عرض – كريستين نبيل

نشر معهد “العلاقات الدولية والاستراتيجية “الفرنسي (IRIS) ورقة بحثية تستعرض سياسة المشتريات لوزارة الدفاع الفرنسية كنموذج عن الدول الغربية، حيث استرسلت في توصيف ما آلت إليه الحرب الباردة من تخفيض الميزانية المخصصة للدفاع، وإصلاح ما يسمى بالمديرية العامة للتسليح (DGA) المسؤول عن المشتريات وتطوير الدفاع المستقبلي، ثم إعادة توجيه المديرية العامة للتسليح نحو البحث العلمي بشكل موسع.

وذكرت “الورقة البحثية” أن ما شهدته السنوات الأخيرة من تطور سريع ألزم وزارة الدفاع الفرنسية لإعادة أهمية الابتكارات الدفاعية إلى قلب أولوياتها لمواجهة تطور التهديدات التي تجابه الدولة، مدفوع بتدعيم من الصناعات الضخمة، والاستثمار بشكل كبير وموسع في البحث العلمي والتطوير.

وأوضحت العلاقات المتشابكة بين المدنيين من قبل عدة جهات فاعلة، والعسكريين من جهة أخرى في مجال الابتكار، وكذلك في عدم وضوح الحدود بين المدنيين والعسكريين، وأيضا العواقب فيما يتعلق بطريقة الابتكار.

 وفيما يتعلق بمجال المشتريات ، أوضحت “الورقة البحثية” أن فرنسا تستثمر بشكل موسع ومنذ سنوات في مجال ابتكار الدفاع ، حيث تعد باريس أكبر مستثمر في مجال البحث والتطوير في مجال الدفاع في أوروبا ، حيث أنفقت حوالي 1.3 مليار يورو في عام 2020، ويتم منح جزء كبير من هذا المبلغ (حوالي 1 مليار يورو) مباشرة إلى الصناعة أو مختبرات البحث، 85٪ موجه إلى البرامج المستقبلية و 15٪  منها تهدف إلى دعم الابتكار المفتوح حيث يتم تخصيص هذه النسبة من المبالغ  لدعم الابتكار التشغيلي مثل التجارب الجديدة، و”المعامل القتالية”، بالإضافة إلى هذا المبلغ من المال ، يعمل حوالي 400 شخص من وزارة الدفاع الفرنسية بشكل مباشر على تحديد الاتجاهات والحلول، وتوجيه الاحتياجات ، واختيار الحلول، وتقييم الابتكار.

وأشارت “الورقة البحثية” إلى أهمية التمييز بين ما يعتبر “ابتكارا” في السياق الفرنسي بارتباطه غالبًا بالاختراقات التكنولوجية، وفي بعض الأحيان يمتد إلى العمليات في قطاع الدفاع مدفوعا برؤية الدولة لاحتياجاتها من خلال البرامج المستقبلية، وتركيزها على التطوير العلمي والابتكار وتجريب المفاهيم الجديدة والمنتجات المزدوجة المحتملة، مع تطوير المنتجات والخدمات المرغوبة، ودمج الابتكار من قبل القطاع المدني.

وفى خضم وجوهر عرض رؤية الابتكار لوزارة الدفاع الفرنسية ينقسم الجهد الفرنسي في تطوير الصناعات الابتكارية في الدفاع إلى ثلاث ركائز رئيسية:

1-  الابتكار المبرمج:

وذلك من خلال طرق متوسطة وطويلة المدى لتحديد الأهداف المرتبطة بالمتطلبات الرئيسية لبرامج أنظمة التسلح من خلال التحليلات والرؤى الاستشرافية، ومراجعتها بانتظام مع الصناعة لدمج الجهود ذاتية التمويل التي تبذلها الصناعة للقطاعات الأخرى.

