لم تَسْلم مملكة البحرين منذ قرون مضت من محاولات إيرانية متكررة للسيطرة على هذا البلد سواء من خلال محاولات للسيطرة شبه المباشرة من قِبل طهران خلال فترة ما بعد القرن السادس عشر حتى القرن الثامن عشر، أو من خلال دعم وتسليح جماعات إرهابية ووكلاء لها في الوقت الحالي يدينون لطهران بالولاء ضد الوطن الأم وهو البحرين كجماعة (سرايا الأشتر) الإرهابية أو غيرها.

  دفع هذا الخطرُ الإيراني قادة البحرين إلى تعزيز مكانة الدولة دُولياً وإقليمياً بالإضافة إلى تقوية الجبهة الداخلية وإيجاد حوار دائم ما بين جميع فئات المجتمع؛ بغية مواجهة ودرء هذا التهديد وتلك المحاولات التي لا تزال إيران تسعى ورائها. وانطلاقاً من هنا، نتطرق فيما يلي إلى أهم أشكال ومحاولات التدخل الإيراني في البحرين وكيف واجهته المنامة. 

محاولات التدخل الإيرانية في البحرين

 لا تُعد محاولات التدخل الإيرانية في البحرين جديدة أو أنها نشأت خلال القرن الماضي فقط، بل تعود هذه المحاولات إلى أبعد من ذلك بكثير، وذلك على النحو التالي:

البحرينيون يرفضون مبكراً المشروع الإيراني

  بدأت الدولة الصفوية التي حكمت إيران خلال الفترة ما بين عاميّ (1501- 1736) التدخل في شؤون البحرين وسيطرت عليه في فترات متقطعة على الرغم من أن الإدارة الحقيقية في ذلك الوقت كانت في يد البحرينيين. ولم تنقطع المحاولات الإيرانية خلال الفترات اللاحقة لذلك. فقد شرعت إيران في المطالبة بضم البحرين دولياً خلال القرن التاسع عشر الميلادي، إلا أن مطالباتها قوبلت برفض بحريني ودولي لكونها غير قانونية وغير شرعية ولا تستند إلى أدلة.  

  وفي عهد الشاه رضا بهلوي (1925-1941)، تبلورت المزاعم الإيرانية من جديد في رفض الأخير لمعاهدة جدة عام 1927 بين السعودية والبحرين التي تنص على عروبة البحرين وباقي دول الخليج العربي. وفي أكتوبر عام 1956، أدعى شاه إيران آنذاك محمد رضا بهلوي (1941-1979) أن البحرين محافظة إيرانية وسافر وزير خارجيته آنذاك “أردشير زاهدي” إلى بريطانيا والولايات المتحدة لمحاولة جلب دعمهما، إلا أن لندن وواشنطن رفضا هذه المساعي بل وحذرا طهران من تأجيج التوتر في الخليج العربي.

 وفي وقت لاحق، عارضت إيران استقلال البحرين عن بريطانيا وطالبت قبل إتمام هذا الاستقلال في 15 أغسطس عام 1971 بضمها إليها، إلا أن الاستفتاء الشهير الذي جرى عام 1970 أسقط هذه المطالب الإيرانية، إذ صوت المواطنون البحرينيون (سنة وشيعة) لصالح إقامة دولة عربية مستقلة ذات سيادة.(1)

الخميني والتهديد الإيراني في ثوبه الجديد  

  لم تنتهِ محاولاتُ إيرانَ الرامية إلى التدخل في الشأن البحريني بعد رحيل الشاه عام 1979 ومجيء الخميني، بل إن هذه المحاولات بدأت تأخذ أشكالاً مختلفة وطرقاً أخرى كان من بينها تحريض داخلي مذهبي ومحاولات لإشعال الفتنة ما بين السنة والشيعة، وتأسيس النظام الجديد في إيران لجماعات وميليشيات إرهابية وفوضوية. فقد تبنى النظام الإيراني الجديد مبدأ “تصدير الثورة” وكانت البحرين أول هدف له، حيث نادى البعضُ في الأيام والأشهر الأولى للثورة الإيرانية بتطبيق هذا النموذج داخل البحرين، وقام عدة آلاف آنذاك بالتظاهر لهذا الهدف.

