تُعد عملية صنع القرار الروسي، مسألة متشابكة وشديدة التعقيد. إذ أنه من الصعب الجزم بوضوح حول حقيقة التفاعلات ومساحة التأثير والتأثر التي تفصل ما بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من جهة، وأطراف داخلية على غرار طبقة رجال الأعمال، وطبقة كبار مسؤولو الدولة، وطبيعة الدور الذي تلعبه كلاً من مراكز الفكر ووسائل الإعلام في المشهد السياسي الروسي من جهة أخرى. كما أنه لا يُمكن في الوقت نفسه، الإغفال عن الاتهامات الغربية التي لطالما لحقت بالطريقة التي يدير بها بوتين البلاد، والتي كانت جميعها تتمحور حول قيامه بإدارة البلاد بصورة فردية تنطوي على الكثير من الديكتاتورية والاستحواذ بالقرار.
وقبل الاسترسال حول شرح ما تيسر من أجوبة عن تساؤلات على غرار، كيف يُدير بوتين البلاد؟ أو بمعنى آخر، كيف يتم صناعة وصياغة القرار الروسي؟ من المثير التطرق إلى عددً من الثوابت الداعمة لنظام الحكم في روسيا. أولها أن النظام الروسي يعد نظام شديد المركزية، يندرج من تحته عددً من الكيانات الرسمية التابعة للدولة والمعاونة لها في مسائل رئيسية من الحكم، على غرار مجلسي الدوما والدولة والمحكمة العليا.
أما بالنسبة للحياة الحزبية في روسيا، ودورها في صناعة القرار. فمن الممكن القول إن روسيا تحتوي على عدد من الأحزاب، يُعد أبرزها وأكثرها فاعلية ونشاطًا هو حزب روسيا الموحدة، وهو ذات الحزب الذي ينتمي اليه الرئيس. وما عدا ذلك قد لا يعول عليه بنسبة كبيرة، نظرًا لأن الدولة تفرض العديد من القيود على الحياة الحزبية. بالشكل الذي يحول دون قدرتها على الترشح للبرلمان أو تكوين ائتلافات موحدة. وفيما يتعلق بالتفاعل الروسي في إطار النظام الدولي، فهي دولة تحترم معايير النظام العالمي وتحقق قدر جيد من الاندماج في محيطها الإقليمي، وتتفاعل بنشاط مع أطراف عدة من محيطها الدولي. إلا أن هذا الاحترام والاندماج لا يمنع قدرتها على عدم الامتثال لطلبات ومعايير هذا النظام الدولي السائد، حال تعارض مطالبه مع رغبات ومصالح الكرملين السياسية.