 2- الابتكار المزدوج:

لمدة عشرين عامًا، كانت المديرية العامة للتسليح المنوطة بتحديد ودعم الابتكارات الموجودة في القطاع المدني التي يمكن أن يكون لها تطبيقات دفاعية، وطوّرت برامج لاختبار ودعم الابتكار القادم من الشركات الناشئة والشركات الصغيرة والمتوسطة. على سبيل المثال، تقدم منحا للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تقدم موضوعات مبتكرة ذات اهتمام وتغطي المنحة حوالي 70٪ إلى 80٪ من نفقات البحث والتطوير.

 3- الابتكار الداخلي:

يعد الابتكار ضروريا لدمج الابتكار التشغيلي، ويقدم ميزة السماح بالاقتران والمزج بشكل سريع بين مفهوم الوظيفية ومعدات التسليح، والتي يصعب على الآخرين تحقيقها، وأيضا باستخدام المنح التي يتم توجيها إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة أو الشركات الناشئة لتنفيذ ابتكاراتهم.

“النتائج مرضية على مستوى العالم ولكنها غير قابلة للتحسن”

وذكرت الورقة البحثية أنه للحكم على ما إذا كان الابتكار ناجحًا أم لا، يتم استخدم المقاييس التالية:

  • الدمج في برامج الابتكار الممول
  • مستوى الأداء الذي وصل إليه نظام التسليح مقارنة بالآخرين.
  • وأخيرا الكفاءات الصناعية والتكنولوجية ومدى تطورها.

فيسمح الابتكار المخطط لفرنسا ليس بحسب على الحفاظ على خبرتها في معظم المجالات الأساسية، ولكن أيضًا لتقديم حلول “ذكية” بشكل خاص لأنظمة تسليحها، ومع ذلك ونظرا لأولويات الميزانية، تعاني بعض المجالات التكنولوجية نقصا في التمويل الدفاعي الذي يؤثر بشدة على المستوى المطلوب من المهارات التكنولوجية.

ويشكل دعم المجال المدني كما هو الحال في علم الطيران أو الإلكترونيات في إدارة وتقليل الفجوة مع تحديد التقنيات العسكرية المخصصة ودعمها من خلال برامج توضيحية متخصصة.

الابتكار والمشتريات في وزارة الدفاع الفرنسية             

في عام 2017 ، طالبت الحكومة المنتخبة الجديدة بإصلاح عمليات الابتكار والتنظيم داخل وزارة الدفاع الفرنسية، وكانت المشاكل الرئيسية التي يتعين حلها هي ازدواج هياكل وأدوات الابتكار،  ونقص التنسيق داخل وزارة الدفاع بشأن الأولويات ، وضعف الانفتاح على الابتكار المدني ، والصعوبة التي تواجهها الابتكارات لدمج برامج التسليح بنجاح، لذا فكان لازمًا إنشاء ما يسمى ب” وكالة الابتكار للدفاع” وهي وكالة مستقلة مسؤولة عن جمع وتطوير جميع أنواع الابتكارات التكنولوجية والتنظيمية داخل وزارة الدفاع الفرنسية وكذلك اعتماد وثيقة توجيه الابتكار الدفاعي.

ومن بين التطورات الرئيسية، ينبغي ملاحظة التغييرات التالية:

• عملية إدارة برامج مدفوعة برؤية مستقبلية ومبسطة مع تقليل المراحل الإدارية في قرارات البرنامج من 6 إلى 3 مراحل (البدء، الإدراك، تنفيذ في الخدمة)

• تركيز قوي على عمليات التسليم المتزايدة وتسريع القدرات ووضع الابتكار بانتظام في البرامج

• رؤية مشتركة للمواصفات المشتركة بين هيئة الأركان المشتركة وإدارة الشؤون العامة

• دمج أفضل لقيود متطلبات التصدير في التصميم الأولي

وأشارت الورقة إلى أن هذا الإصلاح يهدف إلى اقتراح مبادئ توجيهية لإدارة الابتكار لكنه فشل في توفيرها بسرعة، وسبب التأخير هو الحاجة إلى تجربة هياكل جديدة وإجراءات جديدة للتحقق من كفاءتها.

