نشأت في السنوات الأخيرة عشرات الشركات العسكرية الخاصة التي تقوم بالاستثمار العابر للحدود، في المرتزقة والإرهابيين، تحت مسميات مختلفة، وهى بمثابة “جيوش الظل” للدول توظفها في مناطق الصراع المختلفة.

من هذه الشركات، شركة “صدات” العسكرية التركية الخاصة، التي تأسست على يد عسكريين سابقين، كانوا قد طُردوا من الخدمة في الجيش التركي في تسعينيات القرن الماضي بسبب ميولهم المتطرفة وعلاقاتهم مع الجماعات الإرهابية ومنها جماعة الإخوان في تركيا.

بعد سنوات من صعود حزب أردوغان الإخواني إلى الحكم، جمع أولئك العسكريون السابقون أنفسهم، وأسسوا في 2012 شركة مشابهة لشركة “بلاك ووتر” الأمريكية.

قدمت الشركة التركية برئاسة مؤسسها “عدنان تانريفيردي”، خدمات لأردوغان ووقفت ضد محاولة الجيش الإطاحة بحكمه في 2016. لهذا كوفئ “العقيد عدنان تانريفيردي”، وأصبح مستشارا أمنيا لأردوغان.

أما رئيس مجلس إدارة الشركة الحالي، فهو رجل الأعمال “مليح تانريفيردي”. تقول الشركة إن مهامها تنظيم القوات، وتنظيم قوى الأمن الداخلي، على الصعيد الدولي، وتقديم الاستشارات الاستراتيجية في الأمن الداخلي، والدفاع، وتقديم الخدمات في مجال التدريبات والتجهيزات العسكرية.

عدنان تانريفيردي مؤسس “صدات” ومستشار أردوغان

نشاط الشركة في مناطق الانخراط التركي

الميزة من وراء الشركات العسكرية الخاصة التي تنشأ في دول كأمريكا وروسيا وتركيا، تتلخص في أنها تقوم بعمليات قذرة في بلاد أخرى، دون أن تكون محسوبة رسميا على البلد الأم. أي أنه إذا قُتل جندي يعمل لصالح تلك الشركة في العراق، أو سوريا، أو ليبيا، فهو مجرد مرتزق، أو إرهابي، لا يسأل عنه أحد، ولا تتحمل وزارة الدفاع في الدولة الأم، أي تبعات قانونية على الصعيد الداخلي، ولا أي مساءلة دبلوماسية أو دولية، على الصعيد الخارجي.

جثمان القتيل، لن يلف بأي علم يدل على الدولة التي أرسلته (عبر الشركة العسكرية) إلى ميادين الصراع. فالقتيل كان مجرد عنصر في شركة خاصة تعمل بمعزل عن الحكومة، ولديها تعاقدات في الخارج. لقد كانت جثث المرتزقة الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا ملقاة في شوارع طرابلس قرب مكبات القمامة. ولن يتعرض أي مسئول تركي لمساءلة من المعارضة التركية في البرلمان، ولن يتعرض لمساءلة من المجتمع الدولي.        

أقلق نشاط شركة “صدات”، منذ ظهورها، دولا غربية، لكن يبدو أن هناك تنسيقا غير مكتوب، بحيث ينحصر نشاطها في نطاق بعيد عن الأوربيين والأمريكيين. إلا أن الطمع في الحصول على تعاقدات وأموال من مناطق هشة كالعراق وسوريا، وليبيا، يجعل الشركة تصطدم أحيانا بنفوذ، وبمصالح، الأوربيين والأمريكيين والروس أيضا.

تحظى “صدات” باهتمام كبير من أردوغان الذي يبدو أنه يعتمد عليها في تدوير حركة المرتزقة والإرهابيين في المنطقة من العراق وسوريا إلى ليبيا. نتج عن نشاط مثل هذه الشركة ظهور شخصيات إرهابية خطرة. كان هؤلاء يحاربون في العراق وسوريا، ثم انتقلوا إلى معسكرات في جنوب تركيا، إلى أن ظهروا أخيرا في شمال غرب ليبيا.