الأطراف المؤثرة على صناعة القرار الروسي


هناك عددً من الدوائر المقربة إلى بوتين والتي يجب التمييز فيما بينها. الدائرة الأولى، تشتمل على كبار موظفو ومسؤلوا الكرملين، أي هؤلاء من تقتضي مهام عملهم أن قد تجمعهم لقاءات على أساس يومي مع الرئيس. تشتمل هذه الدائرة على أسماء مثل، “آنتون فاينو” الرئيس التنفيذي لمكتب بوتين. و”نيكولاي باتروشيف”، سكرتير مجلس الأمن لدى روسيا الاتحادية. “ميخائيل ميشوستين” رئيس الوزراء. و”ديميتري بيسكوف”، المتحدث الإعلامي للرئيس. و”سيرجي لافروف” وزير الخارجية.
فيما يلي ذلك، يعتمد بوتين بنسبة كبيرة على كل من يندرج تحت قائمة “الأصدقاء ورفاق السلاح”، وينظر إليهم على اعتبار أنهم يمثلون “البنك”، الذي يتم استخراج الموارد البشرية اللازمة للنظام منه. كما أنهم يقدمون دعم كبير لشخص الرئيس نفسه. وهؤلاء يمكن اليوم أن يتم تمييز مجموعتان من النخبة تندرج عن نفس الفئة. المجموعة الأولى، يُطلق عليهم مصطلح “الأوليجارشية الروسية”، أي مجموعة من النخبة المعدودة على الأصابع والتي تتركز في يديها المال والنفوذ، وهؤلاء هُم رجال الأعمال الأكثر ثراءً في البلاد برمتها.
ولقد تنامى دور هذه الطبقة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، وانسحاب القطاع العام من مجالات واسعة، وسقوط القواعد التي تحد من تأثير المال على مجريات الحياة السياسية. وتُعد الانتخابات الرئاسية الروسية عام 1996، لحظة فاصلة في مسار حياة هذه النخبة. ولا أحد ينسى الوثيقة التي كان السياسي الروسي سيرجي كورجينيان، قد دعا عدد يتألف من ثلاثة عشر من الشخصيات الأكثر نفوذا وثراءً الى توقيعها قبيل الانتخابات الرئاسية بوقتها. وكانت هذه الوثيقة تشتمل على خطوات لإخراج البلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية الحادة، وقد أطُلق على هذه الوثيقة مُسمى “الخروج من الطريق المسدود”. كما أنها تُعد نقطة انطلاق حقيقية لنفوذ هذه الطبقة الذي تنامى بشدة فيما بعد. وفي الوقت الراهن، تشتمل قائمة هذه الطبقة على أسماء من كبار رجال الأعمال واللذين في الوقت نفسه تجمعهم علاقات مقربة من الرئيس بوتين. ويلعب كلاً منهم دورًا آخذا في الازدياد بخصوص مسألة تطوير سياسات الدولة. وهؤلاء مثل، “إيجور سيتشين” الرئيس التنفيذي لشركة روسنفت. “سيرجي تشيميزوف “، الرئيس التنفيذي لمجموعة روستيك الصناعية الروسية. ومثل هؤلاء يتركز تأثيرهم على عملية صنع القرار الروسي، من خلال استخدام نفوذهم التجاري كلاً في مجاله المتخصص.
أما عن المجموعة الثانية، وتلك تحتوي على كبار المسؤولون الحكوميون، واللذين بنوا لنفسهم حياة سياسية طويلة وحافلة في نظام الدولة. وهؤلاء بقوا على مقربة من شخص الرئيس لأغلب الوقت، وتشتمل تلك القائمة على أسماء مثل ديميتري ميدفيدف- الرئيس الحالي لحزب روسيا الموحدة، وديميتري كوزاك –نائب رئيس الإدارة الرئاسية للكرملين.
كما أن هناك طبقة أخرى من طبقات النخبة، لم يتسنى لها بدء المشوار السياسي مع بوتين منذ أول لحظة تقلده منصب الرئيس. لكنها نجحت في أن تنضم للنخبة، وأن تتقلد مناصب رفيعة المستوى. نظرا لمهاراتها الشخصية وقدرتها على دعم بوتين وتنفيذ سياسات الدولة بمهارة، من دون ارتكاب أخطاء فادحة. مما سهل عليهم كسب ثقة الرئيس، بالشكل الذي دفع بوتين لاعتبارهم جزء لا يتجزأ من حكمه ومثبتات رئيسية لدعائم نظامه. ومن أبرز أفراد هذه النخبة اللامعة، يظهر اسم “سيرجي لافروف” المسؤول عن ملف السياسة الخارجية. و”ٍسيرجي شويجو” في وزارة الدفاع. “سيرجي كيريونكو” النائب الأول لرئيس الإدارة الرئاسية والمتحكم في السياسة الداخلية. “وآنتون سيليانوف”، المسؤول عن الاستقرار المالي الروسي.
وفي المرتبة الأخيرة، توجد طبقة قد نطلق عليها مُسمى “المُنفذون”. وهذه الطبقة تحتل المكانة الأبعد على سلم النخب المؤثرة على صناعة القرار الروسي. وهي طبقة لا تمثل قيمة كبيرة –على المستوى الشخصي- بالنسبة لبوتين. وتشتمل هذه الطبقة على عدد كبير من نواب رئيس الوزراء، والوزراء على رأس الوزرات الغير سيادية، الغالبية العظمى من المحافظون ماعدا شخصيات مثل عمدة موسكو سيرجي سوبانين، ورئيس جمهورية الشيشان رمضان قاديروف، وعمدة مدينة سانت بطرسبرج ألكسندر بيجلوف.