 ولاحقاً، عملت إيران على تأسيس ودعم هذه الميليشيات والجماعات الإرهابية داخل البحرين بهدف خلق حالة من الفوضى في الداخل تستطيع من خلالها تحقيق أهدافها، إلا أن الحكومة البحرينية استطاعت التصدي لهذه المحاولات. وكانت أبرز هذه الجماعات التي دعمها أو أنشأها النظام الجديد في إيران ما يلي:

“الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين” ودعم إيراني للسيطرة على الحكم بالسلاح

 في العام 1981، تم إحباط محاولة مسلحين السيطرة على الحكم في البحرين بدعمٍ من إيران من خلال ما عُرف بـ “الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين”. تلقت هذه المجموعة الدعم والتمويل من الاستخبارات الإيرانية، وكان مقرها يقع في إيران. فشلت هذه المجموعة في تحقيق مآربها. وبعد فشلها، قامت بالعديد من التفجيرات داخل البحرين في وقت لاحق، وجرى حلها عام 2002.

 وعلى الرغم من أن هذه الجماعة تأسست عام 1976 بزعامة “حجة الإسلام هادي المدرسي”، إلا أن أهدافها تبلورت بصورة أوضح بعد الثورة الإيرانية 1979 وكانت ترمي لتحويل البحرين إلى دولة على الطراز الإيراني فيما بعد 1979، بعدما بدأ الحرس الثوري في إرسال المتفجرات والذخائر إليها لتنفيذ هذه المآرب.

“حزب الله” البحريني وتآمر لقلب نظام الحكم

 أعلنت البحرين عام 1996 الكشف عن تنظيم سري عُرف باسم “حزب الله” البحريني حاول قلب نظام الحكم آنذاك في البحرين بالقوة وإقامة نظام موالٍ لإيران بعد تلقيهم التدريبَ على ذلك في العاصمة طهران. فشل هؤلاء في محاولتهم وجرت محاكمات لهم ونُفِّذ القانونُ بحقهم. وكان ما يُعرف بـ “حزب الله” البحريني قد سعت إيران لتشكيله خلال العقود القليلة الماضية بعد عام 1979 على نفس نمط حزب الله اللبناني أو العراقي.

   وصدر عام 2016 أحكامٌ صارمة ضد مؤسسي ما يُسمى بـ “حزب الله” البحريني الموالي لإيران. وخلال العام الماضي، حكم القضاء البحريني على العشرات من المتهمين بالانضمام لـ”حزب الله” البحريني بعقوبات تتراوح ما بين السجن المؤبد والحبس 3 سنوات بتهم تشكيل خلية إرهابية وتلقي تعليمات من الحرس الثوري الإيراني للإضرار بالمملكة.

حركة “أحرار البحرين” والعمالة لإيران

 تم تأسيس ما تُسمّى بحركة “أحرار البحرين” عام 1994 بقيادة البحريني “سعيد الشهابي” المقيم في لندن. ترتبط الحركة بعلاقات قوية ووثيقة مع النظام الإيراني، كما تجمع الشهابي كذلك. توصف الحركة بأنها واحدة من أقدم الجماعات الشيعية التي لا تزال تقوم بأعمال إرهابية في الداخل البحريني.

 ففي أثناء اضطرابات عام 2011 في البحرين أوعزت الحركة إلى مؤيديها بالتظاهر والاعتصام ضد نظام الحكم القائم، إلا أن الأمن البحريني وقوات درع الجزيرة استطاعا السيطرة على هذه الأحداث. ومن ناحية أخرى، انضمت الحركة إلى جماعة أخرى يُطلق عليها “حركة حق” إلى جانب أخرى  تُسمّى بـ “تيار الوفاء الإسلامي” وشكلوا تحالفاً إرهابياً مدعوماً من إيران وقطر في محاولة لقلب نظام الحكم في المملكة.