من بين قادة الإرهاب هؤلاء، عمران الأشعث، الذي يعرف بلقب “الأمير”، وسمير المصري (له اسم آخر داخل تنظيم داعش هو “أبو زينب المصري”وعبد الله القحطاني (وكنيته “أبو مصعب”)، بالإضافة إلى حسن السوداني، وشهاب المشعل، ومروان المسيري، وعبد المهيمن العراقي، وغيرهم.

تحدثت في وقت سابق عبر البريد الإلكتروني مع مسؤول أمني في حلف الناتو، ولأن الموضوع حساس بسبب وجود تركيا في هذا الحلف العسكري، أجاب على أسئلتي بشرط ألا أنشر اسمه. قال في الرسالة إن تركيا أصبح لديها العديد من الشركات الأمنية، وليست “صدات” فقط. وأن هذه الشركات تعمل، مثل “صدات”، في الاستثمار في المرتزقة والإرهابيين في المنطقة وليس في ليبيا فقط.   

وضعتُ أمام السيد “مليح تانريفيردي” مثل هذه الشبهات حول نشاط شركته العسكرية الخاصة، فأجاب، عبر البريد الالكتروني، بطريقة يمكن من خلالها إدراك العلاقة الوثيقة بين الشركة ونظام أردوغان. قال: “تتضمن خدماتنا برامج تخص القوات المسلحة، والشرطة للدول الصديقة والحليفة للجمهورية التركية”.

وعن نشاط شركته في ليبيا قال لنا “مليح”: “ليبيا دولة صديقة وحليفة لجمهورية تركيا. إنه لأمر طبيعي تعزيز الصداقة والتعاون بالاتفاقات الموقعة بين البلدين الحليفين. وكما هو معروف، فقد طلبت الحكومة الليبية مؤخرا (يقصد نظام فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي) مساعدة الحكومة التركية ضد الجماعات المتمردة”. وهو يعني بـ “الجماعات المتمردة” الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

وفي جانب آخر من إجاباته، لم يُخفِ الرجلُ غضبَه من أسئلتي، حيث قال: “أرى أنكم لا تعرفون حكومة الجمهورية التركية، والرئيس رجب طيب أردوغان، إضافةً إلى ذلك أنتم لا تعرفون الجمهورية التركية حق المعرفة”. هكذا..

يمكن القول إن نشأة الشركة العسكرية التركية الخاصة تأثرت بظهور الشركات العسكرية الأمريكية المماثلة، وزاد عليها اعتماد الشركة التركية على ألوف من الشبان من دول عربية وإسلامية، من المغرر بهم.   

إذا كانت معك أموال كثيرة، مثل بعض حكام ليبيا، فأنت تستطيع أن تبقى في السلطة لمدة طويلة، بفضل الاعتماد على شركات أمنية وعسكرية وشركات علاقات عامة، وياحبذا لو كان لتلك الشركات سند من أجهزة مخابرات دولية تسعى لتنفيذ ما تريده هي أيضا، لكن في صمت.      

إن قيمة الأموال ضخمة للغاية. مئات الملايين من الدولارات. ينبغي عليك أن تسدد الفواتير من أجل إنقاذك من البئر العميقة المظلمة التي سَقطتَ فيها، فأنت هنا لا تريد أن تلجأ إلى دولة صديقة مسؤولة عن تصرفاتها أمام العالم، ولكنك تلجأ إلى شركة من الشركات العسكرية والأمنية الخاصة. أو على الأقل، شركة علاقات عامة لديها القدرة على تجييش الإعلام ومواقع التواصل ضد خصومك. باختصار أنت تبحث عن شريحة المرتزقة والإرهابيين؛ شريحة مُنظَّمَة، ولها تأثيرٌ عابرٌ للحدود!