مراكز الفكر ودورها في السياسة الروسية


تحتوي روسيا على أنواع محددة من المراكز الفكرية، التي تتصدر المشهد السياسي تحت رعاية من الدولة. ويُشار الى أن لفظة “رعاية الدولة”، المقصود بها هنا ليس أن تُقدم الدولة التمويل اللازم لهذه المراكز. وإنما يقصد بها أن رعاية الدولة للروسية لمراكز الفكر عادة ما يكون مقرونًا بالقيود التي تفرضها على الكيانات الفكرية الأخرى الغير خاضعة لرقابتها المباشرة. وهذه المراكز تتوزع على النحو التالي، “مراكز الفكر الأكاديمية والجامعية- مراكز الفكر الخاصة- مراكز الفكر الممولة من الدولة”. ويُعد النوع الأخير هو الأكثر أهمية والأبرز في روسيا.
ولقد تلقت المراكز البحثية –المنظمات الغير ربحية- أقوى ضربة من الحكومة الروسية بتاريخ يوليو 2012. عندما قررت الدولة تعديل مواد القانون بما يتفق مع اعتبار أي شخص يتعامل مع القضايا السياسية بصفة عمله، ويتقاضى أجرًا من جهات أجنبية نظير هذا العمل على اعتبار أنه عميل. فيما تمثلت الضربة التالية، في القانون الصادر بتاريخ مايو 2015، والذي بموجبه يتم انهاء عمل المنظمات الغير مرغوب فيها على غرار صندوق مارشال الألماني، ومؤسسة ماك آرثر.
ولقد تبقى في روسيا خلال حقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي عدد قليل من المراكز البحثية المؤثرة. وتخضع هذه المؤسسات لرقابة وسيطرة تامة من قبل الدولة. خاصة عندما يقع المركز داخل نطاق جامعة حكومية، على غرار معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، الذي يتبع وزارة الخارجية الروسية بشكل مباشر. بالإضافة الى الأكاديمية الدبلوماسية، المسؤولة عن تأهيل معظم الدبلوماسيين الروس، والتي تعني أيضًا بتنفيذ أجندة أبحاث سياسية سنوية تابعة لوزارة الخارجية الروسية. وهناك أيضًا أربعة مراكز رئيسية تنعم برعاية الدولة، وتقوم في نفس الوقت بخدمة مصالحها، “نادي فالداي، مجلس الشؤون الدولية الروسية، المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية، مجلس السياسة الخارجية والدفاعية”.
وتنظر الدولة الروسية الى اجمالي ما سبق ذكرهم من مراكز أبحاث وفكر، على اعتبار أنها أداة ضرورية جدا لأجل تعزيز القوى الناعمة للبلاد على مستوى العالم. ودعم مسارات السياسة الخارجية الروسية والترويج لها ولأهدافها. وتُعد هذه الأدوار أكثر أهمية من دورها الاستشاري بالنسبة لصانع القرار الروسي.