العديد من التجارب قيد التنفيذ حاليًا:

  • CENTURION ( مصطلح يُطلق على “قائد المئة” في الجيش الروماني قديما) هي برنامج كمرحلة تحضيرية بدأت في يناير 2020 ، تهدف إلى توفير الجيل القادم من معدات لجنود المشاة ضمن أهداف واضحة مثل كفاءة الجندي وتخفيض وزن المعدات.
  • إنشاء مجموعات الابتكار المتخصصة في المجالات الدفاعية المخصصة في المناطق التي تركز فيها الصناعة بالفعل على هذا المجال، فمثلا في تولون بها أكبر قاعدة بحرية، تشرف على ابتكار برامج للبحرية
  • وكالة ابتكار الدفاع تجري دعوات موضوعية منتظمة لتقديم مقترحات وأيضا مسابقات وتحديات في كثير من الأحيان وتكريم الفائزين، مع إنشاء وحدة شراء مخصصة للمشروعات والابتكارات ذات الأهمية.

أولويات تكنولوجيا الدفاع الفرنسية

ثم ركزت الورقة على الأولويات الرئيسية والأهداف الرئيسية للابتكار لوزارة الدفاع وهي:

المركبات ذاتية القيادة في جميع البيئات: هذا يشمل السيطرة على التحديات مع المرونة، والتحكم في الأسطول، ورفع تطور تقنيات السرب وتحديد الموقع الجغرافي.

– جمع ومعالجة وتحليل البيانات: من دمج البيانات، والبيانات متعددة المصادر، وجمع البيانات الضخمة وتحليلها، وهذا يشمل الكشف عن أي سلوكيات غير طبيعية، وتطوير أجهزة استشعار ذكية

المسؤولية الاجتماعية للشركات والبيئة والموارد البشرية والتدريب، والبصمة البيئية ، بما في ذلك الطاقة في مسارح العمليات المختلفة.

الإنسان (من التطور العقلي ، والصحي ، التقنيات القابلة للارتداء كالأقنعة والدروع المتطور او اى ما يمكن ارتدائه بشكل متطور) والآلات البشرية الروبوتات ،واجهات مع التقدم المتوقع في واجهة التحكم في الصوت والدماغ والآلة وكذلك في التطبيب عن بعد

مواضيع عرضية مثل حاسبة الكم والذكاء الاصطناعي ،و الاتصالات ،والأمن السيبراني بجميع أشكاله ، والتكنولوجيا الحيوية .

حدود الإصلاح

في السياق ذاته، استعرضت الورقة نتائج عملية الإصلاح المبتكرة والمشتريات على النحو التالي:

  • أن تكون أكثر فاعلية في تحديد الابتكارات من جميع الأنواع وإدخال فيها البرامج حال ما تكون متاحة وناضجة
  • تغيير العقليات بعمق، لصالح المخاطرة والحد من الأثر المالي في المراحل المبكرة من البرامج
  • اشراك القاعدة الصناعية بأكملها في عملية الابتكار بفتح السوق امام الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة والمختبرات

ومع ذلك، فقد ظهرت بالفعل بعض الصعوبات:

