شهد التعليم الأجنبي في مصر تطورًا منذ نشأته وحتى الوقت الراهن بفعل ما تفرضه المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة، فتأرجحت دوافع إنشاء المدارس الأجنبية ما بين الهدف الديني والهدف الثقافي، وتنوعت المدارس الأجنبية، فمنها ما هو تابع للجاليات الأجنبية، وما هو تابع لمؤسسة المعاهد القومية، وقد كانت السمعة الجيدة للمدارس الأجنبية المحرك الأساسي لظهور مدارس اللغات سواء الحكومية أو الخاصة والتي تتخذ الصفة الأجنبية من خلال تقديم المناهج المصرية المحلية بلغات أجنبية.

وعلى صعيد التعليم الجامعي فقد شهد التعليم العالي نشأة جامعات أجنبية مختلفة، في مقدمتها الجامعة الأمريكية والتي كانت تتصدر قائمة الجامعات التي تقدمها المدارس الدولية كحافز للالتحاق بها.

وتؤثر ظاهرة التعليم الأجنبي على عدة قضايا تربوية واجتماعية مثل: الهوية والتراث الثقافي وتكافؤ الفرص التربوية، وغيرها؛ لذا يتناول هذا المقال تحليل السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتطور التعليم الأجنبي في مصر، وأبرز المتغيرات المجتمعية التي صاحبت هذا التطور واستجابات الدولة لهذا النوع من التعليم

المدارس الأجنبية في مصر

بلغت أعداد المدارس الأجنبية في مصر نحو 57 مدرسة، تنقسم إلى 32 مدرسة أمريكية و11 مدرسة إنجليزية و9 مدارس فرنسية و3 مدارس كندية ومدرستين ألمانيتين، وذلك وفق إحصاء تم نشره عام 2011م. وفي عام 2016 قفزت أعداد المدارس الدولية في مصر لتبلغ نحو 270 مدرسة، الأمر الذي فرض مراجعة تقنين وضع هذه المدارس، وتحديد جهات الإشراف عليها وعلى ما تقدمه من تعليم ومناهج، فبالرغم من وجود قوانين تنظم التعليم الأجنبي في مصر منذ أواخر الستينات إلا أن تقنين إجراءات الترخيص للمدارس الدولية بدأت مع إصدار القرار الوزاري رقم ‏331 ‏ لعام ‏2006‏ والذي أخضع هذه المدارس لإشراف ورقابة وزارة التربية والتعليم‏، وبشكل خاص ما يخص المناهج الدراسية، وتحديد المصروفات الدراسية، وتنظيم الحصول على اعتماد الجهة المانحة للشهادة الدولية تحت إشراف الملحق الثقافى المصرى بالسفارة المصرية لدى دولة الجهة المانحة للشهادة‏‏.

وفي عام 2010 صدرت قرارات وقف التراخيص للمدارس الدولية التي امتنعت عن تدريس مادتي التربية الدينية واللغة العربية، وبعدها بعام واحد عادت التراخيص لإنشاء المدارس الدولية مشروطة بتدريس التربية واللغة العربية والتربية الوطنية والقومية وجغرافيا مصر وتاريخها، على أن يتم تدريس هذه المواد باللغة العربية للطلاب المصريين المقيدين بها.

وفي عام 2014 حددت الدولة نسبة الزيادة السنوية للمصروفات الدراسية بما لا يتجاوز نسبة 7% سنويًا، وألزمت المدارس بتطبيق الأنشطة الرسمية والتي تمثل مظهرًا من مظاهر سيادة الدولة وحفظ هويتها، وتحقق الانتماء والولاء للوطن مثل: أداء تحية العلم، والنشيد الوطني أثناء طابور الصباح.

وما بين العامين التاليين شهدت المدارس الأجنبية في مصر تصاعدًا في التقنين بلغ حد إغلاق عدد من المدارس الدولية، وإيقاف قبول طلبات جديدة لتراخيص إنشاء مدارس دولية جديدة، علاوة على إخضاع بعض المدارس الدولية للإشراف المالي والإداري من قبل وزارة التربية والتعليم، وإنذار مدارس أخرى لتعديات عدم الالتزام باللوائح والقوانين، واستصدار قرارات ازالة لبعض المدارس نتيجة وجود مخالفات مالية وإدارية وجنائية، ما بين قضايا إهدار المال العام، والنصب، والتحرش، والاغتصاب، وطمس اللهوية. 

وفي عام 2017 عادت إتاحة منح التراخيص للمدارس الدولية مرة أخرى، فيما عدا مدارس الدبلومة الأمريكية لحين تقنين ضوابط تنظيم عمل تلك المدارس، والتي تعاني من تعدد القوانين المنظمة للحصول على شهاداتها بسبب لامركزية نظم التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية، فلكل ولاية قانونها الخاص والذي ينظم التعليم بها.

كذلك تم رفع النسبة السنوية المقررة لزيادة المصروفات من 7% لتصبح 14%، على أن يتم تقسيم هذه النسبة على عامين لأول مرة فقط؛ وذلك لمراعاة التضخم الذي فرضه تحرير سعر الصرف آنذاك. وفي 2019 تم تحديد نسبة مساهمة المستثمرين الأجانب فى شركات المدارس الدولية لتصل إلى 20% فقط من أسهم الشركة، ويشترط أن يكون ملاك المدارس شخصيات اعتبارية تحمل الجنسية المصرية، وفى حال مساهمة الأجانب سواء صناديق الاستثمار أو شركة أو هيئة أو أشخاص أو مزدوجى الجنسية فى الشركة فيشترط ألا تزيد مساهمتهم مجتمعين أو منفردين عن 20% من أسهم الشركة المالكة للمدارس.

