شكٌلت زيارة وزير الخارجية التركي ” مولود تشاوش أغلو” إلى منطقة غرب أفريقيا في التاسع من سبتمبر الجاري، نقطة تحول مهمة في خارطة التفاعل التركي وانخراطه في العمق الإفريقي، حيث تضمنت زيارة جولة في مالي وغينيا بيساو والسنغال، لتُكلل ببعض النجاحات في توقيع عدد من الاتفاقيات التجارية والعسكرية، لتُزيد تركيا من مجال تحركها في المناطق الحيوية في إفريقيا، خاصة وأن تلك الزيارة تأتي خلال فترة قصيرة (شهرين) من جولة مماثلة لوزيرة الخارجية التركي في ثلاثة دول من الغرب الإفريقي تشمل كلاً من (غينيا الاستوائية – توجو – النيجر).
ولعل زيارة “أوغلو” لدولة مالي على رأس جولته الأخيرة، تُعد في حد ذاتها محطة هامة تؤسس لعلاقات جديدة بين “أنقرة” و “باماكو” في مرحلة ما بعد رحيل “بوبكر كيتا”، حيث ألتقى خلالها أعضاء اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب التي تم تشكيلها من جانب القوى العسكرية والمدنية عقب الإطاحة بالرئيس ” كيتا” ورئيس الوزراء “بوبو سيسي”، حيث دعمت تركيا ذلك المسار في نهج جديد للتعاطي مع مثل تلك الحالات داخل القارة يبتباين خلالها تعاطي أنقرة مع الأحداث المتشابهة كما هو الحال بالنسبة للسودان بعد الإطاحة بالبشير.
وتضع تلك الجولة – المراد منها التغلغل في النطاق الغربي لإفريقيا- يضع أمامنا تساؤلات عديدة على رأسها ماهية المصالح التركية في الغرب الإفريقي والدوافع المختلفة وراء تلك الزيارات ودلالاتها المختلفة.

