بعد مسار طويل من المحاولات القطرية لتجنب تعرض وسائل الإعلام التابعة لها والعاملة على أراضي الولايات المتحدة الأمريكية لتقييد هامش حركتها وإجبارها على العمل تحت طائلة القوانين الأمريكية أمرت وزارة العدل الأمريكية منذ أيام إحدى وسائل الإعلام التابعة لمؤسسة الجزيرة القطرية والمسماة (+AJ) بالبدء فورًا في إجراءات تسجيلها كوسيلة إعلام ممولة من الحكومة القطرية لتعمل تحت طائلة قانون (فارا) المنظم لعمل المؤسسات المرتبطة بحكومات دول أخرى على الأراضي الأمريكية. (وهو قانون صدر عام 1938؛ يهدف إلى إجبار أي شخص يعمل على تعزيز مصالح الدول الأجنبية داخل الأراضي الأمريكية على الكشف العلني والكامل عن نشاطاته).

رسالة حادة من وزارة العدل الأمريكية

أوامر وزارة العدل الأمريكية لشبكة الجزيرة جاءت ضمن رسالة حصل موقع (Mother Jones) الأمريكي على نصها، ونقلته عنه معظم الصحف في الولايات المتحدة ومنها صحيفة نيويورك تايمز. وهي رسالة مؤرخة بتاريخ الرابع عشر من الشهر الجاري وممهورة بتوقيع جاي برات رئيس قسم الرقابة ومكافحة التجسس في وزارة العدل الأمريكية. قال برات في متن خطابه هذا إن القسم الذي يرأسه وصل لقناعة أن منصة (+AJ) التي تنشط بشكل رئيس على شبكة الإنترنت وتقوم بنشر مقاطع مصورة قصيرة مخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي بلغات عدة منها العربية والإنجليزية والإسبانية والفرنسية أصبحت منخرطة بشكل كبير في دعم (أنشطة سياسية) بإيعاز من العائلة المالكة القطرية التي تسيطر بشكل كامل على شبكة الجزيرة وتمولها وتتحكم في مجلس إدارتها 

وأضاف برات في رسالته لشبكة الجزيرة “على الرغم من تأكيداتها على استقلالية سياستها التحريرية إلا أن شبكة الجزيرة ووسائل الإعلام التابعة لها تخضع لسيطرة وتمويل النظام الحاكم في قطر، وبالتالي يجب أن تعمل من الآن فصاعدًا تحت طائلة قانون تسجيل الوكلاء الأجانب. فالصحف ووسائل الإعلام التي تحاول التأثير على التوجهات الرسمية والشعبية الأمريكية حيال قضايا سياسية داخلية أو على النظرة الأمريكية لأي دولة أو نظام أجنبي تكون في هذه الحالة ومن وجهة النظر القانونية ممارسة لأنشطة سياسية على الأراضي الأمريكية، حتى لو كانت تعتبر سياستها التحريرية موضوعية ومتوازنة”.

أسهب المسؤول الأمريكي في بقية الخطاب في شرح الأسباب التي تدعو حكومة الولايات المتحدة إلى اتخاذ مثل هذا القرار فقال “السيطرة القطرية على الموارد المالية لشبكة الجزيرة وروافدها الإعلامية باتت شيئًا مؤكدًا ولا يقبل الجدال، وهذا يمكنها من سحب أو الحد من التمويل المقدم إليها في أي وقت تشاء. وهذا هو نفس الوضع فيما يتعلق بسيطرة العائلة المالكة القطرية على آليات تعيين أعضاء مجلس إدارة الشبكة.

يضاف إلى ذلك حقيقة أن منصة (+AJ) تنشر بشكل دائم مقالات ومواد صحفية تدعو جمهورها للتساؤل حول عدة قضايا جدلية تمس الداخل الأمريكي ونظرته للقضايا الدولية، مثل طرحها تساؤلات حول مدى صحة مصطلح الإرهاب الإسلامي، وكذا محاولتها الترويج لوجهات نظر إيجابية حيال إيران والقضية الفلسطينية وتشكيكها الدائم في دعم واشنطن لإسرائيل، بجانب تقديمها لتغطيات منحازة للحوثيين وإيران في النزاع الدائر حاليًا في اليمن ورفع الصوت القطري المنتقد للمملكة العربية السعودية حيال عدة قضايا من بينها الحظر الذي يفرضه الرباعي العربي على الدوحة”.