ومن المعروف أن نسبة المدارس الأجنبية تتناسب طرديًا مع حجم الاستثمار الأجنبي بالدولة، إذ إن الأصل في نشأة المدارس الأجنبية بأي دولة يكون من أجل أبناء الأجانب المقيمين فيها، كأبناء البعثات الدبلوماسية والمستثمرين والخبراء وغيرهم، بيد أن هذا التحليل لا يعد صادقًا بالإسقاط على الحالة المصرية، فَجُل الملتحقين بالمدارس الأجنبية في مصر هم من المصريين.

الأمر الذي كان له بعض السلبيات، كزيادة الفجوة الطبقية الاجتماعية ما بين الطبقة العليا والوسطى، كذلك نمو بعض مظاهر الأمركة الدخيلة على الثقافة المصرية كالاحتفال بالهالوين، واستحداث مصطلحات أمريكية واستخدامها كبدائل لمصطلحات ثقافية تقليدية، مما يهدد الهوية المصرية. الأمر الذي دفع الدولة إلى إنشاء مدارس مصرية دولية بمناهج مصرية معتمدة دوليًا عام 2010م تسمى مدارس النيل الدولية، والتي بلغ عددها اليوم 14 مدرسة، وكذلك إنشاء مدارس مصرية حكومية بمناهج وشهادات دولية عام 2018 تسمى المدارس الرسمية الدولية وتقدم مناهج IG وIP، كاستجابة للإقبال المجتمعي على هذا النوع من المدارس بمصروفات منخفضة تتيح الفرصة للطبقة المتوسطة للالتحاق بأنظمة التعليم الدولية.

الجامعات الأجنبية في مصر

يختلف التعليم الأجنبي الجامعي عن التعليم الأجنبي قبل الجامعي في مصر من حيث النمو والتطور، فالتعليم الأجنبي الجامعي يشهد نموًا أبطأ عن التعليم الأجنبي قبل الجامعي على الرغم من تقارب نشأتهما في مصر، فتعد الجامعة الأمريكية بالقاهرة باكورة التعليم الأجنبي الجامعي في مصر، حيث تأسست عام 1919.

وتوالى بعد ذلك إنشاء الجامعات الأجنبية المختلفة ما بين جامعات دولية خاصة؛ مثل: جامعة مصر الدولية، والجامعة الألمانية في مصر، والجامعة البريطانية في مصر، وجامعة الأهرام الكندية، والجامعة المصرية الروسية، أو جامعات أهلية؛ مثل: الجامعة الفرنسية في مصر، أو جامعات ذات طبيعة خاصة؛ مثل: الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، أو الجامعات التي تم إنشاؤها وفق اتفاقيات دولية؛ مثل: الجامعة الامريكية بالقاهرة، والجامعة الدولية الفرنسية للتنمية الأفريقية والتي تعرف بجامعة سنجور، وجامعة برلين التكنولوجية بالجونة، أوالجامعات التي تمت الموافقة على اللائحة المنظمة لتشغيلها وبدء الدراسة بها؛ مثل: الجامعة المصرية الصينية، وجامعة اسلسكا مصر.

وقد نظم القانون الصادر عام 2018 اجراءات إنشاء فروع الجامعات الأجنبية في مصر بهدف تطوير منظومة التعليم العالى والبحث العلمى فى مصر، بما يعزز توفير فرص التعليم الدولي، ويحفظ الهوية الوطنية، بحيث تمثل نسبة الطلاب المصريين المقيدين بالبرامج التى تمنح فيها درجات علمية 50% من مجموع أعداد الطلاب المقيدين بها، على أن يصدر قرار الإنشاء من سيادة رئيس الجمهورية بناء على عرض وزير التعليم العالي والبحث العلمي بعد موافقة مجلس الوزراء. كما يحدد قانون الاستثمار لعام 2017 جميع الضمانات والحوافز الاستثمارية لإنشاء الجامعات الدولية. 

وقد توسعت مصر في إنشاء الجامعات الأهلية والدولية منذ العام الماضي، وخططت لإنشاء ثماني جامعات دولية في المرحلة الأولى من إنشاءات العاصمة الإدارية الجديدة، على أن تدخل هذه الجامعات الخدمة هذا العام، وتضم هذه الجامعات: الجامعة الألمانية الدولية للعلوم التطبيقية، والتي تم توقيع إنشائها في برلين على هامش زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية. بالإضافة إلى الجامعة الكندية الجديدة، والتي تضم دراسة برامج هندسة الطاقة المستدامة، والذي يعد من أحدث التخصصات الهندسية في العالم، وكذلك الجامعة الأمريكية الدولية، والجامعة البريطانية الجديدة، وجامعة مصر الدولية كأحد فروع جامعة سيناء، علاوة على مجمع الجامعات الأوروبية، والذي يضم الجامعة المجرية، والجامعة السويدية.

إن المتمعن في تحليل تطور التعليم الأجنبي في مصر سيلاحظ بقوة تطور التعليم الأجنبي أبان الأعوام القليلة الماضية؛ فمصر تخطو خطوات مهمة نحو تطوير التعليم الأجنبي بما يضمن حفظ الهوية الوطنية، واستيراد الأنظمة التعليمية الناجحة بما يحقق اسثمار بشري وعائد اقتصادي قوي للدولة.

Scroll Up