  • المخاطر المالية: فهناك صعوبات تواجه شركات الدفاع للحصول على التمويل اللازم، لاسيما للشركات الناشئة التي تعاني من رفض التمويل بشكل متكرر من قبل البنوك لأسباب تتعلق بقوانين الالتزام
  • الروابط المُعقدة بين الابتكار والسياسة الصناعية: فيجب أن تضمن الصناعة الدفاعية الوصول إلى استقلالية التوريد لمعظم المجالات المهمة، وليس فقط في المجالات الوسيطة من خلال وثيقة التوجيه للابتكار الدفاعي المعتمد على التقنيات المبتكرة للغاية كالذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمية، التكنولوجيا الحيوية، أجهزة الاستشعار الذكية ، الروبوتات ، إلخ)، ولكنها تضع جانبًا في دعم “التقنيات القديمة” (مثل مواد المركبات المدرعة أو الغواصات وتقنيات المحركات والمكونات الإلكترونية وما إلى ذلك) .
  • تظل الرؤية الحالية ذات عقلية فرنسية بشكل أساسي مع القليل من التفكير بشأن التنسيق الأوروبي
  • ·         مضاعفة آليات دعم الابتكار في فرنسا وأوروبا: يجعل من الصعب فهمها بالنسبة للشركات الصغيرة ذات الموارد البشرية المحدودة وخاصة بالنسبة للجهات الفاعلة غير الدفاعية، كما تتزايد المنافسة أيضا، مما يحد من فرص النجاح الامر الذي يؤثر على حماس المستثمرين في عملية الدفاع.
  • الوقت عامل رئيسي للحكم على النجاح المحتمل لمثل هذا الهيكل: أدى التحول المستمر في وزارة الدفاع على مدى أكثر من 30 عامًا إلى وضع وكالة ابتكار الدفاع تحت ضغوط النتائج الفورية، لذلك يتم دفع وكالة الابتكار لتحقيق نتائج قصيرة الأجل بدلا من التركيز على مواضيع طويلة الأمد.

يظل تأثير الإصلاحات على سياسات الشراء غير مؤكد

على الرغم من عدم سهولة تحديد تأثير الإصلاح الحالي لأنه بدأ للتو واهداف البرامج طويلة الأمد، ولكن على مدى السنوات العشر الماضية تم بالفعل تحديد عدة نقاط مثل:

  • تسمح عملية “”RAPID (التسريع) للشركات الصغيرة والمتوسطة بتطوير منتجاتها الخاصة بعروض موثوقة في غضون من 3 إلى 5 سنوات بعد تخصيص المنحة من وكالة الدفاع
  • تغيير العقليات يستغرق وقتًا، فالابتكار هو أحد المخاطر الرئيسية الذي يتطلب هياكل إدارية متخصصة، لذا فيظل الحاجة إلى تخصص في الهياكل الإدارية وإجراءات في الميزانية داخل هياكل المؤسسات الناشئة
  • سرعة منح العقود يمثل تحديًا كبيرًا في السنوات القادمة حيث ثقل الأنظمة والمعايير في العالم العسكري مع الاصطدام باللوائح المدنية.

صندوق الدفاع الأوروبي ضروري لتطوير الابتكار على المستوى الأوروبي

وخلصت “الورقة” البحثية إلى إبراز دور صندوق الدفاع الأوروبي، حيث أنه لسنوات عديدة، كان الناتو (منظمة حلف شمال الأطلنطي) هو المكان الذي نجد فيه المشاريع الأوروبية المبتكرة، ويتم فيها تقديم تلك الابتكارات ولكن نادرا ما يتم تمويلها طوعا لتسريع تنميتها.

لهذا تم انشاء صندوق الدفاع الأوروبي والذي تم إطلاقه في عام 2018 ويهدف إلى دعم تنمية الابتكار على نطاق أوروبي بين 2021 و 2027، وتقديم الدعم للشركات المبتكرة في المشاريع الكبيرة المرتبطة بالبرامج المستقبلية.

  ختامًا

 قدمت “الورقة البحثية” عدة توصيات كتطوير الابتكار الدفاعي تماشيا مع أولويات الدفاع في أوروبا، وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي لها وتوقع احتياجاتها المستقبلية مع التركيز على الموضوعات التكنولوجية المتقدمة ذات الأهمية الجوهرية، ويجب ان يتم تمويل الابتكار في الشؤون العسكرية ليس من الميزانية الرسمية فحسب ولكن أيضا من مصادر أخرى متنوعة لضمان استمراريتها وتفوقها النوعي، ويجب أن تمزج وكالة الابتكار الدفاعي الأوروبية المستقبلية بين الخبرة الدفاعية وأفرادًا من القطاعات الاقتصادية وعلماء من كل مكان بما في ذلك علماء من العلوم الاجتماعية.

Scroll Up