على الرغم من رفض “مارك ريموندي” المتحدث باسم وزارة العدل الأمريكية تأكيد أو نفي صحة ما ورد في وسائل الإعلام الأمريكية حول هذا الخطاب إلا أنه قال “تتضمن الصلاحيات والمهام الموكلة إلى الوحدات المنوط بها إنفاذ قانون تسجيل الوكلاء الأجانب متابعة وملاحقة الدلائل التي يتوصلون إليها والأفراد والمؤسسات التي تشير الدلائل المتوفرة إلى ضرورة إخضاعهم لهذا القانون”.

صدمة قطرية من الخطوة الأمريكية المباغتة

ردود الفعل القطرية على الخطوة الأمريكية شابها صدمة الدوحة الواضحة منها؛ نظرًا لعدة عوامل ظهرت من سياق بيان شبكة الجزيرة الذي تم إصداره أمس للتعليق على هذه الخطوة، فقد تضمن البيان إشارة إلى أن هذا القرار تشوبه دواعٍ أمنية تجعله مختلفًا عن أية حالات أخرى تم فيها تسجيل مؤسسات أجنبية عاملة على الأراضي الأمريكية تحت طائلة قانون (فارا). 

فحسب ما ورد في البيان جرت العادة فيما يتعلق بالمخاطبات الخاصة بهذا القانون أن يتم التواصل بين رئيس وحدة تطبيق هذا القانون في وزارة العدل والمؤسسات المطلوب تسجيلها، لكن في حالة (+AJ) تم التواصل مع شبكة الجزيرة من جانب رئيس وحدة مكافحة التجسس في الوزارة، وهو أحد المسؤولين المختصين بشؤون الأمن القومي في الوزارة، وهو ما رأته الشبكة في بيانها أمرًا غير عادي.

حاولت شبكة الجزيرة في هذا البيان تسييس المسألة كالعادة، وأدخلت الإمارات العربية المتحدة كشريك أساسي في هذا القرار الأمريكي، واتهمتها بأنها بتخطيط من أفراد موالين لها وممولين منها حرضت واشنطن على اتخاذ هذا القرار في هذا التوقيت. وقال البيان في هذا الصدد “في اليوم الذي سبق إصدار القرار الأمريكي وقعت الإمارات العربية المتحدة اتفاقًا للتطبيع مع إسرائيل بوساطة من الإدارة الأمريكية الحالية، وبالتالي هناك ارتباط قوي بين هذا الاتفاق والقرار الأمريكي حيال شبكة الجزيرة، وهذا القرار يتماشى مع شروط أبو ظبي المعلنة لرفع الحصار عن قطر ووزارة العدل الأمريكية أعطت الإمارات بهذا القرار ما تريده”.

جدير بالذكر أن السفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة يوسف العتيبة نفى في رسالة إلكترونية أرسلها إلى جريدة نيويورك تايمز أية علاقة لبلاده بهذا الملف وقال “هم ليسوا مهمين لهذه الدرجة كما يعتقدون فنحن لم نثر أية موضوعات لها علاقة بقطر أو الجزيرة خلال مناقشاتنا مع الجانب الأمريكي 

في بيانها للتعليق على خطاب وزارة العدل الأمريكية -والذي للمفارقة تسبب في تأكيد ارتباط منصة (+AJ) بها ولم يقدم أية دلائل حول مزاعمها عن دور إماراتي في القرار الأمريكي- أعربت شبكة الجزيرة عن إيمانها أن القرار بشأنها هو قرار مسيس لأنها سابقًا قدمت سجلًا كاملًا يحتوي على كافة التفاصيل المتعلقة بهيكلها القانوني والتحريري والمالي، وهذا كله حسب رأي الشبكة أثبت أن قانون (فارا) لا ينطبق عليها وأن منصة (+AJ) هي منصة مستقلة، وأكثر من 90 بالمائة من محتواها لا يتعلق بقضايا أمريكية حصرًا. وانتقدت الشبكة ما قالت إنه (ازدواجية في المعايير) جعلت واشنطن لا تطبق هذا القانون على مؤسسات صحفية وإعلامية أجنبية عاملة على أراضيها مثل هيئتي الإذاعة الكندية والبريطانية.

