ترجمة- آية حجازي

قبل أسبوعين ، هبطت أول رحلة تجارية إسرائيلية في أبو ظبي قادمة من تل أبيب. جنبا إلى جنب مع وفد كبير من المسؤولين ووسائل الإعلام الإسرائيلية ، حملت رسالة أكبر ، مكتوبة بأحرف بارتفاع قدمين وثلاث لغات على جانب طائرة “إل عال” : السلام. شالوم. سلام.

تطبيع العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل هو سابقة دبلوماسية تاريخية ودلالة مفعمة بالأمل عن إمكانية تحقيق التقدم في الشرق الأوسط. تبعه ذلك، إعلان البحرين تطبيع العلاقات مع إسرائيل في الأسبوع الماضي. لتكن بذلك فرصة لمقاربة جديدة لمواجهة تحديات المنطقة، في ظل عصر مليئ بالأخبار السيئة ، وإعلاء قيم التفاؤل على أفكار الصراع والانهزامية.

اتفاق سلام في مواجهة العدو المشترك

يبقى التغلب على هذه القوى المؤججة لأفكار الصراع والانهزامية صعباً. حيث تجتمع دول غير عربية وحشد من الفاعلين غير الحكوميين في محور ملتوي للمقاومة الدائمة تروج لنوع أو آخر من التطرف. ويقود هؤلاء أفكار الحنين إلى الإمبراطوريات المفقودة أو الهوس بخلافة جديدة، ويقتاتون على الصراع والفوضى وعدم الاستقرار. ما يفسر كونهم أشد منتقدي التطبيع ومهاجمتهم أمريكا وإسرائيل والإمارات.

ويعتبر التوقيع على اتفاق السلام هذا الأسبوع هو الرد الفعال على مثل هذه التوجهات. فهو تذكير مستمر بأن الإماراتيين والإسرائيليين، وجميع شعوب الشرق الأوسط ، قد سئموا الصراع. وعليه فإن الأولوية الآن هي الاستمرار في تحديث مجتمعاتنا وتحقيق الاستقرار في المنطقة على نطاق أوسع. وهو ما ستحققه العلاقات الطيبة بين الدول العربية وإسرائيل ، لكن بقى التحدي الأساسي في التوسع بهذا التوجه أسرع وعلى جبهات مختلفة.

الأولويات المشتركة لأطراف “السلام”

الأولوية الأولى، والأكثر إلحاحًا هي تهدئة التوترات وبدء حوار إقليمي حول السلام والأمن ؛ فنحن نطمح لوجود جيرانا “طبيعيين”. وعليه فإن معاهدات عدم الانتشار وعدم التدخل الفعالة والقابلة للتحقق هي الهدف الأساسي. وفي ظل التوقعات المنخفضة والمخاطر المرتفعة، يصبح التقدم – وإن كان متواضعاً – في قضايا مثل المساعدة الإنسانية والاستجابة لفيروس كورونا من شأنه بناء الثقة بين الأطراف المعنية.

بالطبع، يمثل دعم الولايات المتحدة ومشاركتها لمثل هذا الجهد أمر بالغ الأهمية. حيث دعا الرئيس ترامب إلى محادثات جديدة العام المقبل ، وأوضح نائب الرئيس السابق جو بايدن أنه سيواصل مبادرة جديدة أيضًا. وهنا يظهر وجوب مشاركة دول الخليج مباشرة في أي حوار محتمل  لتكن الأجندة شاملة.

الأولوية الثانية، هي توسيع مجتمع التعايش السلمي. حيث أدت المقاومة الدائمة والتطرف الطائفي إلى انتشار جائحة مميتة من الفوضى والفتنة على مدى عقود.

في الإمارات ، نحاول أن نكون قدوة مختلفة. فنحن ملتزمون بمبادئ الإسلام الحقيقية – الوسطية والاندماج والسلام. في هذا الإطار، استضفنا أول زيارة قام بها البابا لشبه الجزيرة العربية العام الماضي. ونقوم حالياً ببناء بيتًا للعائلة الإبراهيمية عبر الأديان في أبوظبي ، مع مسجد وكنيسة وكنيس في نفس المجمع.

الأولوية الثالثة، هي بناء محرك قوي للتبادل الاقتصادي والثقافي يولد الفرص والتفاهم في جميع أنحاء المنطقة. من الخليج إلى البحر الأحمر عبر قناة السويس إلى شرق البحر الأبيض المتوسط ، حيث تعد شبه الجزيرة العربية الممتدة ملتقى طرق العالم. ويجب على دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل استخدام اقتصاداتها المتقدمة وبنيتها التحتية والأسواق الكبيرة وصناديق الاستثمار والمؤسسات التعليمية ورأس المال البشري لضمان استفادة الأردنيين والمصريين والفلسطينيين وغيرهم.

التقدم في ملف إقامة الدولة الفلسطينية يعد هو الآخر مركزي في إرساء عملية السلام في المنطقة. لذلك أوقف الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي ضم غور الأردن. ولكن يجب على القيادة الفلسطينية أن تستغل هذه اللحظة لإعادة تنظيم نهجها والاستعداد لإعادة الانخراط في مناقشات مثمرة. وكما هو الحال دائمًا، سيجدون الدعم الكامل من الإمارات العربية المتحدة ، والتي تملك الآن وزنًا أكبر مباشراً في الحوار مع إسرائيل. إذاً لن تنفصل وتيرة ونطاق التطبيع عن التقدم في ملف الدولة الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين.

أخيرًا ، التطبيع يدل على أهمية وتحول الدور الأمريكي في الشرق الأوسط. فلا يمكن تخيل التطبيع دون تأثير الدبلوماسية الأمريكية والطمأنة بالتزاماتها الأمنية. في الوقت نفسه ، تستفيد الولايات المتحدة من هذا الاتفاق بتخلصها من عبء الاستقرار الإقليمي والاعتماد تباعاً على فريق أقوى من الشركاء الموثوق بهم ومستعدين للتعاون.

في ظل فترة صعبة تمر على منطقة صعبة ، تشكل اتفاقية السلام نقطة انطلاق مشرقة لمستقبل الشرق الأوسط. انطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل من خلالها لإرساء مرحلة جديدة نشطة للتعاون في ملفات عدة منها فيروس كورونا والتكنولوجيا والفضاء والطاقة والاستثمار والأمن الغذائي، وبدأت بشأنها خطوات مثمرة. فها هو الشباب الإماراتي يتعلم العبرية، وتستقبل الجامعات الإماراتية الطلاب الإسرائيليين. كما ستبدأ الرحلات المنتظمة بين البلدين العام المقبل. هذه وآلاف الخطوات الصغيرة والكبيرة الأخرى ستحمل رسالة السلام و”الشالوم” في جميع أنحاء المنطقة.

عرض-آية حجازي

Scroll Up