دور الإعلام الروسي في عملية صنع القرار.. ما بين المؤثِر والأداة

سعى بوتين منذ بدايات توليه السلطة عام 2000، إلى السيطرة على وسائل الإعلام. وهو الأمر الذي نجح في إتمامه بشكل كبير خلال الفترات الأولى القصيرة للغاية من حكمه. وكان نجاحه في هذه المهمة يوفر له عددًا من النتائج التي لا غنى عنها. ومن ضمنها أشياء على غرار القدرة على التخلص من كبار معارضيه وإبعادهم عن المشهد وتجريدهم من مراكز قوتهم، ودعم شعبية الرئيس داخليًا وخارجيًا، وتعظيم صورة الدولة الروسية باعتبارها قوى عظمى تخضع لحكم قائد شجاع وقوي.
كما تستخدم الدولة الروسية وسائل الإعلام كأداة تلعب دورًا رئيسيًا في الترويج للسياسة الخارجية. ولقد تجلى دور الإعلام الروسي خلال لحظات شديدة الحساسية عبر التاريخ الروسي المعاصر، كان أبرزها الخلافات مع أوكرانيا. بحيث تقود روسيا من خلال وسائل اعلامها، حملات تأثير واسعة النطاق على الصعيدين المحلي والدولي.
ويلعب بوتين في المقام الأول، دورًا مركزيًا في عملية صناعة القرار الإعلامي وصياغة الرسائل التي تيم تمريرها عبره. وفي المقام الثاني، يأتي دور أفراد محددون من ضمن دائرته المقربة على غرار ديميتري بيسكوف. وهؤلاء هُم المعنيون بالعمل على السيطرة على ملف الإعلام. ويتمثل دورهم في تنفيذ الاستراتيجيات الإعلامية الهامة، والعمل على إعداد الوثائق السياسية التي يتم بموجبها توجيه وسائل الإعلام، بالإضافة الى التدخل عند الضرورة.
أما عن تداخلات عوالم السُلطة والسياسة بعوالم المال والإعلام، فهذا أمر يندرج أيضًا تحت تصنيف “العلاقات المتشابكة”، التي يجب لأجل الوقوف عليها ومحاولة تفسيرها. التوجه أولاً نحو البحث في أصول ملكية كل وسائل الإعلام الروسية، أو تحديدًا وسائل الإعلام الخاصة. وبينما نرى كيف تسيطر الدولة الروسية بشكل مباشر على وسائل الإعلام الحكومية، نلاحظ أيضًا كيف تمارس تأثيرًا كبيرًا على وسائل الإعلام الخاصة. وهذا التأثير يحدث من خلال القنوات الرسمية والغير رسمية على حد سواء. وعند هذه النقطة، هناك اسئلة تطرح نفسه. ما هي طبيعة التشابكات بين السلطة ووسائل الإعلام الخاصة؟! ومن هم الممولون الرئيسيون لهذه الوسائل؟!
إذا الحديث عن طبيعة التشابكات بين الطرفين، لن يذهب أبدًا في منأى عما يجمع بين بوتين وطبقة الأوليجارشية الروسية السالف الحديث عنها من تداخلات غامضة. يصعب الجزم بوضوح حول طبيعة الطرف المؤثر على الآخر، كما يصعب تبين إلى أي مدى يمتد تأثير هذا الطرف أو ذاك على الآخر. إذ أن روسيا تسعى دائما الى السيطرة على وسائل الإعلام الخاصة، التي تتمتع بشعبية كبيرة. ولكن في نفس الوقت تظل الدولة في غنى عن السيطرة المباشرة والمُعلنة على هذه الوسائل، لهذا السبب يكون من الأٍسهل السيطرة من خلال النخبة من رجال الأعمال “المُلاك”.
على سبيل المثال، يمكن النظر الى ملكية شركة “جازبروم ميديا”، والتي تعد واحدة من عمالقة صناعة الإعلام في روسيا. في البداية كانت هذه الشركة مملوكة لشركة التنقيب عن الغاز الروسية الشهيرة والتي تحمل نفس الاسم. لكنها الآن باتت تخضع لسيطرة شركة “جازبرومبانك”، وأكبر المساهمين في هذه الشركة هُم شركتي “جازبروم للغاز” وصندوق “جازبروم للمعاشات التقاعدية” المرادف لكلمة “غازفوند”. وتشير العديد من التقارير الى أن يوري كوفالتشوك –واحد من أكثر أعضاء طبقة الأوليجارشية الروسية ثراءً- هو من يسيطر على صندوق غازفوند. وبهذه الطريقة يُمكن أن نفهم كيف تحصل وسائل الإعلام الروسية الخاصة على تمويلها. وبوجه عام، يوجد خمسة من كبار الأوليجارشيين يتحكمون في الكيانات الرئيسية التي بدورها تتحكم في وسائل الإعلام الروسية. هؤلاء هُم فلاديمير بوتانين، وأليشر عثمانوف وكلاهما يملكان استثمارات كبيرة في مجالات المعادن. هناك أيضًا، ألكسندر ماموت “مصرفي ومستثمر”. ويوري كوفالتشوك، يعمل بشكل رئيسي في قطاعي البنوك والتأمين. والأخير، رومان أبراموفيتش، الذي تتركز استثماراته في مجال المعادن والنفط. وجميع الأسماء السالف ذكرها ترتبط مع شخص الرئيس بعلاقات مقربة. كما أن معظمهم يواصلون التظاهر بعدم اهتمامهم بعالم السياسة بغرض الحفاظ على مصالحهم التجارية، والتي تُدر دخلاً كبيرًا على روسيا.
من المُلفت للانتباه، أن كوفالتشوك على سبيل المثال، يمتلك شركتي إعلاميتين كبار ينبثق عن واحدة منهم أكثر من 200 شركة تعمل في مجالات الطباعة والبث التليفزيوني والإذاعي والتصوير السينمائي وغيره. كما أن شركاته تمتلك أصول عبر عددً من القنوات الإعلامية الأكثر رواجًا في روسيا مثل، القناة الخامسة وقناة “رين تي في”، والقناة الأولى.
كما يمتلك أليشر عثمانوف، امبراطورية إعلامية تابعة لمجموعة تُدعى “ميل.آر.يو”. وينبثق عن شركاته شبكتين من أهم وأكبر شبكات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت “أدناكلاسينيكي، وفكانتاكتي”، بالإضافة الى عدد من الوسائط الإعلامية الأخرى والمواقع الإخبارية الأخرى.

ختامًا،


يمكن استنباط طريقة التداول بين السلطة وطبقة الأوليجارشية الروسية أثناء عملية صنع القرار، في ضوء مراجعة الأرباح التي تُدرها شركات وأعمال كل فرد ينتمي الى طبقة عمالقة عالم الأعمال الروسي. ووفقًا لما تمليه علينا قواعد المنطق، من المؤكد أن رأس السلطة سوف يأخذ دائما الجانب الاقتصادي في عين الاعتبار حال اقدامه على اتخاذ قرار ما. وفي حالتنا، تُعد هذه الطبقة جزء لا يتجزأ من الاقتصاد الروسي، وهو ما يفسر الدور الذي تلعبه في المشهد السياسي.

Scroll Up