دوافع متعددة ومصالح متشابكة


إن خريطة المصالح والأهداف التركية في إفريقيا بصورة عامة وإقليم غرب إفريقيا، تتبلور حول جملة من الدوافع والأهداف عكستها زيارة وزير الخارجية التركي إلى دول غرب إفريقيا ويمكن تقسيمها لبعدين كالتالي:
• الدوافع والأهداف التكتيكية
إن زيارة وزير الخارجية التركي إلى (مالي – غينيا بيساو – السنغال) ومن قبلها النيجر، جاءت ممزوجة بعدد من الأهداف التكتيكية، تتمثل أولى تلك الأهداف في خلق مسرح ضاغط على فرنسا، خاصة في أعقاب حالة التصعيد التي تشهدها الدولتان في نطاق البحر المتوسط على خلفية اتفاقيات ترسيم الحدود والانتهاكات التركية لمبادئ القانون الدولي، وبما يمثل أحد أوراق الضغط على فرنسا في معادلة شرق المتوسط، في ضوء سياسة المناكفة معها في ذلك النطاق، خاصة وأن أنقرة تعي جيداً الوضعية الاستراتيجية لمنطقة غرب إفريقيا على الأجندة الخارجية لفرنسا والتي تعتبر بمثابة مناطق سيادية تقليدية لباريس، ولعل الاتفاقية العسكرية الموقعة بين أنقرة والنيجر في الخامس والعشرين من يوليو الماضي تمهد نحو تحجيم النفوذ الفرنسي وتقليل فرص الجهود العسكرية الفرنسية، في منطقة الساحل الأفريقي.
واستكمالاً للسابق؛ فإن الانخراط المبكر لأنقرة في المشهد السياسي المالي، تأتي في رغبة أنقرة في خلط الأوراق وتنوع أوراق الضغط على الجانب الأووبي خاصة في ملف الهجرة غير الشرعية أو عبر تصدير العناصر المتطرفة إلى تلك الدول، مستغلة حالة الفوضى التي تشهدها دول غرب إفريقيا وعلى رأسها مالي والنيجر وتشاد.
ويتجلى الهدف التكتيكي الآخر في تطويق ليبيا عبر جوارها الجغرافي الجنوبي وخلق موطأ قدم في تلك المنطقة دعماً لمصالحها داخل ذلك المسرح الاستراتيجي، وقد تجلى ذلك في إعطاء أولوية للملف الليبي على أجندة زيارات وزير الخارجية التركي لكل من النيجر ومالي والسنغال، خاصة في ظل فشل أنقرة استمالة كلاً من تونس والجزائر لصالحها في خضم الصراع الليبي، لذا تسعى تركيا إلى تشكيل حلفاء إقليميين ذو مصالح جيوبوليتيكية مع ليبيا كما هو الحال بالنسبة لتشاد والنيجر، وهو في مجمله نقطة انطلاق لأنقرة في الغرب الأفريقي.
ولا يمكن فصل الداخل التركي عن خارطة التحرك التركي في إفريقيا ومنها تسويق صورة ذهنية للرأي العام الداخلي مفاداها انتهاج حزب العدالة والتنمية سياسات متوازنة في التفاعل الخارجي فضلاً عن دعم مسار التحولات الديمقراطية في الدول الإفريقية وهو ما يُفهم من خلال حالة الإسراع التركي للتواجد في خضم المشهد المالي في أعقاب الإطاحة بالرئيس كيتا، خاصة في ظل حالة الاضطراب التي يشهدها الداخل التركي جراء تدخلها في الأزمة الليبية.
واتصالاً بالبعد الداخلي التركي، ونتيجة لما يعانيه الاقتصاد التركي من تراجع ملحوظ خلال الآونة الأخيرة، فهي تسعى إلى تحقيق توازن في الاقتصاد التركي وذلك عبر تنوع الشركاء الاستراتيجيين لها في إطار الإقليم، وعلى ضوء ذلك تتنامى الأهمية الاقتصادية لأفريقيا بالنسبة لأنقرة، وتستهدف تركيا تنوع تبادلاتها التجارية خاصة في ظل حالة التصدع التي تشهد العلاقات التركيا مع دول الاتحاد الأوروبي وكذلك مع غالبية الدول العربية، والانخراط الأخير في غرب أفريقيا يأتي لُيحقق ذلك خاصة وأن دول تلك المنطقة أعضاء في منظمة الإيكواس.
• الدوافع الاستراتيجية:
إن أحد الدوافع الاستراتيجية طويلة الآمد لأنقرة في إفريقيا بصفة عامة وفي إقليم غرب إفريقيا، تتمثل في تحقيق تواجد وتعزيز حضورها الدبلوماسي والتجاري والعسكري، وقد استطاعت تركيا خلال الجولات الأخيرة من افتتاح سفارتها بصورة رسمية في غينيا الإستوائية يوليو الماضي، لترتفع نسبة التمثيل الدبلوماسي داخل القارة بموجب سفارة 43 سفارة خلال عام 2020.
واتصالاً بالسابق؛ هناك مساع تركية ورغبة في إعادة الانتشار داخل القارة الإفريقية في إقليم الساحل والصحراء بعيداً عن الدوائر التقليدية ذات التنافس الإقليمي كما هو الحال بالنسبة لمنطقة القرن الإفريقي الذي يشهد حالة من التنافس والتزاحم من جانب الدول الخليجية والإقليمية، لذا كان التركيز على دول الغرب ذات الأهمية المحدودة بالنسبة للدول الخليجية وعلى رأسها السعودية والإمارات.
ويتمحور الهدف الاستراتيجي الثالث في إعادة توطن وتمركز الجماعات المسلحة عبر البوابة الجنوبية الغربية لليبيا، حيث تستهدف تركيا استغلال حالة السيولة الليبية، لإعادة تمركز المرتزقة داخل نطاق جغرافي آخر يتجلى في منطقة الساحل والصحراء، التي تمتاز دولها بحالة التدهور الأمني والفوضى وعدم الاستقرار على خلفية تمدد الحركات المتطرفة وبروز الصراعات القبلية، بما يسمح بمرونة حركة العناصر المتطرفة إليها ودمجها مع بعض الحركات المسلحة القائمة بالفعل في ذلك النطاق من بينها تنظيم داعش والقاعدة وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم بوكو حرام، علاوة على خروج بعض الأقاليم داخل الدول عن سيطرة الجيش النظامي كما هو الحال بالنسبة للمقاطعات الشمالية لدولة مالي من بينها “كيدال – غاو – تمبكتو) التي تحولت جيوب للحركات المسلحة.
وفي هذا الإطار أفادت عدد من التقارير عن إرسال أنقرة ما يقارب من 900 عنصر متطرف للانضمام إلى تنظيم داعش في شمال غرب مالي والذي يقوده “عبد الحكيم صحرواي”، وهو ما يبرهن على رغبة تركيا في إعادة ترتيب تواجد العناصر المتطرفة وذلك عبر آلية “المناطق البديلة”.
ويتجلى الهدف الاستراتيجي الرابع في تطويق حركة فتح الله غولن في الغرب الإفريقي، خاصة وأنها استطاعت أن تخلق موطاً قدم لها في ذلك النطاق، وفي أعقاب فشل تحركات الخامس عشر من يوليو 2016 التي شهدتها تركيا وصُنفت الحركة على إثر ذلك الانقلاب كحركة إرهابية، شن أردوغان حرباً شاملة ضد فتح الله جولن، والهيمنة على المدارس والجامعات التباعة للحركة في إفريقيا والتي وصلت لنحو (100) مدرسة داخل 40 دولة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وقد برز ذلك الهدف في الضغط على حكومة غينيا الاستوائية لتسليم مدرسة تتبع تنظيم غولن إلى مؤسسة “وقف المعارف التركية” وهو ما نوهٌ عنه وزير الخارجية التركي خلال زيارته لتلك الدولة يوليو الماضي، في سياسات ممتدة لملاحقة غولن داخل غرب إفريقيا، واستكمال الخطوات التي بدأتها منذ عام 2016 والتي نجحت خلالها من السيطرة على كامل المدارس التابعة لغولن في السنغال وإدراجها تحت وصاية الدولة التركية، وكذلك الأمر بالنسبة لتشاد ومالي وتوغو وغينيا بيساو.

