لا ترى في سلاحها في إطار المقاومة بقدر ما أنها ترى فيه خط دفاع للحفاظ على نفوذها وسيطرتها على قطاع غزة وحضورها السياسي في قلب القضية الفلسطينية.

يصب ذلك في مصلحة إسرائيل التي تنعكس في تصريح نتانياهو في مارس 2019 الذي يرى أن الهدف الإسرائيلي هو منع قيام دولة فلسطينية بين قطاع غزة والضفة الغربية من خلال تكريس الانقسام بين حماس والسلطة الفلسطينية. ويبدو أن إسرائيل ترى في سلاح حماس أداة منطقية لتكريس هذا الانقسام، أي فرض لغة القوة. يستدل على ذلك حديث الخبير الإسرائيلي في الفيلم الوثائقي الأخير لقناة الجزيرة “ما خفي كان أعظم” يقول: “إسرائيل لن تنزع سلاح حماس، فحركة حماس تمثل قوة أيديولوجية قد تسيطر على غزة”.

ختاما، يمكن القول إن الكلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمثلها سيطرة حماس على قطاع غزة تقضم من فرص حل القضية الفلسطينية بسبب الانقسام الفلسطيني الفلسطيني. رغم محاولات المصالحة إلا أن حماس تلفظ أي إمكانية لنزع سلاحها والانضواء تحت عباءة فلسطينية واحدة بدعوى أنها تقاوم إسرائيل.

Scroll Up