جميعة “الوفاق” البحرينية والعلاقات الوثيقة مع إيران

  تشكلت هذه الجماعة في عام 2001 بعد إصدار ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة عفواً عاماً عاد بموجبه قياديون من المنفى في بريطانيا. تحولت “الوفاق” بعد ذلك إلى الجمعية السياسية الأكبر في البحرين من حيث عدد أعضاءها. يترأّس هذه الجماعة في الوقت الحالي رجل الدين الشيعي المعارض “عيسى قاسم” الذي يقيم في الخارج.

  برز حجم العلاقات القوية ما بين إيران وهذه الجماعة خلال فترة الاضطرابات الأمنية التي برزت عام 2011، حيث ساهمت الجمعية في إشعال التوترات والاضطرابات المحلية بدعم من إيران، ما قاد إلى توتر علاقاتها مع الحكومة، حيث اتهمت المنامة “الوفاق” بالسعي لإشعال الأوضاع محلياً بأوامرَ من إيران. وما أكد العلاقات الوثيقة بين إيران و”الوفاق” هي التحقيقات التي أجرتها السلطات البحرينية بعد القبض على عدد من الخلايا والأشخاص التابعين لإيران، إضافة إلى التصريحات المتتالية للمسؤولين الإيرانيين التي تعبر في مضمونها عن حجم العلاقة بين الطرفين.

“سرايا الأشتر”… أحدث المحاولات الإيرانية لتخريب الداخل البحريني وأخطرها

  نشأت منظمة “سرايا الاشتر”، الاشتر نسبة إلى مالك بن الحارث الاشتر (585-658.م) أحد المقربين من الصحابي علي بن ابي طالب، في نهاية عام 2012.م رامية إلى تغيير النظام في البحرين عن طريق العمل المسلح، وتستمد أفكارَها من التيار الشيرازي، وهو أحد التيارات الشيعية في إيران.

وطبقاً للمصادر الأمنية البحرينية، فقد قام كلٌ من “أحمد يوسف سرحان”، واسمه الحركي ابو منتظر، و”جاسم أحمد عبد الله، ذو الفقار، اللذين كانا متواجدين في إيران في ذلك التوقيت بتجنيد عناصر في الداخل البحريني لتشكيل هذه الجماعة الإرهابية. وتلقت عناصر في هذا التنظيم تدريباتٍ في العراق على يد “كتائب حزب الله” العراقي لتصنيع القنابل والمتفجرات واستخدام الأسلحة.

  تقول هذه الجماعة الإرهابية إن هدفها هو إسقاط نظام الحكم في البحرين عن طريق استخدام القوة واستهداف رجال الأمن والجيش ومؤسسات الدولة. وبالفعل قام هذا التنظيم بالعديد من العمليات الإرهابية داخل البحرين كان من بينها ما وقع يوم 28 يونيو 2015 من استهدافه لقوات الأمن البحرينية جنوب العاصمة المنامة باستخدام عبوات شديدة الانفجار.(2)

  أدى ذلك إلى أن تقوم مصر، السعودية، الإمارات، والبحرين بتصنيف سرايا الأشتر على قوائم الإرهاب في يونيو 2017، كما قامت الولايات المتحدة في وقت لاحق بالأمر نفسه، حيث أكدت واشنطن أن الحرس الثوري الإيراني يقوم بتدريب عناصر هذه الجماعة على استخدام السلاح والمتفجرات داخل معسكراتٍ بالعراق. ويُعد هذا التنظيم حالياً من أخطر الجماعات المسلحة المدعومة من إيران وتواجهها البحرين، وتعمل السلطات البحرينية جاهدة على تعقبه ومواجهة خطره.

 تحالفات البحرين لحماية الأمن القومي في مواجهة الخطر الإيراني

  كان من نتائج وتداعيات تهديد إيران لأمن مملكة البحرين أن تتجه المنامة لإقامة تحالفات واسعة النطاق إقليمياً ودولياً مع الدول الكبرى في محاولة لتعزيز مكانتها ومواجهة أخطار أهمها الخطر الإيراني، وكان من بين أهم هذه التحالفات:

البحرين والتحالف القوي مع دول الخليج العربي

 كان من بين أهم أسباب تشكيل مجلس التعاون الخليجي عام 1981 هو الإحساس المشترك لدول الخليج العربي، ومن بينها البحرين، بضرورة إنشاء تكتل اقتصادي، سياسي، وعسكري قوي فيما بينهم، خاصة في ظل وجود مخاطر قادمة من إيران بعد تولي مجيء النظام الجديد عام 1979، وذلك لحماية هذه الدول وتعزيز التعاون بينها.