دلالات التوقيت


لقد تزامنت زيارة وزير الخارجية التركي لبعض دول منطقة غرب إفريقيا وعلى رأسها مالي، مع عدد من المتغيرات الوطنية والإقليمية يمكن توضيحها في الآتي:

  1. التغيرات الجوهرية التي حدثت على صعيد المشهد السياسي المالي، والتي تجلت في عزل الرئيس المالي “إبراهيم أبو بكر كيتا” في الثامن عشر من شهر أغسطس (2020)، وما تبعها من خطوات أخرى كحل البرلمان، وهو التغيير الذي يُتيح المجال واسعاً أمام أنقرة للانخراط في ترتيبات المرحلة القادمة في السياق الوطني لدولة مالي، والسعي لاقتناص الفرصة ودعم الداعية “محمود ديكو” قائد تجمع القوى الوطنية وحركة “5 يونيو” والذي يعتبر الرمز المُحرك للشارع المالي وواحداً من الشخصيات ذات الخلفية الإسلامية التي تخدم المصالح التركية في تلك المنطقة، خاصة وأن لديه علاقة متواصلة مع حركة “الرؤية الوطنية الإسلامية” في تركيا، وهو الأمر الذي يتيح لأنقرة إقامة علاقات ممتدة مع مالي وربما العمل على إقامة قاعدة عسكرية لها.
  2. تتزامن تلك الجولات مع تطورات السياق الإقليمي داخل الملف الليبي وعلى صعيد شرق المتوسط، حيث شهدت ليبيا تطوراً نسبياً في العملية السياسية على ضوء استضافة المغرب لجلسات حوار بين وفدي مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة في الثامن من سبتمبر الجاري، والذي ساهم في التوصل لتفاهمات حول المناصب السيادية وكذلك وقف إطلاق النار والعودة للحوار مرة أخرى، والتطور الآخر يتجلى في التقارب الأوروبي بشأن رفض الممارسات التركية في مياه شرق المتوسط والتي تجلى أخرها في اجتماع دول جنوب الاتحاد الأوروبي (ميد – 7) في العاشر من سبتمبر الجاري وبلورة استراتيجية أوروبية واضحة للتفاعل مع تركيا، وهو ما يُعد بمثابة إعلان عن خطوط حمراء أمام تركيا في المتوسط، كما يُنذر باحتمالية تكوين حلف “جنوب أوروبي” بقيادة فرنسا لفرض عقوبات اقتصادية على تركيا.
  3. تأتي تلك الزيارات أيضاً لاستكمال التحرك التركي المتواصل في الغرب الإفريقي وتستكمل حلقة الجولات التي يقوم بها وزير الخارجية التركي والتي تضمنت زيارة توغو والنيجر في يوليو من العام الجاري، وكان إحدى مخرجات تلك الزيارة هو توقيع اتفاقية التعاون للتدريب العسكري بين أنقرة ونيامي في الخامس والعشرين من ذات الشهر ، وكذلك زيارة غينيا الاستوائية في ذات الشهر والتي تعتبر الزيارة الأولى على مستوى وزير الخارجية وعلى ضوء تلك الزيارة تم افتتاح السفارة التركية بصورة رسمية في العاصمة مالابو.
  4. زيارة لاحقة لوزير الخارجية الجزائري: تأتي أيضاً تلك الزيارة في أعقاب زيارة وزير الخارجية الجزائري “صبري بوقادم” خلال شهر أغسطس (2020) للعمل على إيجاد مخرج للأزمة السياسية في مالي للحيلولة دون تكرار السيناريو الليبي، إلا أن أنقرة تستهدف التشويش على الدور الجزائري في ذلك الملف منعاً لقطع الطريقأمام تركيا في تحقيق أجندتها في تلك المنطقة