من مباعث الصدمة القطرية من هذا القرار أنه جاء مباغتًا لأقصى حد، لدرجة جعلت المستشار الإعلامي للسفارة القطرية في واشنطن يحجم عن التعليق عليه، خاصة وأنه هو وكافة طاقم السفارة فوجئوا بهذا القرار الذي جاء في نفس اليوم الذي التقى فيه نائب رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثان مع كبار مسؤولي إدارة ترامب لإجراء الحوار الاستراتيجي السنوي بين البلدين. وقد تزامن هذا القرار للمفارقة الساخرة مع تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أشاد بها بالجهود المبذولة لتنظيم فعاليات (عام الثقافة القطري 2021) في واشنطن وقال “لقد نمت شراكتنا إلى ما هو أبعد من مجرد الدفاع والاقتصاد إلى علاقة صداقة حقيقية ومجتمع بين شعبينا وبلدينا”.

نهاية دراماتيكية للمحاولات القطرية للتأثير في الداخل الأمريكي

يعد هذا القرار ضربة جديدة وقوية لجهود الدوحة الرامية إلى التأثير على القطاعات الشعبية وصناع القرار في الولايات المتحدة، بعد الضربة التي تعرضت لها في أبريل 2016 حين تم إغلاق مقار قناة (الجزيرة أمريكا). منذ ذلك التوقيت وحتى الآن كانت محاولات قطر في الداخل الأمريكي تتم على محورين، المحور الأول هو عبر منصة (+AJ) والمحور الثاني عبر منصات ومواقع وصحف أمريكية رديفة تسيطر عليها قطر ماليًا.

منصة (+AJ) تعرضت على مدار السنوات الماضية لكم متصاعد من الانتقادات الأمريكية نتيجة لإثارتها قضايا تعد من ثوابت الولايات المتحدة، منها نشرها لمقطع فيديو يشكك في حدوث المحرقة النازية لليهود خلال الحرب العالمية الثانية، بجانب تسجيلات مصورة أخرى تنتقد عدة قضايا داخلية أمريكية مثل قانون تم سنه في ولاية ألاباما للحد من الإجهاض، وكذا الترويج لمحتوى يتوافق مع السياسات القطرية ويدعم حزب الله وحركة حماس وجماعة الحوثي في اليمن ويناهض بعض الدول الخليجية مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وهي توجهات لا تتوافق مع السياسة الأمريكية سواء داخليًا أو خارجيًا.

المحور الثاني حاولت فيه قطر أن تخلق روابط مع وسائل الإعلام العاملة بالفعل على الأراضي الأمريكية؛ فقامت عام 2013 بشراء قناة (كارنت) التلفزيونية ذات التوجه الليبرالي التي كانت ملكًا عدة شركاء على رأسهم نائب الرئيس الأمريكي السابق آل جور، كما وثقت من روابطها مع عدد من المواقع الإلكترونية الأمريكية من بينها موقع (نيوز ماكس) وموقع (أمريكان كونسيرفاتيف) الذي ينشر بشكل دوري مقالات تثمن من الدور القطري الإقليمي وتناهض التحالف العربي في اليمن، وكذلك وموقع (المونيتور). بجانب احتفاظها بتأثير كبير على بعض كبار الصحفيين والكتاب في مواقع صحفية مرموقة مثل نيوريوك تايمز وفوربس، وإعلانها مؤخرًا عن شراكة مع مؤسسة (بلومبرج) الصحفية.

نستطيع أن نعتبر قضية الفيلم الوثائقي الذي أعدته شبكة الجزيرة عام 2017 حول دور اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة بمثابة الشرارة التي أفضت إلى سلسلة من التفاعلات السياسية الداخلية في واشنطن أدت إلى تسليط الضوء على حقيقة الأهداف القطرية الإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية.