هل تريد أن تنتقي العناصر التي سوف تعمل من أجلك، التي سترسل لك حبل الإنقاذ لانتشالك؟ لا. هذا غير متاح لك على الإطلاق. لدينا مأجورون يتكسبون من القتل، ومن الكذب، ومن تحريف معتقدات الآخرين. لدينا كل أنواع المجرمين المدربين، من إرهابيي الصومال ومصر، إلى إرهابيي العراق والشام، وكذلك من المطرودين من جيوش بلادهم، من أي مكان في العالم. فلا تسأل، ادفع فقط، لكي نعمل لك ما تريد. إنه استثمار. الكلٌ يستفيد.     

ليبيا ونشاط شركة “جونز” الأمريكية

زيارة سابقة لوفد شركة جونز الأمريكية لليبيا أغسطس 2020

ظهرتْ مثل هذه الشركات الخطرة، أول الأمر، في الولايات المتحدة الأمريكية، منذ نحو ربع قرن من الزمان. وهي ما زالت تعمل إلى اليوم بطرق مختلفة حتى لا تقع تحت طائلة القانون المحلي، منها شركة “بلاك ووتر” التي غيرتْ اسمها الآن إلى “الأكاديمية”. وتبعها في العمل شركات مماثلة في تركيا، على رأسها شركة “صدات”، منذ نحو ثماني سنوات. وأخرى في روسيا، هي مجموعة “فاجنر” التي ظهرت على السطح في مناطق للصراعات في آسيا منذ حوالي ست سنوات.

الطريف أن عناصر التشابه، بين شركات الاستثمار في المرتزقة والإرهابيين، كثيرة، منها نوع الخريطة التي يضعها رئيس مجلس إدارة الشركة خلف مقعده؛ خريطة العالم مزودة ببقع حمراء في عدة دول هي نطاق عمل الشركة العسكرية أو الأمنية. هكذا، بصفاقة، ودون مواربة. بقعة حمراء على العراق.. على سوريا.. على ليبيا.. وهكذا. 

أنظر مثلا إلى مناطق عمل شركة “صدات” العسكرية. والق نظرة أيضا على مواقع عمل شركة “جونز” الأمريكية (رغم أنها تقدم نفسها كشركة استشارات وعلاقات عامة). هذا شكل جديد للتدخل في شئون الدول الأخرى، بأجر مالي لا تقدر عليه إلا أنظمة الحكم التي لديها جبال من الأموال التي لا تنضب.

يمكنك أن ترى مثل هذه الخرائط على مواقع تلك الشركات على الانترنت، وأن ترى، في الواقع، عمليات نقل المرتزقة والإرهابيين لإثارة الفوضى والخراب في منطقة ما. أي يمكنك أن تراقب في صمت، لأنه ليس لديك ما تفعله في الحقيقة. فأنت أصبحت مجرد مشاهد في عالم مُعقَّد يتهرب من المسؤولية. بطبيعة الحال لا أقصدك أنت كشخص، لكن حديثي موجه إلى حكومات كانت في الماضي قادرة وقوية، كحكومات عدة في أوربا وغيرها، وأصبحت اليوم مغلوبة على أمرها، بسبب نفوذ اللوبي الذي يعمل لمن يدفع أكثر، أنظر مثلا إلى عملية “إيريني العسكرية” الأوربية في البحر المتوسط المنوط بها منع وصول الأسلحة من تركيا إلى الميليشيات في ليبيا. إنها مثال حي على “الاكتفاء بالإحصاء”، دون قدرة على الفعل؛ على المنع. تراقب السفن وتراقب الطائرات، التي تنقل الأسلحة والمرتزقة والإرهابيين، وتصدر بيانات كل بضعة أيام بإحصاء ما تم نقله، وكفى، وكل هذا جراء تدخل شركات ضغط دولية تقدم خدمات لأطراف دفعت لها أموالا كثيرة لتغيير مواقف دول.

الأموال التي تُدفع لشركات عسكرية وأمنية خاصة، أفسدت سياسات دول، لأن تلك الشركات تعمل عبر الحدود، وتستثمر في بشر يَقتلون ويُقتلون، ولا يسأل عنهم أحد. لا علاقة لتلك الشركات بأمن أي دولة أخرى غير الدولة الأم. المهم أن تدخل ملايين الدولارات إلى جيوب أصحابها.