ملامح وسمات ثابتة


إن المتطلع للسياسة الخارجية التركية في ضوء التحركات الأخيرة في غرب إفريقيا يجد أنها تتسم بالآتي:

سياسة ترتكز على “الإيديولوجية” ممزوجة بالبراغماتية: فإذا ما نظرنا إلى نطاق التحرك التركي نجد أنه يمتزج دائماً بالإيديولوجية، حيث يتجلى ذلك النطاق في الدول ذات الحكم الإسلامي أو تلك التي تمتاز بتواجد حركات ذات صبغة إسلامية، كما هو الحال بالنسبة للنيجر ومالي وتشاد التي تمتاز بوجود العديد من الحركات المسلحة والطبيعية القبلية المتنافرة، حيث تمتاز غرب إفريقيا بتواجد فرع لتنظيم داعش وكذلك “حركة أنصار الدين” هذا إلى جانب قبيلة الطوارق التي تعتبر أحد محركات المشهد في مالي وعدد من الدول الآخر ، وهي بمثابة أوراق يتم تجنيدها واستخدامها في تحقيق مصالحها فيما يُعرف باستراتيجية “وكلاء الحرب”، كما تسعى تركيا خلال الوقت الراهن بتوطيد علاقتها مع حركة “تنسيق الحركات والجمعيات والمتعاطفين (CMAS)” التي يترأسها الإمام “محمود ديكو” وهو ما يعتبر ورقة رابحة في أيدي تركيا في المستقبل المنظور.
وهذا النهج يستهدف في نهاية المطاف إلى الرغبة الأردوغانية في استعادة السيطرة على كافة الدول الإفريقية، وإقامة الخلافة العثمانية التي لا تزال أولى الأولويات على أجندة حزب العدالة والتنمية التركي وأحد طموحات أردوغان، فضلاً عن استيعاب الضغوط التي تتعرض لها في إقليم الشرق الأوسط كنتيجة حتمية للتضارب في التوجهات مع بعض القوى الإقليمية والدولية.

سياسة قائمة على اقتناص الفرص واستثمار الأزمات: لقد استغلت تركيا التحديات المختلفة التي تواجهها دول إقليم غرب إفريقيا، من هشاشة وحالة فوضى وتردي في الأوضاع الاقتصادية علاوة على الصراعات الإثنية والقبلية، والتي استطاعت تركيا في استغلالها واقتناص تلك الفرص كبوابة لتعزيز حضورها داخل ذلك النطاق تواجدها داخل تلك الدول، وفي اتجاه ضمان الفوز بالصفقات مع الدول الأفريقية التي بحاجة إلى الدعم الاقتصادي والعسكري.

الاعتماد على سياسية “تشكيل المحاور”: تستهدف أنقرة إلى إعادة هندسة المعادلة الإقليمية في الساحل والصحراء، وهو ما عبرت عنه زيارة “أوغلو” لمنطقة الساحل وغرب أفريقيا في يوليو الماضي وسبتمبر(الجاري) والتي تستهدف إعادة تشكيل المحاور الإقليمية وإحداث تغييرات في ميزان القوى لصالح أنقرة.

سياسة ترتهن إلى فكرة “zero- sum game” أو “Win lose situation”: إن أحد سمات التحرك التركي في غرب إفريقيا يقوم على فكرة تعظيم مكاسب أنقرة على حساب خسائر الأطراف الأخرى أو القوى الإقليمية المنافسة لها ، وهي إحدى إستراتيجية نظرية اللعبة، ففي ضوء رغبة أنقرة لإعادة انتشارها داخل أفريقيا وتحقيقًا لمبدأ القيادة الإقليمية في ملفات الأمن والتعاون الإقليمي والتنمية وغيرها، تطبق تركيا هذا النهج في سياساتها الخارجية حيث تستهدف تلك الدولة أن تكون بديلاً للقوى المتواجدة في إقليم إفريقيا، وتجلى ذلك في زيارة “أوغلو” لدولة مالي كأول دبلوماسي يزور الدولة بعد تفاقم المشد والإطاحة بالرئيس، وهو الأمر الذي يدلل على الرغبة التركيا في سباق الزمن والانفراد بالمعادلة السياسية ووضع قدمها داخل ذلك السياق وقطع الطريق أمام تواجد أي أطراف أخرى، كما حدث في الصومال عام 2011 والتي استغلت أنقرة حالة الفوضى والتردي الاقتصادي والاضطراب السياسي بها وانخرطت على خط الأزمة وباتت تلعب دوراً منفرداً داخل تلك الدولة، وهذه الاستراتيجية تستهدف بها تركيا تعميق الخسارة لدى القوى المنافسة لها سواء أكانت سياسية أو عسكرية أو أيديولوجية.