كانت التوجهات القطرية حينها تستهدف التقارب مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ ولهذا تواصلت الدوحة في ذلك التوقيت مع عدد من الكيانات اليهودية في فبراير 2018 وأبلغتها أنها من المحتمل أن تكون قد ظهرت في هذا الفيلم الوثائقي، وطلبت منها أن توافق على أن تقوم ببثه. وهذا تزامن مع حملة علاقات عامة مولتها الدوحة تصدرها عدة أشخاص منهم نيك موزين وهو ناشط سياسي جمهوري معروف بتأييده القوي لإسرائيل وكذلك جوي لحام المالك السابق لمطعم كوشير الراقي في نيويورك والمعروف بصلاته في دوائر صنع القرار في الشرق الأوسط؛ إذ قاموا بالعمل عن كثب داخل دوائر الاتصالات اليهودية الأرثوذكسية اليمينية بغرض كسب دعم قادة المجتمع اليهودي والمدافعين عن إسرائيل ودفعهم لزيارة الدوحة في رحلات مدفوعة.

وقد شملت هذه الرحلات لقاءات مع أمير قطر وغيره من المسؤولين رفيعي المستوى. وكان من بين هؤلاء المؤثرين شخصيات بارزة مثل آلان ديرشويتز الذي أصبح مستشارًا لإدارة ترامب وكان يعمل في البيت الأبيض عندما التقى أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني بالرئيس ترامب، ومورت كلاين الذي يدير المنظمة الصهيونية الأمريكية وتلقى من القطريين مبلغ مائة ألف دولار لصالح المنظمة الصهيونية الأمريكية، وأخذ منهم أيضًا تعهدًا بعدم إذاعة الفيلم الوثائقي سالف الذكر، وهذا ما أكد حينها دور الأمير القطري الأساسي في إدارة وتمويل أنشطة قناة الجزيرة. 

قام هؤلاء عقب عودتهم إلى الولايات المتحدة وعلى رأسهم درشويتز بكيل المديح لقطر في الصحف الأمريكية ومهاجمة المملكة العربية السعودية، وهذا تزامن مع زيارة الأمير القطري إلى الولايات المتحدة في أبريل 2018. إلا أن النظرة الأمريكية للدور القطري تغيرت بعد أن سرب القطريون محتوى هذا الفيلم الوثائقي إلى بعض المجلات والصحف الأمريكية، مما أكد أن الغرض القطري كان فقط استمالة المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة لدعم العلاقات القطرية مع إدارة ترامب، وهذا أدى بالتبعية إلى بدء التدقيق في أنشطة شبكة الجزيرة في الولايات المتحدة.

مسألة الفيلم الوثائقي السابق ذكرها أكدت قناعة كانت موجود سابقًا لدى بعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية؛ فقد أظهرت برقيات وكيليكس الخاصة بوزارة الخارجية الأمريكية عام 2009 أنهم توصلوا إلى نتيجة مفادها أن قناة الجزيرة تمثل أداة لنشر التأثير القطري خارجيًا، وأنها ستظل معبرة عن السياسة الخارجية لدولة قطر، وذلك بدون التنسيق مع وزارة الخارجية القطرية. وقد أفادت البرقية “أنه على الرغم من تحفظات حكومة قطر فإن قناة الجزيرة تظل واحدة من أهم أدوات نظام الحكم في قطر على المستوى الدبلوماسي؛ فالحكومة القطرية تسيطر بشكل كامل على القناة وتمويلها بجانب تحكمها في تشكيل إدارتها والتعيينات فيها”.

القرار الأمريكي … خطوة في مسار طويل لمواجهة الأنشطة القطرية

القرار الأمريكي حيال شبكة الجزيرة كان حصاد مسار طويل بدأ برسالة أرسلها في أغسطس 2018 عدد من أعضاء الكونجرس عن الحزب الجمهوري منهم النائب عن ولاية نيويورك لي زيلدين والنائب عن ولاية فلوريدا ماركو روبيو تطالب بتسجيل شبكة الجزيرة تحت طائلة قانون (فارا)، وقال النواب في رسالتهم “إن شبكة الجزيرة تنخرط في أنشطة سياسية في الولايات المتحدة من شأنها تعزيز مصالح قطر”. 

تسببت هذه الرسالة والضغط الذي حدث من جرائها في توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نفس الشهر على قانون إقرار الدفاع الوطني (NDAA) الذي تضمن بندًا يفوض وزارة العدل للتحقيق في أنشطة شبكة الجزيرة على الأراضي الأمريكية. 