شركة “جونز الأمريكية” تقود منذ العام الماضي حملة لتجميل صور السراج وأردوغان، وحاكم قطر “تمتم بن حمد”. إنها تعمل في خدمة لوبي خطير على الأمن في العالم، مقابل أموال ضخمة. تُجمِّلُ صور مثل هؤلاء في وسائل الإعلام وفي دوائر صنع القرار الغربية، وتقوم بتنظيم اتصالات العلاقات العامة مع كبار المسؤولين. وفوق كل هذا تستعد لتوفير رجال أمن مدربين للتحكم في مناطق الإنتاج والتصدير الخاصة بالنفط والغاز في ليبيا. 

مثلا، حين تجد أخبارا من نوع “رئيس حلف الناتو يبحث مع السراج الأمن في ليبيا”، تذكر مثل تلك الشركات على الفور، وبثقة أيضا. وحين تجد تقريرا مطولا في صحيفة غربية عن “أهمية تركيا لحلف الناتو”، تذكر تلك الشركات. فلنتحدث أكثر عن ليبيا، شركة الأمن والعلاقات العامة الأمريكية المشار إليها، تمكنت من إشاعة أن الروس يسيطرون على آبار النفط في ليبيا وأن قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، يستعين بمرتزقة روس وأفارقة، وأنه ارتكب جرائم حرب. هذا اقتتال من نوع جديد. اقتتال على الاستثمار وعلى جني الأموال، شركة عسكرية وأمنية خاصة (أمريكية الجنسية، تتقاضى أموالا من أطراف في غرب ليبيا)، تهاجم شركة عسكرية وأمنية خاصة (روسية الجنسية، وتتقاضي أتعابها من أطراف في شرق ليبيا).   

جرى تصديق مزاعم الشركة الأمريكية على نطاق واسع في العالم، فقد كانت قيمة العقد معها بمبلغ ضخم. وحرصت كذلك على تجميل سياسات تركيا في ليبيا، وتغاضت عن تدخلها العسكري المباشر، وصمتت عن إرسالها المرتزقة والإرهابيين إلى هذا البلد النفطي المهم الواقع على البحر المتوسط.

حتى أنها لم تتطرق لنشاط شركة “صدات” المنافسة لها في سوريا والعراق وليبيا وغيرها. ففي هذا الجانب يبدو أن الكعكة كانت مُقَسَّمَة بما يرضي الجانبين الأمريكي والتركي.   

الشركة الأمريكية تمكنت أيضا من إقناع بعض صناع القرار في أمريكا بأن ما يجري في شمال غرب ليبيا هو الصواب. وأن وجود دولة عضو في حلف الناتو في ليبيا (وهي تركيا) أفضل من وجود روسيا، أو غيرها من دول أخرى (حتى لو كانت جارة لليبيا). 

الشركة الأمريكية كذلك رتبت، في وقت سياسي حرج، قيام قادة دوليين مهمين، بالتواصل مع كل من أردوغان والسراج وتميم. وأشاعت أن خيار واشنطن الأول هو إعادة فتح حقول النفط، بينما هذا يعد خيارا أساسيا للوبي التركي الإخواني القطري مع المجلس الرئاسي الليبي.

كما إن الشركة المشار إليها مستفيد أصيل من أي إجراء لفتح حقول النفط بالطريقة التي تروج لها قيادات النفط الإخوانية في ليبيا، لأن أحد مهام هذه الشركة حراسة حقول النفط وتأمينها بأموال ضخمة. ويمكن اقتسام الكعكة الجديدة، والكبيرة، مرة أخرى مع الأتراك؛ فالشركة الأمريكية كانت قد تعاقدت العام الماضي مع المجلس الرئاسي، بإيعاز من تركيا، لهذه الأغراض جميعا، بما قيمته ملايين الدولارات.

“مجموعة جونز الدولة”. مسؤولها الحالي هو الجنرال “مايكل باربيرو”، الذي كان قائدا للقوة الأمريكية المختصة بتدريب قوات الأمن العراقية في 2009. أما مؤسسها فهو الجنرال “جيمس جونز”، ومعروف أن له معرفة قديمة بالتنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية، بحكم عمله السابق.