  ويُعد تأسيس قوات درع الجزيرة في العام التالي 1982 من أبرز النتائج التي توصلت إليها دول الخليج العربي لحماية أمنها المشترك في إطار مجلس التعاون. ولعبت قوات درع الجزية دوراً مهماً للغاية في فترة اندلاع التوترات الأمنية في البحرين خلال عام 2011. فقد استعانت الحكومة البحرينية بقوات درع الجزية لتأمين منشآتها الاستراتيجية في مواجهة عمليات تخريب مدعومة من إيران. وفي النهاية، استطاعت القواتُ حفظ الأمن في مملكة البحرين ومواجهة المحاولات الإيرانية لإشاعة الفوضى. 

البحرين والتحالف القوي مع الولايات المتحدة

 وطّدت البحرين علاقاتها مع العديد من الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. فقد افتتحت السفارةُ الأمريكية في المنامة في عام 1971، والبحرينية في واشنطن عام 1977.(3) وتبادل الطرفان الزيارات منذ ذلك الحين. وإلى جانب ذلك، تستضيف البحرين الأسطول البحري الأمريكي الخامس، ووقعت البلدان في شهر أكتوبر من عام 1991 اتفاقية التعاون الدفاعي، كما تعد البحرين حليفاً رئيسياً خارج “الناتو”، أو ما يُعرف اختصاراً بـ”MNNA”.

  وتمثل البحرين هي الأخرى أهمية كبرى في السياسة الأمريكية؛ نظراً للموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به، وكذلك فإنهما يتشاركان العديد من وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية والدولية من قبيل التصدي للأنشطة الإيرانية ومشروع طهران ومواجهة الإرهاب سواء في المنطقة أو غيرها.  

 وإلى جانب هذه التحالفات المذكورة، تتمتع البحرين بعلاقات ممتازة مع دول إقليمية أخرى كجمهورية مصر العربية والاتحاد الأوروبي الذي يُعد الشريك التجاري الأكبر للبحرين، وروسيا التي تتعاون معها في قضايا كالإرهاب وملفات الشرق الأوسط، وكذلك فرنسا.

خلاصة القول:

  إن البحرين وانطلاقاً من التحديات الإقليمية التي تواجهها وتتمثل أبرزها في الخطر الإيراني، تحاول الانفتاح أكثر على الخارج وتعزيز علاقاتها بشكل أكبر مع دول وتكتلات في الإقليم والعالم من أجل حماية أمنها في مواجهة خطر إيران التي تدعي أن البحرين جزءٌ منها، ودعّمت ولا تزال عمليات تخريبية في البحرين بهدف إيجاد الفوضى وسيطرة الميليشيات الموالية لها على هذا البلد. وتُعد المكانة الإستراتيجية التي تتميز بها البحرين منطلقاً مهماً لتأسيس مثل هذا التعاون مع دول الإقليم والعالم، حيث إنها تقع في أحد من أهم الممرات العالمية وهو الخليج العربي، كما أنها تقترب كثيراً من الناحية الجغرافية من إيران. كل ذلك إلى جانب تمتعها بقدر لا بأس به من النفط والغاز ومعادن مثل الألومنيوم.

المصادر والمراجع:

  1.  حسين راشد الصباغ، “أخبار الخليج تنشر مذكرات سفير البحرين الأسبق لدى طهران:(9)“، أخبار الخليج، 4 يونيو 2016.
https://cutt.us/pukq1
  • 2-      علي عاطف، “سرايا الأشتر: محاولات إيرانية متكررة لنشر الفوضى في البحرين“، المركز العربي للبحوث والدراسات، 21 يوليو 2018.
https://cutt.us/bpB3a
  •  

US Embassy in Bahrain.

https://cutt.us/Odh5B
Scroll Up