نهج مستمر وآليات نمطية في غرب القارة


يستند التحرك التركي في إفريقيا بصورة عامة، إلى تبني آليات القوة الناعمة المدعومة بالعلاقات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية وكذلك الثقافية، وفي ضوء ذلك تعتبر آلية “نهج القمم” والزيارات الرسمية واحدة من أساليب تحقيق تلك الاستراتيجية، ولقد بلغت الزيارات الرسمية بين أنقرة والقارة السمراء نحو 500 زيارة منذ عام 2015 حتى عام 2019 – وذلك على ضوء ما ذكره وزير الخارجية التركي في مقاله الذي جاء بعنوان ” “الشراكة مع إفريقيا ضرورة أكثر من أي وقت مضى”.
كما تنتهج أنقرة سياسة تغلغل استثمارية في القطاعات المختلفة، وعملت على تأسيس مجلس أعمال بين تركيا والدول الإفريقية والذي بلغ نحو 43 مجلس تعاون، يقع تحت إشراف لجنة العلاقات الاقتصادية الخارجية التركية بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري داخل القارة.
الأمر الآخر هو دعم المؤسسات الخيرية المتواجدة في إقليم غرب إفريقيا، كما هو الحال بالنسبة لمنظمة “الفاروق” ذات الصلة بالحركات المسلحة التي تُقدم لها أنقرة دعم مالي يُقدر بنحو 3 ملايين دولار سنوياً، وكذلك جمعية “جان صويو” التركية للتعاون والتضامن، والتي تقوم بأعمال ومشاريع تنموية متعددة داخل مالي منذ نحو خمسة عشر عاماً، هذا بخلاف المدارس والمعاهد والجامعات التابعة لمؤسسة “وقف المعارف” كأحد الاستراتيجيات الناعمة للتغلغل في إقليم غرب إفريقيا.
وبخلاف ذلك فإن للأداة العسكرية دورها في تعزيز التواجد التركي في الغرب الإفريقي وذلك عبر المشاركة في عمليات حفظ السلام الدولية في مالي وذلك عقب موافقة البرلمان التركي على ذلك التحرك في نوفمبر 2014، فضلاً عن تطويع “مؤسسة صادات” التركية في تقديم برامج تدريبية عسكرية للجيوش الوطنية تحت مظلة مواجهة التحديات الأمنية وشعارات وهمية من بينها تطوير القدرات النوعية للجيوش، علاوة على تقديم منح تمويلية لقوة دول الساحل الخمس والتي تُقدر بنحو خمسة ملايين دولار، ولكن هي في مجملة أداة لاختراق المؤسسات العسكرية في غرب إفريقيا/ منطقة الساحل والصحراء.
ختاماً؛ إن التفاعل التركي مع الغرب الإفريقي بات ينتهج سياسة أكثر فاعلية تقوم على اقتناص الفرص تحقيقاً للمصالح التكتيكية والاستراتيجية، غير أنه من الملاحظ أن التحرك التي في الآونة الأخيرة تركز على الدول الناطقة باللغة الفرنسية، كدلالة واضحة على رغبة أنقرة في خلط الأوراق وتعظيم الاستفادة من البيئة الإفريقية كمسرحاً جديداً للتنافس مع القوى الأوروبية وعلى رأسها فرنسا، علاوة على تأمين تواجد نطاق بديل لليبيا كي يكون مأوي للعناصر المتطرف والمرتزقة، وتحقيق ما فشلت فيه في إطار المعادلة الليبية وشرق المتوسط إلى العمق الإفريقي والبحر الأحمر، وذلك من خلال الاعتماد على استراتيجية متعددة الجوانب تتضمن الأبعاد العسكرية والاستخباراتية وتعزيز المصالح الاقتصادية والتجارية التركية.

Scroll Up