فالجنرال جونز كان يشغل موقع مستشار الأمن القومي الأمريكي للرئيس باراك أوباما، نصير الإخوان. الجنرال جونز أيضا كان عضوا في مجلس إدارة حلف الناتو أثناء ضرب ليبيا في 2011، وهو، مثل أوباما ووزير الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، من مؤيدي ما يعرف بثورات الربيع العربي.

ولكي نفهم العلاقة الوثيقة بين مثل هذه الشركات والدول التي تنشأ فيها نستعين بما تقوله “مجموعة جونز” على نفسها: “تفهم شركة جونز العلاقة بين الأمن القومي والهيكل المؤسسي لأمتنا (الأمة الأمريكية طبعا)”. تمنحنا معرفتنا المباشرة وفهمنا لهذه العلاقة ميزة استراتيجية في تقديم خدمات استشارية وتحليل مدروس لعملائنا. تقدر شركة جونز أن أمننا القومي مرتبط ليس فقط بحماية الوطن ومكافحة الإرهاب ولكن أيضاً بأمن الطاقة والاقتصاد الوطني القوي”.

جذور شركات تصدير الموت

لقد بدأت فكرة الشركات الأمنية الخاصة، في حضرة حكام أمريكيين متعصبين دينيا، وجدوا أنه أمرٌ حسن أن تعثر على مَن يُقاتل نيابة عنك، وهو، في الوقت نفسه، يؤمن بأفكارك، ويتعهد بالحفاظ على أمنك القومي. هكذا نشأت “بلاك ووتر” على يد قائد الفرقة القتالية الجوية والبرية السابق بالبحرية الأمريكية، “إريك برنس”.

لهذا تم تخصيص نحو 24 كيلومترا مربعا في ولاية كارولاينا الشمالية لتدريب عناصر الشركة على الرماية بكل أنواع الأسلحة من المسدسات الكاتمة للصوت، إلى القذائف الصاروخية. 

دَرسَ برنس مرحلته الثانوية في المدرسة المسيحية الهولندية. وفي واقعة العراق كان رئيس الشركة العسكرية الضالعة في نشر المرتزقة، برنس، من أصدقاء الحكام الأمريكيين ذوي الخوذات الحربية. كانت ثقافته الدينية المتشددة حاضرة في المناقشات، وتثير إعجاب القادة المتعطشين للحرب في الشرق الأوسط.

لم يتنبه الرأي العام العربي في ذلك الوقت لظاهرة الشركات العسكرية الخاصة التي جاءت من آخر الدنيا لتحارب هنا، لأن قنوات التليفزيون، وعلى رأسها قناة الجزيرة القطرية، وبعض وكالات الأنباء الأجنبية، كان تصف من يتعرض للقتل، في العراق، من عناصر تلك الشركات، بـ “المقاول”.

ارجع بالذاكرة للوراء. ستجد أن هناك سؤالا ما زال معلقا في ذهنك منذ 2003. وهو: ما معنى مقتل “مقاول” أمريكي في بغداد أو في البصرة؟ ماذا يفعل مقاول في خضم حرب مستعرة. هل يقوم مثلا ببناء مدرسة، أو مستشفى؟ كان يمكن أن تتعاطف مع هكذا اسم!

“المقاول” التابع للشركة الأمنية أو العسكرية الخاصة، هو في الحقيقة شخص متدرب على القتال، والتفخيخ، والتفجير، وإثارة الفوضى في الوقت المطلوب. كان يمكن ترجمة صفته من “مقاول” إلى “مُتعاقد”. لكن كلمة “مُتعاقد” كانت مثيرة للريبة والشكوك أيضا. “مُتعاقد مع مَن ولماذا”؟ لهذا يمكن القول إن الذهن العربي تعرض لخدعة حين تم تقديم المرتزقة للرأي العام تحت اسم “مقاولين” أو “مُتعاقدين”!