ونظرًا لعدم اتخاذ وزارة العدل الأمريكية حينها أية إجراءات للتحقيق في أنشطة شبكة الجزيرة أرسل عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين في يونيو 2019 رسالة إلى وزارة العدل تؤكد وجوب تسجيل شبكة الجزيرة تحت طائلة قانون (فارا)، منهم تشاك غراسلي النائب عن ولاية أيوا وتوم كوتون النائب عن ولاية أركنساس والنائب عن ولاية تكساس جون كورنين وغيرهم من النواب. وجاء في هذه الرسالة “يمكن أن نستنتج أن قناة الجزيرة هي ذراع إعلامية للحكومة القطرية تعمل نيابة عنها وتشارك في أنشطة سياسية تسعى إلى التأثير على الرأي العام في الولايات المتحدة، وتروج لمحتوى موالٍ لجماعة الإخوان المسلمين ومناهض للولايات المتحدة وإسرائيل”.

قانون (فارا)… عناصره وتطبيقه

قانون تسجيل الوكلاء الأجانب المعروف باسم (فارا FARA) هو قانون للإفصاح ينص على وجوب قيام الأشخاص أو المؤسسات التي تعمل كوكيل عن منظمات حكومية أجنبية سياسية أو اقتصادية بتقديم إفادات دورية عن طبيعة علاقاتها بالحكومات الأجنبية وكذلك عن طبيعة الأنشطة التي تمارسها والتمويل والمدفوعات التي تتلقاها من هذه الحكومات، ويعد التسجيل تحت طائلة هذا القانون بمثابة التزام قانوني ضامن يتيح لوزارة العدل أن تكون على دراية كاملة ومستمرة بطبيعة ونوع الأنشطة التي تمارسها الحكومات الأجنبية على التراب الوطني الأمريكي. 

على المستوى النظري يسمح الفحص النظري المستمر من جانب الحكومة الأمريكية لهذه الإفادات الوصول إلى تقييمات واضحة لطبيعة ومدى التأثير الذي تمتلكه الحكومات الأجنبية على الوضع الداخلي الأمريكي، وتحديد ما إذا كان هذا التأثير يتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية أم لا. كما أن تجميع هذه المعلومات يتيح للحكومة الأمريكية اتخاذ خطوات عملية وفعالة لمواجهة أية مصالح أجنبية في حالة ما تم اعتبارها معادية ومهددة جديًا للداخل.

حتى وقت قريب مضى كان من النادر تطبيق هذا القانون ولهذا تمكن عدد كبير من الأفراد والمنظمات الذين من الممكن اعتبارهم وكلاء لحكومات أجنبية من تجنب أن يتعرضوا للفحص والتدقيق وبالتالي لم يتم حصر التمويل الذي تلقته “لوبيات” الضغط والفعاليات الأخرى المؤثرة على الداخل الأمريكي.

خلال الفترة ما بين 1938 و1966 ركز قانون (فارا) على مراقبة عمليات الدعاية والترويج، لكن في الفترة التالية لذلك تم تعديل بؤرة تركيزه لتصبح منصبة على مراقبة الوكلاء الباحثين عن مزايا تفضيلية اقتصادية وسياسية لعملائهم، وهو ما قد يعرض حرية اتخاذ القرار في حكومة الولايات المتحدة للخطر. ظل القانون مفعلًا بشكل محدود للغاية إلى أن ثارت قضية تدخل قناة (أر تي) الروسية في انتخابات الولايات المتحدة عام 2016 مما دفع الحكومة الأمريكية للتحقيق والتدقيق في هذه الأنشطة.

وأخيرًا سيساهم تسجيل شبكة الجزيرة ضمن هذا القانون بشكل فعال في وقف ما تراه الولايات المتحدة أنشطة مشبوهة تقوم بها الدوحة في الداخل الأمريكي، لكن رغم ذلك وإن لم يتم المضي قدمًا في إجراءات مماثلة تجاه كل المحاولات القطرية لإيجاد أذرع إعلامية رديفة لها كما سبق شرحه فإن تأثيرها في الداخل الأمريكي سيبقى موجودًا، سواء عبر موقعها الإلكتروني باللغة الإنجليزية الذي يزوره ما يقرب من سبعة ملايين زائر من الولايات المتحدة وحدها، أو من خلال منصة (الجزيرة إمباكت) التي تطورها حاليًا بالاشتراك مع مؤسسة بلومبرج، أو حتى من خلال تأثيرها المالي على طائفة كبيرة من المواقع الصحفية والكتاب الصحفيين الأمريكيين.

Scroll Up