يمكن، في حال جرى التحقيق في هكذا ملابسات، مساءلة من كانوا يديرون قناة الجزيرة في ذلك الوقت. لماذا اخترتم وصف “مقاول” لمرتزقة الشركات العسكرية الخاصة؟ لماذا لم تسموا الأسماء كما هي؟ لماذا اخترتم لي الحقيقة؟!

ينبغي، لمعرفة حجم المأساة، الرجوع إلى كتاب الصحفي الأمريكي “جيرمي سكيل” عن “كبرى شركات تصدير الموت”. لم يصف الصحفي سكيل عناصر هذه الشركات بأنهم “مقاولون” أو “مُتعاقدون”، كما فعل إعلام قناة الجزيرة، بل وصفهم صراحة، على صدر كتابه، بـ “المرتزقة”.    

نجحت تجربة استعانة الولايات المتحدة (كلٌّ من المخابرات، ووزارة الدفاع الأمريكية)، لأسباب مختلفة، في أول استغلال ممنهج لشركة عسكرية خاصة منذ بداية الألفية الجديدة. على هذا دخل أصحاب صناعات عسكرية من دول أخرى على الخط. يقول صاحب مصنع الذخيرة في ألمانيا مثلا: خذ، يا أيها المرتزق، هذا الصندوق من الطلقات، وجرب مفعولها التدميري على أي تجمع بشري تريده حيث تعمل في بغداد، وصور لنا النتيجة.

من الصعب أن تطلب هذا من جندي نظامي تابع لوزارة دفاع لدولة ما، حتى لو كانت الولايات المتحدة. لكن هذا حدث في العراق. لقد جمع مرتزقة شركات خاصة الكثير من الأموال سواء في صورة أجور من مشغليهم، أو مقابل العمليات القذرة التي يقومون بها في الخفاء، مثل تجريب أنواع جديدة من الذخيرة أو من القذائف الصاروخية على متظاهرين أو حتى على عابري سبيل، كما يذكر الصحفي سكيل في كتابه.     

في نهاية المطاف اضطرت الشركة للتلاعب من أجل التهرب من الرقابة القضائية داخل الولايات المتحدة. وغيرت اسمها أكثر من مرة. إلا أن السماح بها منذ البداية (منذ أواخر التسعينيات، حيث أن أول تجربة كبيرة لها كانت في حرب العراق) جعل الكثير من الدول تفكر في تكرار التجربة بطريقة أو بأخرى.   

حتى الشركات الخاصة التي أنشأها مسؤولون متقاعدون من قطاع الجيش والأمن، سواء في أمريكا، أو في تركيا، أو في روسيا، تعلمت من أخطاء الماضي، وتجنبت التباهي علانية بما تقوم به من أعمال دموية كما كانت تفعل “بلاك ووتر”.

يذكر أحد مصادر المجلس الرئاسي الليبي أن مذكرة التفاهم على التعاون العسكري بين نظام أردوغان، والسراج، ذكر فيها “إرسال تركيا لقوات إلى ليبيا”. ما يعني أن المقصود هو أي قوات سواء مرتزقة أو إرهابيين، وليس شرطا أن تكون قوات نظامية تابعة لوزارة الدفاع التركية.

لقد وضعت تركيا بعض العسكريين وبضعة قواعد عسكرية في ليبيا، لكن الحطب أرسلته لتشعل به الحرب، كان حطبا يتكون من مرتزقة وإرهابيين لن يسأل عنهم أحد إذا قُتلوا على الأرض الليبية. إنه جريمة من جرائم الشركات العسكرية الخاصة.    

في الختام،

 نحن في عالم متغير يحتاج إلى طرق جديدة في العمل داخليا وخارجيا. مثلا، ينبغي على المجتمع الدولي أن يجرِّم الشركات ذات الطابع العسكري التي تعمل خارج حدود الدولة التي تنشأ فيها. فلا توقِّع هذه الشركات أي اتفاقيات مع أطراف خارجية سواء جماعات أول دول. ينبغي وقف الاستثمار في المرتزقة والإرهابيين.    

Scroll Up